بيان بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس منظمة “إلى الأمام”
بيان بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس منظمة “إلى الأمام”
إن تخليد الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس منظمة «إلى الأمام» ليس مجرد استحضار لمحطة من محطات تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ولا مناسبة لإعادة إنتاج خطاب تمجيدي للماضي، وإنما هو وقفة سياسية ونضالية نقدية أمام تجربة غنية ومكلفة، واستحضار لتضحيات أجيال من المناضلات والمناضلين الذين اختاروا طريق المقاومة والنضال من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية، في واحدة من أكثر مراحل تاريخ المغرب الحديث قسوة واستبدادًا.
لقد شكلت منظمة «إلى الأمام» إحدى أبرز تعبيرات الحركة الماركسية اللينينية المغربية، وحملت في مرحلة تاريخية دقيقة مشروعًا سياسيًا وفكريًا يروم القطع مع واقع الاستغلال والتبعية والاستبداد، والانحياز الصريح إلى الطبقة العاملة والجماهير الكادحة، والدفاع عن حق الشعب المغربي في الحرية والديمقراطية والسيادة والعدالة الاجتماعية. وقد قدم مناضلوها ومناضلاتها تضحيات جسيمة، وتحملوا الاعتقال والتعذيب والمحاكمات والسجون والمطاردة والنفي، وسقط شهداء وشهيدات في سبيل القضايا التي آمنوا بها.
وإذا كان الزمن قد تغير، فإن الكثير من الأسئلة التي طرحتها تلك التجربة ما تزال، بأشكال جديدة، حاضرة في واقعنا: سؤال الاستقلال السياسي والاقتصادي، وسؤال الديمقراطية والحرية، وسؤال التبعية، وسؤال الاستغلال الطبقي، وسؤال بناء أداة سياسية مستقلة للطبقة العاملة والجماهير الكادحة.
إن استحضار «إلى الأمام» اليوم لا يعني تقديس تجربتها أو التعامل معها باعتبارها حقيقة مكتملة ونهائية، بل يعني الاستفادة من دروسها، واستخلاص عناصر القوة والضعف فيها، ونقد اختياراتها واجتهاداتها في ضوء ما راكمته الحركة النضالية المغربية من تجارب، وما عرفه المجتمع المغربي والعالم من تحولات عميقة. فالإخلاص لإرث المناضلين لا يكون بتجميد أفكارهم، وإنما بمواصلة البحث والنضال والاجتهاد من أجل تغيير الواقع.
وفي هذا السياق، يشكل انعقاد المؤتمر الوطني السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي محطة سياسية وتنظيمية ونضالية جديدة في مسار الحزب، ومناسبة لتجديد الالتزام بالمشروع الذي انخرط فيه الحزب، والمتمثل في المساهمة في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربية، باعتباره أداة سياسية ونضالية قادرة على توحيد نضالات الطبقة العاملة والكادحين، والتعبير عن مصالحهم المستقلة، وفتح أفق سياسي واجتماعي بديل عن منظومة الاستغلال والتبعية والاستبداد.
إن المؤتمر الوطني السادس لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية مرحلة تنظيمية فحسب، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة تستدعي رفع مستوى الوعي بالمهام المطروحة، وتقوية الحزب تنظيميًا وسياسيًا وفكريًا، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وتطوير العمل الجماهيري، وربط البناء الحزبي بالنضالات الفعلية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية.
ومن بين المهام الأساسية التي يطرحها واقع الصراع الطبقي اليوم، بلترة الحزب وتقوية بنيته التنظيمية وتصليبها، وتوسيع حضوره داخل مواقع العمل والإنتاج، وتعزيز الارتباط بالنضالات العمالية والجماهيرية، والانفتاح على الطاقات المناضلة التي يفرزها نضال شعبنا، وخاصة الشباب والنساء والعاطلين والفلاحين الفقراء وسائر الفئات المتضررة من السياسات الرأسمالية والنيوليبرالية.
كما تقتضي المرحلة العمل على بناء جبهة نضالية واسعة في مواجهة السياسات التي تعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتوسع دائرة الهشاشة والبطالة والفقر، وتضرب الخدمات العمومية، وتُخضع الاقتصاد الوطني لمنطق الربح والمصالح الرأسمالية، وتكرس التبعية الاقتصادية والسياسية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتجهز على ما تبقى من الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير الاحتجاج والتنظيم.
