في خلفيات التراجع عن نظام البكالوريوس


ذ. عبدالحق الوسولي


في خلفيات التراجع عن نظام البكالوريوس

إن مظاهر تردي قطاع التعليم ببلادنا ليست جديدة، فهذا القطاع تعرض لمحاولات “إصلاح” متكررة لم تخرجه أبدا من أزمته البنيوية ولم تؤد تلك المحاولات، في كل مرة، سوى إلى تفاقم وتعميق مظاهر الأزمة. كما أن هذا القطاع بطبيعته كان دائما محط صراع سياسي بين منظور رسمي يهدف باستمرار إلى تكريس النخبوية وضرب مجانية التعليم وجودته ومحاصرة الفكر النقدي والتحرري من جهة ومنظور ديمقراطي تقدمي من جهة ثانية، يناضل من أجل تعليم شعبي ديمقراطي، علمي وعلماني، مجاني وجيد للجميع. فهو إذن كان وسيبقى جزءا من معادلة الصراع العام في المجتمع.

كما هو معلوم أن الكل متفق على كون التعليم ببلادنا يعيش أزمة عميقة منذ عدة عقود، وما الإصلاحات الفاشلة المزعومة والمتكررة إلا دليل على ذلك وآخرها نظام البكالوريوس الذي لم يصمد وتم التخلي عنه من طرف الوزارة بشكل انفرادي معللة هذا القرار الانفرادي باستنادها على تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (مؤسسة رسمية مخزنية) حول نظام البكالوريوس، والـذي اعتبر فيه أنه يفتقر إلى تصور يوضح الرؤية والـغـاية منه، لكن السبب الرئيسي للتراجع على نظام البكالوريوس في نظرنا هو بالأساس عدم استقلالية القرار السياسي وتبعية النظام المخزني للدوائر الامبريالية وخصوصا الفرنسية. إن هذا النظام الذي طبلت له الوزارة وتم اعتماده جزئيا في بعض المسالك ببعض الكليات على الرغم من كون المعنيين بالأمر من أساتذة، عبر ممثليهم في الهياكل الجامعية والنقابة الوطنية للتعليم العالي، حذروا الوزارة من التسرع في تنزيل نظام البكالوريوس دون تقييم جدي لنظام (Master License  Doctorat ) LMD، وهذا دليل على الارتجالية وعدم وضوح الرؤيا.

إن نظام البكالوريوس المزعوم لم يختلف كثيرا عن نظام LMD كونه لم يرق إلى الإجابة عن الأسباب الجوهرية التي أوصلت المنظومة التعليمية برمتها إلى هذا المستوى المتدني جدا. وكما لا يخفى على أحد أن أزمة التعليم ببلادنا وبالرغم من محاولات الإصلاح المتتالية، أزمة مزمنة منذ نهاية السبعينات سببها تعاقب سياسات تعليمية مرتجلة تفتقر إلى الاستمرارية وبعد الرؤيا ولا تضع في مركز اهتمامها الفعلي العنصر البشري من تلاميذ وطلبة وأساتذة، كما لا تولي الاهتمام اللازم لصيانة وتحديث الفضاء التعليمي من بنيات تحتية وتجهيزات وتحسين ظروف إنجاز العملية التعليمية والتأطير والبحث العلمي باعتباره محور هذه العملية في التعليم العالي.

إن عدم فهم الهدف العام وهو، أي مجتمع ننشد بناءه للأجيال القادمة؟ سيضعنا بالضرورة أمام إشكال عويص، وهو استحالة الإجابة على السؤال الإشكالي: أي مدرسة، أي جامعة نريد؟ وبالتالي أي مواطن أي إنسان نريد؟

طبق مع بداية السنة الجامعية 2003ـ2004 نظام جديد للدراسة والمواد والشعب، يستند في عمومه إلى القانون 01.00، وإلى مذكرات وزارية، وإلى نتائج أعمال بعض اللجن المعينة لهذه المهمة. وجاء هذا النظام بإعادة الهيكلة البيداغوجية للدراسة في إطار مسالك ووحدات ومجزوءات، وتغيير برامج الدراسة في فصول، وتغيير نظام الامتحانات، والشواهد بما اصطلح عليه نظام LMD، ولا بد من الإشارة هنا أن نظام البكالوريوس لم يخرج عن هذا الإطار. إلا أن النظام الجديد القديم، وبالرغم من المجهودات التي بذلها الأساتذة، صاحبته العديد من المشاكل نذكر منها:

– انعدام الرابط بين الإصلاح البيداغوجي وخيارات استراتيجية كبرى واضحة تستجيب لطموح الشعب المغربي وتوفر حلولا للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها الجامعة المغربية،

– الإلقاء بمسؤوليات جديدة على عاتق الأستاذ والطالب والإداري دون أي تحفيز،

– التركيز على المراقبة واختزال العلاقة بين الطالب والأستاذ في التنقيط وتهميش عنصر التأطير والاحتضان،

– محدودية الإمكانات البشرية والمادية المعتمدة وضعف نسبة التأطير،

– الإجهاز على مكتسبات هامة، منها مجانية التعليم واعتماد التكوينات المؤدى عنها، والخضوع لمنطق “تكلفة التعليم” وتشجيع التعليم الخصوصي،

– التسرع الذي طبع وضع وإعادة صياغة المضامين الجديدة الملقنة للطلبة، والذي أدى إلى تجديدها شكلا وانعدام انسجامها مضمونا، وعدم انفتاحها على آفاق واضحة، وغياب استجابتها لمواصفات تخرج مضبوطة مرتبطة بحاجيات معينة وأهداف استراتيجية محددة،

– ازدواجية الأنظمة داخل نفس المؤسسة وخلق مؤسسات داخل المؤسسة،

– المشاكل التي يطرحها نظام الأسدسيات: التسجيل في الوحدات، وشروط الانتقال من أسدس إلى آخر، وبرمجة الوحدات مرة واحدة في السنة… تفرغ النظام الجديد من محتواه.

إن كل هذه الإصلاحات البيداغوجية لم تكرس سوى مزيد من التدهور وفقدان الثقة في نظام تعليمنا العالي العمومي، فعلى مستوى الأهداف والمحتوى وعلى مستوى الوسائل، لم يتحقق ما كان متوقعا، وبذلك يكون ساهم في تعميق أزمة الجامعة المغربية وعلاقاتها بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبشكل أدق لعبت دورا مركزيا في ضرب نوعية التعليم العالي وجودته والتضييق على امتداداته وتخريبه عن وعي.

إن المهام الأساسية الكبرى المطروحة اليوم هي إيقاف مسار هذا الإصلاح واعتماد إصلاح جذري حقيقي وعقلاني يتبنى منظورا شموليا تساهم فيه كل مكونات الجامعة المغربية ويضع المقتضيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجغرافية والتحديات الممكنة والمحتملة ضمن أولويات النهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي وتطويرهما.