السودان: معركة استعادة السلام والديمقراطية هي في جوهرها، معركة من أجل الخبز، والعمل، والكرامة الإنسانية
اللجنة الإقتصادية للحزب الشيوعي :
• ما يحدث الآن إقتصاد حرب متكامل.
• إن معركة استعادة السلام والديمقراطية هي في جوهرها، معركة من أجل الخبز، والعمل، والكرامة الإنسانية.
• الحرب أنتجت منذ أبريل 2023 إقتصاداً موازياً تتداخل فيه المصالح العسكرية والتجارية وشبكات التهريب.
– الوضع الإقتصادي:
من إلى عمق الهاوية
يواجه السودان اليوم أخطر أزمة إقتصادية وإجتماعية في تاريخه الحديث، نتيجة لتداخل الحرب مع أزمة إقتصادية هيكلية تراكمت عبر عقود من السياسات الفاشلة، وغياب التنمية المتوازنة،وإضعاف القطاع الإنتاجي، والفساد، والإعتماد على إقتصاد الريع والجبايات بدلاً من الإقتصاد المنتج.
لقد حولت الحرب البلاد إلى إقتصاد حرب، تُستنزف فيه الموارد في الصراع المسلح بدلاً من توجيهها إلى الإنتاج والتنمية والخدمات. وأدى ذلك إلى إنهيار مؤسسات الدولة، وتدمير البنية التحتية، وتعطل الزراعة والصناعة والتجارة، وإنكماش الإقتصاد، وإرتفاع معدلات البطالة والفقر، واتساع رقعة المجاعة وإنعدام الأمن الغذائي.
إن الإقتصاد يشهد أبرز معالم الإنهيار الإقتصادي مع عدم وجود تقرير للمراجع العام للموازنات السنوية المبهمة والتي لاتعلن تفاصيلها، فالحرب أوقفت معظم الأنشطة الإقتصادية مثل الصناعة والزراعة، وخروج أغلب مؤسسات الجهاز المصرفي عن العمل. إنهيار الصادرات وتقلص الواردات. إرتفاع معدلات التضخم والبطالة.
وتؤكد المؤشرات الإقتصادية خطورة الأوضاع:
* في عامي 2023 و2024 وحدهما خسر السودان نحو 43% من الناتج الحقيقي بصورة تراكمية، نتيجة توقف النشاط الإقتصادي في مناطق واسعة من البلاد.
* تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء – في تقريره الأخير – إلى أن 82.8% من السكان تحت خط الفقر، مع اتساع رقعة إنعدام الأمن الغذائي.
* ظل التضخم من بين الأعلى عالمياً، حيث تجاوز في فترات سابقة 200%، ولا تزال الأسعار ترتفع بوتيرة تفوق بكثير نمو الدخول.
* فقد الجنيه السوداني معظم قيمته، وقفز سعر الدولار في السوق الموازي من نحو 1,100–1,300 جنيه خلال عام 2024 إلى ما يقارب2,900–3,200 جنيه في منتصف عام 2025، بزيادة تجاوزت150% خلال عام واحد، ما أدى إلى إرتفاع تكلفة الواردات والسلع الأساسية الآن وفي أغسطس- سبتمبر 2026 تجاوز الدولار حاجز الـ 6000 جنيه.
* إرتفع الدولار الجمركي عدة مرات منذ بداية عام 2024، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، وانعكس مباشرة على تكاليف المعيشة .. وصل إلى أكثر من 3900 جنيه في أغسطس 2026.
* تراجعت الإيرادات العامة للدولة بصورة حادة، – قدرتها السلطة بـ 80%-بينما اتسع الإعتماد على الرسوم والجبايات التي يتحملها المواطنون والمنتجون.
إن أخطر ما في الأزمة هو الإنهيار الكامل للقوة الشرائية للأجور. فقد أصبحت رواتب العاملين في الخدمة المدنية، والمعلمين، والعاملين في القطاع الصحي، والمهندسين، والعمال، والمتقاعدين، لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من احتياجات الأسرة الأساسية. (تشير تقديرات تكاليف المعيشة إلى أن الدخل المتوسط قد لا يغطي سوى نحو 8–10% من إحتياجات الأسرة، ما يعني أن فجوة المعيشة تصل إلى أكثر من 90%)،وهو ما دفع ملايين الأسر إلى تقليص استهلاك الغذاء والدواء والتعليم، والإعتماد على الديون أو المساعدات.
إن هذه الأزمة ليست نتيجة الحرب وحدها، وإنما هي أيضاً نتيجة لسياسات إقتصادية قامت على الخضوع لتوصيات وسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين. ومن ضمنها:
الديون وأعبائها التي تجاوزت 66 مليار دولار وتحمل أعبائها للشعب السوداني، دون الشفافية سواء من جانب المانحين او الحكومة عن أوجه صرف هذه الديون ومن الذي استفاد منها، الأمر يستوجب مراجعتها والشفافية من جانب المانحين بالإعلان عن تلك الجوانب والغاء ما لم يستفيد منه الشعب السوداني وفي اطار شروط إتفاقيات منحها بدلاً عن الرضوخ المتواصل لتوصيات تلك المؤسسات بسبب هذه الديون، ومن ثم تجنب المزيد من إتباع السياسات التقشفية المعادية للتنمية الإقتصادية – الإجتماعية (مثال برامج الهايبك).
نهب موارد البلاد: الذهب، الصمغ العربي ، النحاس وتفكيك البنية التحتية للطاقة الكهربائية،(أمثلة بينة) الي جانب التفريط في حقوق البلاد السيادية باستغلال دول الإقليم المتعطشة للمياه وسحب نصيب السودان من حصته من المياه لتغذية مشاريع صحاروية.
الإعتداء المنظم والمخطط والمتكرر على مواقع التعدين والإستيلاء على إنتاجهم وآلياتهم وقتلهم كما حدث مؤخراً في شمال البلاد من قبل مصر بإدعاء تجاوز المعدنين للحدود، في الوقت الذي لم يتم فيه ترسيماً للحدود بين الدولتين حتى الآن.
بيع مؤسسات القطاع العام تحت شعار الخصخصة وعدم دعم القطاعات الإنتاجية وفقدان الخزينة العامة لأبرز مصادر إيرادتها والإعتماد على أسلوب الضرائب والرسوم الى جانب اتساع دائرة الفساد والذي يمثل نوعاً من الضرائب غير المباشرة التي تقع تكلفتها على كاهل الفقراء وذوى للدخول المحدودة.
استبدال تلك المؤسسات بإنشاء عدد من الشركات الأمنية الإحتكارية والتي لاتعلن عن نفسها وأعمالها وحجم استدانتها من المال العام ومساهمتها في إيرادات الدولة وقبل ذلك أن تعلن عن أوجه صرفها.
تعطل الإنتاج الزراعي والنزوح أدي الى توسع قاعدة القطاع غير المنظم حيث المعاناة اليومية في مناطق النزاعات ومراكز النزوح تحت الضغوط اليومية من أجل كسب العيش خاصة وسط النساء مسئولات الأسر، مع ضعف وصول المساعدات الإنسانية وما يشوب توزيعها من إرهاصات الفساد الممنهج.
التفريط في سيادة الدولة على أراضيها وثرواتها الكامنة (حلايب وشلاتين وابورماد) وقواها البشرية.
زيادة الأسعار بحجة رفع الدعم.
التوسع في الجبايات والرسوم على المنتجين والمواطنين.
إهمال الزراعة والصناعة والمشروعات القومية.
ضعف الرقابة على أسواق الذهب والنقد الأجنبي.
غياب الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة.
لقد تحولت الحرب إلى وسيلة لإستنزاف الموارد، بينما يدفع الناس وحدهم ثمن الإنهيار، في وقت تتراجع فيه الخدمات الصحية والتعليمية، وتتفاقم البطالة، وتزداد الهجرة والنزوح، وتتسع الفجوة بين الدخول والأسعار.
• حقائق وأرقام تؤكد عمق الأزمة
إن الأزمة الإقتصادية التي يعيشها السودان اليوم لم تعد مجرد أزمة مالية أو نقدية، بل تحولت إلى أزمة معيشية وإنسانية شاملة تهدد بقاء ملايين المواطنين.
وتشير أحدث التقديرات إلى أن الإقتصاد السوداني انكمش بنحو29.4% في عام 2023، ثم بنحو 14% إضافية في عام 2024، في واحد من أكبر الإنكماشات الإقتصادية التي يشهدها أي إقتصاد في العالم خلال السنوات الأخيرة. كما إنهارت الإيرادات العامة للدولة من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 إلى أقل من 5% خلال عامي 2024 و2025، الأمر الذي أدى إلى تراجع حاد في قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه والكهرباء.
التضخم ظل عند مستويات مرتفعة للغاية، وهو ما أدى إلى تآكل غير مسبوق في القوة الشرائية للأجور والدخول حيث إرتفع مستوى الأسعار بصورة تراكمية بنحو 848% خلال 2023–2025 .. ولتقريب الصورة فإن سلة الأسعار التي كانت تكلف 100 جنيه قبل الحرب أصبحت تعادل الآن نحو 948 جنيهاً.
أما الفقر، فقد اتسعت دائرته بصورة خطيرة، إذ يفيد التقرير الرسمي الذي صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء مؤخراً عن نسبة
82.8% وتنعكس هذه المؤشرات مباشرة على معيشة المواطنين؛ فقد أصبحت تكلفة الغذاء والسكن والمواصلات والدواء والطاقة تفوق بأضعاف متوسط أجور العاملين في الدولة والقطاع الخاص، بينما فقدت الرواتب قيمتها الحقيقية بسبب إنهيار سعر صرف الجنيه والإرتفاع المستمر في الأسعار، الأمر الذي دفع ملايين الأسر إلى تقليص إستهلاك الغذاء والإستدانة أو الإعتماد على المساعدات.
