النضال ضد الغلاء شأن شعبي وليس نخبوي



النضال ضد الغلاء شأن شعبي وليس نخبوي
إذا كان من درس يمكن استخلاصه من وقفات 23 ابريل التي نظمتها فروع الجبهة الاجتماعية من اجل التنديد بالغلاء، فهو الدرس الذي علينا استخراجه من كون كل الوقفات كانت ضعيفة والحضور منحصر على بعض المناضلات والمناضلين وغاب المتضررون من آفة الغلاء. وهذا الواقع لا يهم فقط هذه المناسبة بل يكاد ان يكون هو الناظم الأعم للأشكال النضالية التي دعت لها الجبهة الاجتماعية؛ وقد انحصر الحضور على أفراد معينين وغاب حتى أعضاء ومتعاطفون مع مكونات الجبهة الاجتماعية.
قبل الخوض في البديل، علينا أن نبحث في الخلفية السياسية لهذه الظاهرة التي طغى عليها الطابع النخبوي المنعزل عن القاعدة الشعبية وهي التي كان عليها أن تكون جماهيرية بامتياز لأنها تهتم بالقضايا الاجتماعية، وهي القضايا الأكثر تأزما والتهابا في المدة الاخيرة. عندما نتمعن في هذه الخلفية نجد ان جميع مكونات الجبهة الاجتماعية ترزح تحت مفهوم خاطئ للنضال الجماهيري. يرتكز هذا المفهوم على تصور نخبوي للعمل النضالي، مفاده يكفي ان ينخرط بضعة مناضلين في حركة نضالية ليقوموا بواجب وضعوه إراديا على عاتقهم من دون ان يهتموا بموضوع انخراط المتضررين الذين يعانون من ذلك الحيف او الظلم. يعتبر هؤلاء المناضلون انه من واجبهم النضال حتى ولو لم يحضر المعنيون. في الحقيقة ينوب هؤلاء المناضلون عن المتضررين. ولهذا الأمر سببين: الأول، طغيان الفكرة البرجوازية الصغيرة والتي دافع عنها ثوار ومفكرون من طينة لويس بلانكي والقائلة بأن فرقة من المناضلين الواعين قد يحققون بالنضال ما تعجز عنه الجماهير الغافلة، والسبب الثاني، وهو مرتبط بهذا التصور البرجوازي الصغير، يكمن في عجز هؤلاء المناضلين على العمل الصبور والطويل النفس وسط الجماهير والمتضررين وتنظيمهم حتى ينهضوا للنضال الموحد والمتضامن والذي يستطيع توفير العدد الزاخم ومعه الكتلة الحرجة التي تفرض على العدو التراجع ثم الاستجابة للمطالب.
فبالرجوع لموضوع الغلاء، لا يمكن النضال ضده بنجاح، من طرف كمشة من المناضلين او حتى مجموعات كبيرة نسبيا لكنها معزولة عن آلاف المتضررين بل هم ملايين المواطنات والمواطنين الذين يكتوون بنار التهاب الأسعار. لذلك وجب انتهاج طريقا مختلفا تماما عن إلقاء أو إصدار توجيه عقد وقفة او مسيرة في موعد محدد. الأمر يتطلب أولا وقبل كل شيء اقناع المتضررين بضرورة النضال ضد آفة الغلاء، وهذا الإقناع يتطلب التواصل اليومي والمكثف في مواقع العمل والأسواق والأحياء الشعبية وفي وسائل التواصل الاجتماعي. بعد ذلك وجب تحديد لائحة المطالب وترتيبها حسب الأولويات التي تراها الجماهير في موقع معين؛ لأن هذه الأولويات تختلف من قرية إلى مدينة، ومن مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة، ومن وقت أو ظرف معين إلى ظرف أخر. وبعد تحديد الملف المطلبي والجهة التي يجب أن يرفع إليها أو تواجه به، وجب تحديد البرنامج النضالي على قاعدة الاستعدادات الممكنة للجماهير؛ وأخيرا تنتخب الجماهير عبر وسائلها الذاتية الخاصة لجنة الإشراف على الخطة النضالية. هذه الخطة طبقت بابداع في الحراكات الشعبية بالمغرب وخارجه. فهل نحن مستعدون لمراجعة الاساليب والتصورات للنضال الجماهيري الزاخم؟