من وحي الأحداث 374: البادية تستيقظ من سباتها

من وحي الأحداث 374
البادية تستيقظ من سباتها
التيتي الحبيب

منذ هيمنة نمط إنتاج الرأسمالية التبعية بالمغرب وبعد إجهاض حرب التحرير من القبضة الاستعمارية وبناء الدولة الحديثة، دولة الاستقلال الشكلي، تميز الوضع بتفاقم الفوارق الطبقية وبتعاظم الفوارق المجالية بين مغربين، مغرب المركز ومغرب الهوامش أو الأطراف.
ففي مغرب الهوامش تكاثف الفقر والاستغلال مع التهميش ونهب ثروات هذه الأطراف وتصديرها للمركز أو إلى الخارج، مما جعل هذه المناطق جحيما فوق الأرض تنعدم فيه أبسط مقومات العيش الكريم. كان هذا الأمر مخططا له لتحقيق عدة أهداف أولها إفراغ المنطقة من شبابها ودفعهم للهجرة كيد عاملة في الخارج وفي المدن الكبرى وخاصة الدار البيضاء، والهدف الثاني كلما أفرغت المناطق من ساكنتها سهل الاستيلاء على الأراضي والغابات وتمكين الرأسمال الاحتكاري من التنقيب عن المناجم أو استغلال المياه الجوفية المعدنية.
ستون سنة من عهد الاستقلال الشكلي كانت كافية لتفضح طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي قيل أنها فشلت كنموذج للتنمية في مركز المغرب، فما بالك في الهامش. فمع تجلي هذا الفشل في المدن الكبرى، انسدت جميع الآفاق أمام شباب المناطق المهمشة ولم يعد من أمل سوى الارتماء في مخاطر الهجرة السرية عبر البحار أو الرجوع إلى البلدات ومزاولة مهن الفقر والحكرة.
في السنوات الأخيرة، انضافت إلى عوامل الاستغلال والنهب الذي تعاني منه ساكنة هذه المناطق، توالي سنوات من الجفاف، مما نتج عنه تنامي عوامل الفقر ومظاهر البؤس وتفشي الأمراض الفتاكة والأمية. لقد وصل السيل الزبى ولم تعد الساكنة قادرة على الصبر والتحمل، خاصة وأنها بدأت تدرك سبب هذا الفقر وهذه الفوارق القبيحة، أنها بدأت تتعرف على الأشخاص، ليس بصفتهم الفردية، بل بصفتهم الطبقية وبمواقعهم في دواليب الدولة وأجهزتها، وبدأت الساكنة تقيس بين القول والفعل لهؤلاء الأوغاد واللصوص، خاصة لما يقتحمون هذه المناطق في حملات انتخابية توزع الوعود والكذب المفضوح.
انطلاقا من هذه التجارب العينية التي عاشتها جماهير هذه المناطق، بدأت حركات الرفض والاحتجاج والمطالب الفردية أو الفئوية أو الجماعية. منذ عشر سنوات استطاعت جماهير هذه المناطق أن تنفض عنها كل أغلال الخوف أو الانصياع أو الإذعان والثقة في الوعود. لقد بدأت البادية المغربية تخرج من عهد الظلمات إلى عهد الوعي والاستيعاب للمصالح وكيف الدود عن الحقوق.
كل المسيرات وجميع أشكال النضال والحركات الاحتجاجية وما يرافقها من مواجهة مع الدولة وأجهزتها، كل ذلك يبرهن على أن جماهير الفلاحين والكادحين بالبادية عازمون على خوض الصراع الطبقي حسب قواعده وقوانينه وبمعرفة من هو العدو ومن هم الأصدقاء والحلفاء. البادية تستيقظ من سباتها الذي اعتبره البعض أزليا.

  •  
  •  
  •  
  •