افتتاحية: البادية أمام نكبة الجفاف


كلمة العدد*

البادية أمام نكبة الجفاف

مع حدة وخطورة الجفاف هذه السنة أصبحت أغلبية جهات المغرب تعيش حالة مزمنة من الجفاف. لقد تراجعت كمية الأمطار المسجلة، سنة بعد أخرى، فطال أمد الجفاف وهو ما يعكسه مستوى حقينة السدود في مجمل مناطق المغرب. وصل تدهور مستوى الحقينة إلى مستويات خطيرة جدا، أصبحت معه البادية في هذه السنة أمام خطر داهم مرشح للتفاقم أكثر في الأشهر القليلة المقبلة مع حلول فصل الصيف. وبدون مبالغة يمكن اعتبار البادية اليوم منطقة منكوبة. وكما هي عادة الدولة، فإنها ترفض الإعلان عن حالة النكبة لما لذلك من تبعات اجتماعية وسياسية. لكن المعطيات المتوفرة والمستجدات الأخيرة المتمثلة في تخصيص رئيس الدولة غلافا ماليا استعجاليا يصل إلى 10 ملايير درهم، يبين الهلع الذي استحوذ على الدولة وانشغالها بخطورة الاوضاع في البادية. وكما هي العادة فان هذا الغلاف سيخصص منه 3 ملايير درهم لتنفيذ سياسة التنمية البشرية و7 ملايير المتبقية ستصرف على الشركات الكبرى منها 6 مليارات ستذهب للابناك كدعم لها تحت مبرر مساعدة الفلاحين لمواجهة أعباء القروض ومليار سيذهب بدوره لشركات التامين تحت مبرر التامين على مخلفات الجفاف. إنها دائما تلك الحلول الاستعجالية والارتجالية من اجل التهدئة والتطمين وشراء السلم الاجتماعي بالبادية مؤقتا كحل في انتظار ما ستجود به السماء من امطار وترجع الوضعية إلى سابق عهدها.

انها نفس الحلول والمجربة سابقا ولذلك ستبقى دار لقمان على حالها. اننا نعتبر موضوع الجفاف ومواجهة اثاره قضية سياسية واختيارات طبقية وفي هذا يكمن جذر الازمة الهيكلية التي يتخبط فيها النظام الاقتصادي والاجتماعي المطبق. فمادام هذا الاقتصاد موجها بعقيدة التبعية ويخدم مصالح كمشة من الاحتكاريين لملكية وسائل الانتاج وملكية الاراضي الجيدة من طرف حفنة من المعمرين الجدد فان الافات الاجتماعية والطبيعية سيكون لها الوقع السلبي والخطير على حياة الجماهير الشعبية. ان اركان سياسة الدولة في الفلاحة من سدود ومن ضخ الاموال الطائلة في المغرب الاخضر والازرق ابانت على الفشل الدريع. فهاهي الفرشة المائية التي كانت تعتبر راسمال المغرب والتي تكونت على مدى ملايين السنين قد استنزفت في سقي فلاجات تصديرية ذهب ماء هذه الفرشة عبر الحوامض والخضراوات الى اوروبا وهاهي أيضا السدود وقد أصابها بعض التلف، بتراكم الاوحال التي تحولت إلى طبقات طينية مضرة بالبنية التحتية لهذه السدود.

لن تنفع الحلول الارتجالية في معالجة ازمة البادية ما لم يتحرر المغرب من التبعية ومن سلطة الكمبرادور وملاك الاراضي الكبار وساعتها يمكن وضع سياسة الاصلاح الزراعي الذي يحرر الاراضي من الطبقات الطفيلية التي تنهب ساكنة البوادي وتوزع الاراضي على الفلاحين الفقراء والمعدمين وتوضع اختيارات استراتيجية تمكن من تحقيق السيادة الغذائية في مجمل المواد التي يحتاجها شعبنا ويتحرر من الاستيراد والتبعية للخارج. ان تحقيق السيادة الغذائية يرتكز على شرط تدبير الماء والحفاظ عليه وتوجيهه للزراعات الغير الملائمة للشروط والعوامل الجديدة الحاصلة في التطور المناخي. كما ان سياسة الإصلاح الزراعي لن تنجح إذا لم تندمج في منظومة اقتصادية واجتماعية جديدة تتكامل فيها الفلاحة والصناعة واللوجيستيك والتمويل بما يحقق تراكم الثروات وتوجيهها لتوسع القاعدة المادية للتطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي بمعايير تحقيق مطامح شعبنا في العيش الكريم والمساواة في الانتفاع من خيرات البلاد وفي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وباقي الحريات السياسية.

* جريدة النهج الديمقراطي العدد 447
الأسبوع من 22 فبراير الى 28 فبراير 2022


العدد 447 من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً