كلمة الميدان: من أجل النصر الحاسم
كلمة الميدان:
من أجل النصر الحاسم
يتزايد الإهتمام الدولي والإقليمي بالأزمة السودانية، إلى الحد الذي باتت فيه أخبار الموت والدمار في أقاليم البلاد المختلفة تتصدر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة. ويواكب هذا الحضور الإعلامي حراكٌ سياسي خارجي كثيف، يُرفع تحت عناوين عريضة ومكرورة: وقف الحرب، الهدن قصيرة الأمد، فتح المسارات الإنسانية، وإدخال المساعدات. وهي عناوين تتردد في تصريحات المبعوثين الدوليين، من أمثال السيد مسعد بولس، ويتجاوب صداها في مواقف عواصم إقليمية عربية كانت، ولا تزال، طرفًا فاعلًا في المشهد السوداني، بتدخل مباشر أو غير مباشر، وبمساهمات متفاوتة في إدامة الحرب وما صاحبها من قتل وإنتهاكات واسعة.
في هذا السياق، تتسارع التطورات على مسارين متوازيين:
الأول، عسكري دموي، يسعى فيه طرفا الحرب إلى تحقيق مكاسب ميدانية على حساب المواطن والبنية التحتية، عبر إستهداف المستشفيات والمدارس والمساكن وقوافل الإغاثة. تتبادل السلطتان المتحاربتان الإتهامات، غير أن الضحية واحدة، ولا يجد المواطن ولا الوطن المكلوم سندًا سوى مزيد من الإنتظار والمعاناة.
أما المسار الثاني، فهو سياسي- دبلوماسي، يتكثف عقب مؤتمرات وتصريحات دولية، كان آخرها مؤتمر واشنطن، ويتجلى في تحركات إقليمية لافتة، من بينها زيارات متبادلة على أعلى المستويات، دون أن ينعكس ذلك تهدئةً على الأرض، بل تتفاقم الحرب وتشتد أوزارها.
وسط هذا المشهد المعقد والمأساوي، وبين قرارات تُصاغ على الورق ودعوات لا تتجاوز حدود البيانات، تتحرك القوى الحية داخل السودان – من لجان مقاومة ونقابات وقوى سياسية ومدنية منحازة للجماهير- في ظروف بالغة القسوة، لتضميد جراح المواطنين، وسد إحتياجاتهم اليومية والعاجلة، والعمل بصبر وتراكم على فتح مسارات الحوار والتجميع بين الفصائل المدنية، بما يفضي إلى بناء وحدة نضالية ورؤية سياسية واضحة، تحمي ما تبقى من الوطن وتصون كرامة المواطن.
وفي هذا الإطار، يتقدم الأساس المدني الجماهيري القاعدي بوصفه المدخل الحقيقي لحل الأزمة، بعيدًا عن تجارب الإتفاقيات السابقة التي صيغت ووقِّعت في قاعات الإحتفال داخل السودان وخارجه، لكنها إنهارت قبل تنفيذ بندها الأول، لإفتقارها للسند الشعبي، وإرتهانها لإرادات خارجية وتحالفات فوقية هشة.
في ظل هذا الواقع المؤلم، لا يعلّق المواطن آماله إلا على القوى التي تتحرك من حوله ومن بين صفوفه؛ قوى الداخل التي تُختبر يوميًا في صدقيتها وقدرتها على الفعل. فالتجربة التاريخية للسودان تزخر بأمثلة التدخل الخارجي الذي تعامل مع أزمات الشعب عبر الشراكة مع القوى المتنفذة، أي مع السلطة أو الطبقة الحاكمة. وفي هذا السياق جاء نظام الفريق إبراهيم عبود الديكتاتوري (1958-1964)، على خلفية ضغوط خارجية وإحتمالات رفض البرلمان المنتخب للمعونة الأمريكية، حيث تحرّكت قيادات سياسية من حزب الأمة، بإيعاز خارجي، لدعوة قائد الجيش للاستيلاء على السلطة، وهو ما وقع في 17 نوفمبر 1958.
وعلى الرغم من الزيارات الدولية اللاحقة والدعم الخارجي المتعدد المشارب، بما في ذلك زيارة نائب الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون، ورئيس الوزراء الصيني تشوان لاي، ورئيس مجلس السوفيت الأعلى ليونيد بريجينف، لم يحمِ ذلك النظام الديكتاتوري من السقوط. إذ أسقطته وحدة الشعب وقواه المدنية، عبر سلاح الإضراب السياسي والعصيان المدني. وتكرر الدرس ذاته في إنتفاضتي مارس-أبريل 1985، وديسمبر 2018.
إن الخلاصة المركزية التي تؤكدها هذه التجارب أن حماية مسارات التغيير، وضمان إستمرارية الإنتفاضة والثورة حتى تحقيق أهدافها، لا تقوم على الرهانات الخارجية ولا على التسويات المفروضة، بل على صلابة وحدة الجماهير القاعدية، وبروز قيادات من قلبها، معبّرة عن مصالحها، منطلقة من قواعدها، ومتمتعة بثقتها. تلك هي القاعدة الصلبة لأي نصر حاسم ومستدام.
الميدان 4426،، الأحد 10 فبراير 2026م.