وبهذه المناسبة النضالية والتاريخية، يجدد حزب النهج الديمقراطي العمالي نداءه الحار إلى كافة المناضلين والمناضلات الماركسيين/ات اللينينيين/ات، أفرادًا وجماعات، وإلى كل القوى العمالية والديمقراطية والتقدمية والمناضلة، من أجل تعزيز العمل الوحدوي، وتطوير الحوار الرفاقي والصريح، وتجاوز كل أشكال الانغلاق والتشتت، وبناء علاقات نضالية قائمة على الاحترام المتبادل والحوار والنقاش والنقد والنقد الذاتي والتعاون والنضال المشترك.
وإننا نؤكد أن شعار «وحدة – نقد – وحدة» لا ينبغي أن يظل مجرد مرجعية تاريخية، بل يتعين تحويله إلى منهج عملي في بناء الوحدة، بما يسمح بتدبير الاختلافات بصورة ديمقراطية، وتجاوز أسباب الانقسام، والارتقاء بالنقاش من مستوى الخلافات الجزئية إلى مستوى الأسئلة الكبرى التي تواجه الحركة العمالية والشعبية والحركة الماركسية اللينينية.
إن وحدة الماركسيين/ات اللينينيين/ات ليست شعارًا مجردًا، بل هي مهمة سياسية وتنظيمية ونضالية تتطلب تجاوز التشتت والانقسام، وإعمال الحوار الديمقراطي، وتقييم التجارب السابقة والحالية، وممارسة النقد والنقد الذاتي، والانطلاق من مصالح الطبقة العاملة والكادحين، والانخراط المشترك في النضالات اليومية، وبناء الثقة من خلال الممارسة، لأن الوحدة الحقيقية لا تُصنع بالبيانات وحدها، وإنما تُبنى في الميدان، داخل المعامل ومواقع العمل والأحياء والجامعات والقرى وكل فضاءات النضال الشعبي.
إن بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربية هو مشروع تاريخي عظيم، قدمت من أجله أجيال من المناضلات والمناضلين تضحيات جسيمة، وسقط من أجله شهيدات وشهداء، ورويت من أجله أرض هذا الوطن بدماء مناضلين ومناضلات حلموا بمجتمع تسوده الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وهو مشروع لا يمكن اختزاله في بناء تنظيم حزبي بالمعنى الضيق، بل هو مشروع لبناء أداة سياسية مستقلة للطبقة العاملة، قادرة على المساهمة في توحيد النضالات وتطوير الوعي الطبقي وتنظيم الجماهير وطرح بديل مجتمعي يضع الإنسان العامل والكادح في قلب العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإن مسؤولية الجيل الحالي من المناضلات والمناضلين تقتضي الحفاظ على هذا الإرث النضالي العظيم، ليس من خلال تقديس الماضي، وإنما من خلال استيعاب دروسه، ونقد أخطائه، وتطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي، وربط المشروع الثوري بالواقع الملموس للطبقة العاملة والجماهير الشعبية.
فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمجرد الانتماء إلى تراث نضالي عظيم، وإنما يمنحها لمن يستطيع تحويل دروس ذلك التراث إلى ممارسة سياسية حية، تستجيب لأسئلة الحاضر وتفتح آفاق المستقبل.
وفي الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس منظمة «إلى الأمام»، وبعد النجاح الكبير للمؤتمر الوطني السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي، نجدد العهد على مواصلة النضال والصمود، والانخراط في صفوف الطبقة العاملة والكادحين والفلاحين الفقراء والشباب والنساء وسائر الفئات الشعبية، من أجل بناء ميزان قوى شعبي قادر على فرض التغيير الديمقراطي الحقيقي، ووضع حد للتبعية والاستغلال والاستبداد.
ونؤكد أن الدفاع عن الحريات والديمقراطية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ليس مهام منفصلة عن الصراع الطبقي، بل يشكل جزءًا أساسيًا من معركة شعبنا ضد منظومة الاستبداد و الاستغلال والتبعية، ومن النضال من أجل مجتمع يضمن الشغل والعيش الكريم والتعليم والصحة والسكن والعدالة والمساواة لجميع أبنائه وبناته.
إن الطريق نحو بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربية هو طريق طويل وصعب، لكنه طريق تصنعه النضالات والتضحيات والتجارب، ويُبنى بالصبر والمثابرة وطول النفس والعمل الجماعي والوحدة النضالية، وبالقدرة على تحويل التراكمات الصغيرة إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على تغيير موازين القوى.