إرتفاع سعر الدولار وتدهور قيمة الجنيه السوداني ليسا نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تفاعل الحرب مع إنهيار الإنتاج والصادرات، عجز الموازنة، التوسع النقدي، ضعف الإحتياطيات، والطلب الكبير على النقد الأجنبي. وتفاقم الأمر لأن الإقتصاد السوداني أصبح إقتصاد حرب بدرجة كبيرة.
وفي جانب الأمن الغذائي، يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم؛ إذ يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من إنعدام الأمن الغذائي، بينما يعيش مئات الآلاف في ظروف كارثية تقترب من المجاعة في بعض المناطق. كما تشيرالتقديرات إلى أن أكثر من 40% من السكان يعانون من إنعدام الأمن الغذائي الحاد، مع استمرار إتساع رقعة الجوع بسبب الحرب، وتعطل الإنتاج الزراعي، والنزوح، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
إن هذه الأرقام تؤكد أن الأزمة لم تعد أزمة إقتصادية فحسب، بل أصبحت أزمة وجودية تهدد حق المواطنين في الغذاء والعمل والعلاج والتعليم والحياة الكريمة، وهو ما يستدعي وقف الحرب فوراً، وتبني برنامج إقتصادي وطني يعيد الإعتبار للإنتاج، ويرفع الأجور بمايتناسب مع تكاليف المعيشة، ويوجه موارد الدولة نحو الخدمات الأساسية والانتاج والتنمية بدلاً من تمويل إقتصاد الحرب.
• إقتصاد الحرب والفساد
أنتجت الحرب منذ أبريل 2023 اقتصاداً موازياً تتداخل فيه المصالح العسكرية والتجارية وشبكات التهريب، بينما تراجعت الشفافية والرقابة العامة بصورة خطيرة. وأصبح الذهب أبرز مثال على تحويل مورد قومي إلى مصدر لتمويل الحرب بدلاً من أن يكون مورداً للخزينة العامة.
للمثال فقط بلغ إنتاج الذهب نحو 70.15 طناً في 2025 وفق بيانات بنك السودان، بينما لم تتجاوز الصادرات الرسمية المسجلة 14 طناً؛ أي أن أكثر من 56 طناً لم تدخل القنوات الرسمية وفق هذه المقارنة.
الذهب أصبح أحد أهم مصادر تمويل طرفي الحرب، إذ تستخدم عائداته في شراء السلاح والوقود والذخائر والطائرات المسيّرة والمدخلات العسكرية.
ولا تقتصر المشكلة على التهريب، وإنما تمتد إلى غياب المعلومات العامة والرقابة المؤسسية على الإيرادات والإنفاق والعقود والموارد. وفي ظروف الحرب تتسع مساحة الإنفاق خارج الموازنة، والنهب المنظم للموارد المالية والأصول العامة دون أي مساءلة.
وتستخدم الحرب أيضاً كغطاء لتمرير الإتفاقات والمشروعات المشبوهة، مثل الإعلان عن البدء في تنفيذ مشروع وادي الهواد رغم معارضة الأهالي، والتمسك بحقوقهم في الأرض ومجلس التنسيق السعودي–السوداني، الذي يدار في الخفاء لصالح منح إمتيازات في مجال الأراضي والزراعة والموانئ والموارد الطبيعية.
وتزداد الخطورة عندما تُستخدم حالة الحرب باعتبارها مبرراً لإتخاذ قرارات إقتصادية وإستثمارية وإستراتيجية بعيدة المدى في ظل الحرب ووجود سلطات الأمر الواقع غير الشرعية.
وينطبق الأمر نفسه على الإتفاقات العسكرية والإستراتيجية. فقد أكد وزير الخارجية السوداني في فبراير 2025 التوصل إلى تفاهم نهائي بشأن القاعدة البحرية الروسية على البحر الأحمر، في إتفاق يعود أصله إلى 2020 ويتيح وجوداً روسياً يصل إلى 300 فرد وأربع سفن حربية.
إن ما يحدث الآن هو إقتصاد حرب متكامل يقوم على السيطرة على الموارد، وتهريب الذهب، وتحصيل الأموال خارج القنوات الرسمية، وتمويل العمليات العسكرية، ثم استخدام الحرب لتقليص الرقابة وتمرير عقود وإتفاقات استراتيجية.
إننا نؤكد أن أي حديث عن الإصلاح الإقتصادي سيكون بلا معنى ما لم يبدأ بوقف الحرب، واستعادة الدولة المدنية الديمقراطية،وإعادة بناء الإقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة الإجتماعية، ومحاسبة الفاسدين واسترداد المال العام المنهوب.
إن معركة استعادة السلام والديمقراطية هي، في جوهرها، معركة من أجل الخبز، والعمل، والكرامة الإنسانية، ومن أجل بناء إقتصاد وطني مستقل يضع الإنسان السوداني في مركز عملية التنمية.
الحزب الشيوعي – اللجنة الإقتصادية
سبتمبر 2026م.

