حوار مع الرفيق المصطفى براهمة حول قرار التطبيع


المصطفى براهمة: فلسطين أمانة والتطبيع خيانة

احتواء النظام لقسم من النخب السياسية عزّز شعوره بالقوة
التعاون الأمني بين النظام وإسرائيل سيستهدف القوى الوطنية
نطرا لأهمية المقال نعيد نشره عن الأخبار لتعميم الفائدة في موقع النهج الديمقراطي لتعميم الفائدة

لا ريب في أن النظام المغربي، عندما اتخذ قراره بالتطبيع مع إسرائيل، استند إلى تقدير للموقف يَفترض نجاحه في احتواء أيّ معارضة شعبية داخلية له. هو حرص على تقديم خطوته باعتبارها «مكسباً تاريخياً» للمغرب، تَمثّل في الحصول على اعتراف أميركي بمغربية الصحراء أمام الرأي العام. هو يعتمد أيضاً على تمكّنه من احتواء قطاع وازن من النخب السياسية، بما فيها تلك المحسوبة تاريخياً على اليسار، والتي سارعت إلى مباركة خطوته. لكن المصطفى براهمة، الكاتب الوطني لحزب «النهج الديمقراطي»، أحد أبرز تنظيمات اليسار الجذري في البلاد، رأى، في مقابلة مع «الأخبار»، أن تجذُّر قضية فلسطين في وجدان الشعب المغربي، واعتباره الكيان الصهيوني شريكاً للنظام في السياسات القمعية المعادية له ولقواه الوطنية، سيُفضيان إلى تصعيد النضال من أجل إحباط مخطّطات التطبيع.

علاقات النظام المغربي مع الكيان الصهيوني قديمة وعميقة، لكنّ الأول حرص على عدم الجهر بالعديد من جوانبها وأبعادها. ما هي خلفيات قراره اليوم بالتطبيع الكامل مع هذا الكيان، والانضمام إلى المحور الأميركي – الإسرائيلي – الخليجي؟

– لم يتردّد وزير خارجية المغرب في الاعتراف بأن علاقات النظام مع الكيان الصهيوني قديمة وثابتة، غير أنّ أوجهاً كثيرة منها كانت سرّية. قرار إخراجها إلى العلن وثيق الصلة بمشروع «صفقة القرن»، الهادف من منظور دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، إلى تصفية القضية الفلسطينية. غاية التطبيع في السياق الحالي هي محاولة إثبات عدم مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الشعوب العربية والمغاربية والإسلامية. أقدم النظام المغربي على هذه الخطوة تلبيةً لرغبات ترامب مقابل موقف الأخير من قضية الصحراء. حالة الضعف التي تعاني منها حركة التحرّر الوطني العربية، وكذلك ضعف القيادة الفلسطينية وعدم قدرتها على الحفاظ على زخم الدعم الجماهيري للقضية الفلسطينية بين شعوب البلدان العربية، جميعها عوامل سهّلت وصول الأوضاع إلى الدرك الراهن. الدور الذي قام به مكتب «منظمة التحرير الفلسطينية» في المغرب مثلاً في السابق، لا يمكن مقارنته بما يفعله السفير الفلسطيني حالياً. أتذكّر جيداً الدور الذي لعبه الأخ واصف منصور، ممثّل المنظمة، الذي كان يشارك في الفعّاليات الشعبية التضامنية مع فلسطين، في أيّ جامعة أو مدرسة وفي أيّ ناحية من نواحي البلاد. للمغاربة علاقات تاريخية بالقضية الفلسطينية، منذ صلاح الدين الذي هبّوا لنصرته. حيّ المغاربة وباب المغاربة في القدس يشهدان على ذلك. وفي عصرنا الحديث، فإن الجنود المغاربة الذين أُرسلوا من قِبَل النظام للقتال في الجولان وسيناء كانوا جميعاً من المتطوّعين، وسقوا بدمائهم القنيطرة التي توجد فيها مقبرة لهم. المغاربة يعتبرون فلسطين قضية وطنية مقدّسة بالنسبة إليهم، وهي تحظى بمرتبة مركزية بين قواهم الوطنية والديمقراطية والثورية.
الشعب المغربي قادر على التصدّي والمقاومة، وقواه الحيّة مستعدّة لهذه المرحلة الجديدة

النظام المغربي مدرك، بناءً على ما تفضّلتم به، أن قراره غير شعبي، وأنه قد تترتّب عليه تداعيات في الداخل. كيف تفسرون عدم أخذه لهذا الأمر في الاعتبار؟