وفي هذا الطريق، لا بد من استحضار أن الطبقة العاملة المغربية ليست مجرد قوة اجتماعية تنتظر من يمثلها، بل هي القوة التي ينبغي أن تمتلك وعيها وتنظيمها وأداتها السياسية المستقلة، وأن تتقاطع نضالاتها مع نضالات الجماهير الشعبية في مشروع تحرري ديمقراطي واجتماعي.
كما أن هذا النضال لا يمكن فصله عن النضال الأممي، فالاستغلال الرأسمالي يتجاوز الحدود، كما أن مقاومته تقتضي تضامنًا يتجاوز الحدود. ومن هنا، فإن بناء علاقات تضامن ونضال مع القوى العمالية والشيوعية والتقدمية في مختلف البلدان، ومقاومة الإمبريالية والحروب والاستغلال والاضطهاد، يشكل جزءًا من المسؤولية الأممية التي يحملها مشروعنا النضالي.
إننا، ونحن نستحضر ذكرى «إلى الأمام»، نستحضر كذلك كل مناضلي ومناضلات الحركة الماركسية اللينينية المغربية الذين جعلوا من حياتهم قضية، ومن تضحياتهم جسرًا نحو المستقبل، ونؤكد أن أفضل وفاء لهم هو مواصلة النضال، لا البكاء على الماضي؛ وبناء الوحدة، لا إعادة إنتاج الانقسامات؛ والانخراط في قضايا الشعب، لا الاكتفاء باستعادة الذكريات.
إن الوفاء الحقيقي لشهيدات وشهداء الحركة الماركسية اللينينية المغربية هو أن نجعل من تضحياتهم قوة دفع نحو المستقبل، وأن نواصل النضال من أجل مجتمع لا مكان فيه للاستغلال والقهر والاستبداد، مجتمع تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتكون فيه الثروة في خدمة الإنسان والمجتمع، لا وسيلة لإثراء أقلية على حساب الأغلبية.
وفي هذه الذكرى المجيدة، يجدد حزب النهج الديمقراطي العمالي التزامه بالانخراط في كل المعارك التي تخوضها الطبقة العاملة والجماهير الشعبية، وبالعمل على توحيدها وتطويرها، وبالمساهمة في بناء ميزان قوى جديد قادر على فتح أفق التغيير الوطني الديمقراطي الشعبي.
إن بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربية ليس مهمة جيل واحد، ولا مشروع فئة أو تنظيم بعينه، وإنما هو مسار تاريخي طويل تشارك في بنائه أجيال متعاقبة من المناضلين والمناضلات، وكل جيل مطالب بأن يضيف إلى هذا البناء لبنة جديدة، وأن يسلم المشعل لمن يأتي بعده أكثر قوة ووعيًا وتنظيمًا.
ومن موقع المسؤولية التاريخية التي يفرضها علينا حاضرنا، نؤكد أن حزب النهج الديمقراطي العمالي سيواصل العمل من أجل بناء الحركة العمالية والشعبية، وتقوية الوحدة النضالية، وتطوير الفكر والممارسة، والانفتاح على كل الطاقات المناضلة، وعلى المساهمة في النضال من أجل التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي في أفق المجتمع الاشتراكي.
إنها مسؤولية ثقيلة، لكنها مسؤولية تستحق أن تُحمل. وإن الطريق شاق، لكنه الطريق الذي لا يمكن لمن اختار الانحياز إلى الطبقة العاملة والكادحين أن يتخلى عنه.
المجد والخلود لشهيدات وشهداء الشعب المغربي،
المجد والخلود لشهيدات وشهداء الحركة الماركسية اللينينية المغربية،
تحية إجلال وإكبار لكافة مناضلات ومناضلي الحركة الماركسية اللينينية المغربية،
تحية تقدير لكل مناضلات ومناضلي «إلى الأمام» ولكل مناضلي الحركة الديمقراطية والتقدمية الذين واصلوا النضال في أحلك الظروف،
عاش نضال الطبقة العاملة المغربية،
عاش نضال الشعب المغربي،
عاش التضامن الأممي بين الشعوب،
عاشت الوحدة النضالية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية،
عاشت وحدة الماركسيين/ات اللينينيين/ات على قاعدة: وحدة – نقد – وحدة،
عاش الحزب المستقل للطبقة العاملة المغربية،
عاش حزب النهج الديمقراطي العمالي،
والنصر لنضالات الطبقة العاملة والجماهير الشعبية.
حزب النهج الديمقراطي العمالي
المكتب السياسي
الرباط، في 30 غشت 2026 .