– كان النظام في الماضي، على الرغم من قمعه لقوى المعارضة، يسمح بتنظيم فعّاليات جماهيرية وتظاهرات مؤيّدة لفلسطين، وكانت هذه القوى تعتبرها فرصة لتُبرز قوتها في الشارع. اليوم، هناك اختلالات عميقة على مستوى النخب السياسية المغربية. استطاع النظام إدماج أحزاب كـ«الاتحاد الاشتراكي» و«حزب التقدّم والاشتراكية»، الشيوعي سابقاً، في بنيته. أيّد هذان الحزبان قرار النظام، حالهما حال الأحزاب الرسمية الأخرى المشاركة في الحكومة أو المعارضة، باستثناء نائبين في البرلمان عن «فدرالية اليسار الديمقراطي». يعتبر النظام أنه نجح في احتواء قسم كبير من الحركة الوطنيىة المغربية، بما فيها «حزب الاستقلال». اليسار الحقيقي، ممثَّلاً بـ«النهج الديمقراطي» و«فدرالية اليسار الديمقراطي» والحركة النقابية المناضلة والحركة الحقوقية والمجتمع المدني النظيف وغير المرتهن للخارج والحراكات الشعبية المستمرة منذ حركة 20 شباط/ فبراير 2011، بقي ثابتاً على موقفه المبدئي. يظنّ النظام أنه من خلال تمكّنه من استيعاب الأحزاب الآنفة الذكر، يستطيع أن يمضي قدماً. لكن ما لا يدركه ربما هو أن هذه القضية متجذّرة في وجدان الشعب المغربي. قد لا يقع ردّ فعل مباشر على ما جرى، لكن القضية ستبقى حاضرة في جميع النضالات والصراعات التي يشهدها المغرب. «الشبكة الديمقراطية المغربية للدفاع عن قضايا الشعوب والقضية الفلسطينية»، التي تضمّ أكثر من 37 تنظيماً وهيئة، وقّعت بيان إدانة لقرار التطبيع الذي كانت تطالب بتجريمه في الماضي. دعت الشبكة إلى وقفة احتجاجية يوم الإثنين، فقام النظام بنشر غير مسبوق لقوات الأمن لمنعها.

للحركة الوطنية المغربية تاريخ من المواجهة مع الكيان الصهيوني. لم يعد سرّاً اليوم أن الاستخبارات الإسرائيلية ساهمت في اختطاف أحد قادتها وتصفيته، وهو الشهيد المهدي بن بركة، وأن هذه الأجهزة تتعاون مع الأجهزة الأمنية في المغرب ودرّبت بعض كوادرها. التطبيع وما سيستتبعه من تطوير للتعاون بينها سيعنيان أيضاً المزيد من الاستهداف لفصائل هذه الحركة؟

– نحن نعي تماماً هذه المخاطر، وموقفنا الرافض للتطبيع ليس عاطفياً فحسب. لقد تمّ الكشف في الآونة الأخيرة عن جملة من المعطيات، الواردة في مذكّرات وشهادات عن فترة السبعينيات، متّصلة بدور «الموساد» على المستوى الأمني في المغرب. اعتقلت الأجهزة المغربية أخيراً المناضل عمر الراضي، وهو صحافي، بعد أن اتهمها باستعمال تقنيات إسرائيلية للتجسّس على المواطنين. هو قال إن هذه التقنيات لا تباع إلا للدول، وإن الشركات لا تمتلكها بل الدول. هذا يؤشّر إلى أن المخاطر فعلية وشديدة على الحركة الجماهيرية وعلى وسائل الإعلام. غير أن الشعب المغربي قادر على التصدّي والمقاومة، وقواه الحيّة مستعدّة لهذه المرحلة الجديدة من الكفاح.

برزت معلومات في السنوات الماضية عن محاولات إسرائيلية لاختراق النسيج الاجتماعي في المغرب، خصوصاً مع بدء شركة إسرائيلية العمل في إحدى المناطق المغربية، وسعيها لنسج صلات مع بعض الأوساط المحسوبة على الحركة الأمازيغية. ما هي معطياتكم حول هذا الموضوع؟

-المكوّن الأمازيغي هو المكوّن الأصلي في الشعب المغربي، وجاء من بعده الرافد العربي والإسلامي. الأغلبية الساحقة من الحركة الأمازيغية مع القضية الفلسطينية، لكنّ هناك جهوداً لاختراق بعض الأبواق الأمازيغية وغير الأمازيغية عبر تقديم إغراءات ومكاسب مادية ومالية. لكنّ القوى الحية في المجتمع المغربي والجسم الإعلامي والنقابة الوطنية للصحافة المغربية يتصدّون لهذه المحاولات. لدينا في المغرب، إضافة إلى حركة المقاطعة ولجان التضامن مع فلسطين، مرصد لمراقبة محاولات التطبيع. تابَع هذا المرصد نشاط شركة إسرائيلية في أحد الجبال، تضمّ متقاعدين من الجيش الإسرائيلي، وتنظّم دورات للتدريب العسكري بذريعة إعداد أفراد للعمل في مجال الأمن الخاص وحماية الشخصيات. لقد تمّ إفشال مهمة هذه الشركة. هناك يقظة وحذر، ومثل هذه المساعي لا تمرّ مرور الكرام، والحركة الأمازيغية أصيلة ومسانِدة للقضية الفلسطينية على غرار غيرها من القوى الوطنية في المغرب. هذه القوى ستستمرّ في نضالها دفاعاً عن فلسطين، وشعارها هو ذلك الذي رُفع في الوقفة الممنوعة يوم الإثنين، وهو : فلسطين أمانة والتطبيع خيانة!

الكاتب الوطنيّ لحزب «النهج الديمقراطيّ» المغربيّ

عن الأخبار