الانتخابات الفرنسية من زاوية أخرى


يتأسف الكثيرون عن إضاعة اليسار الفرنسي فرصة المرور للدور الثاني وذلك نتيجة تشتته وعدم الاصطفاف وراء ميلونشون الذي حل في المرتبة الثالثة وراء ماكرون وماري لوبين. بالفعل كان ذلك ممكنا لأن الفارق بينه وبين المرتبة الثانية هو أقل من واحد في المائة او اذا حسبنا ذلك بعدد الأصوات فالفارق هو أقل من 300 ألف صوت كان من الممكن أن يوفرها دعم مرشح الحزب الشيوعي لوحده الذي تحصل على ما يناهز 800 ألف صوت.

لكن الواقع أكد بأن ما يسمى باليسار الفرنسي مبلقن بشكل كبير جدا وأسباب ذلك عميقة جدا. لعل السبب العميق هو وصول الديمقراطية التمثيلية البرجوازية الى حالة فقدان المصداقية عند نسبة مهمة من الشعب الفرنسي ما فتئت تتسع بتوالي المناسبات الانتخابية. نتيجة فقدان المصداقية هذا فقدت ايضا الأحزاب السياسية جدواها وإمكانية قيادة الرأي العام أو على الأقل توجيهه ولذلك انتعشت ظاهرة الشعبوية بشقيها اليميني واليساري. ففي الشق اليميني طفت على السطح ظاهرة الماكرونية وهي خلق زعامة تقريبا من العدم ولكنها في الحقيقة مسنودة من الرأسمال الامبريالي واعلامه الطاغي ويتم تغذية هذه الشعبوية اليمينية بالنزعة العنصرية والفاشية ممثلة بعائلة لوبين وحزبها اليميني المتطرف. أما الشعبوية اليسارية فتجد المعبر الواضح عنها في ميلونشون الذي يسعى لقيادة تيار شعبوي يعادي الأحزاب اليسارية التقليدية ويريد ان يصبح البديل المتوج شعبيا وقد يسمح له الانتصار المرتقب بالتحول الى حزب سياسي يشكل القاعدة السياسية في البرلمان وفي المجالس الترابية.
في مقابل هذه النزعة الشعبوية انهار الحزب الاشتراكي لأنه لم يحقق ما كان يقدمه من وعود لما فاز بالرئاسة سواء في عهد ميتران او في عهد هولاند أما الحزب الشيوعي فقد تحول إلى حزب قزمي لم تنفعه كل التنازلات السياسية والتراجعات الفكرية وتخليه عن المرجعية الشيوعية في اجتذاب الناخبين الفرنسيين. انه حزب يحتضر وقد يتعرض الى المزيد من التفتيت وتغادره تلك المجموعة التي بقيت متشبثة ببعض أمل النهوض.

كانت فرنسا ولا زالت ارض خوض الصراع الطبقي الى ابعد حدوده وها هي تخوض هذا الصراع بما يكفي من الوضوح بحيث فشلت النزعة الاورو شيوعية من تحقيق استراتيجية الثورة الاشتراكية بالطريقة السلمية وبالتراكمات البطيئة وقد وصل حامل هذا المشروع التحريفي الى حافة الموت انه يحتضر وفي المقابل فإن الطبخة الاشتراكية الديمقراطية بدورها فشلت وانهار الحزب الاشتراكي قائدها كما ان الشعبوية اليسارية اصطدمت بالحائط ويقودها زعيمها المتوج الى حتفها النهائي. عودنا الشعب الفرنسي على الانتفاض على نفسه والنهوض من جديد أليس هو صانع كمونة باريس عشية انتقال الراسمالية الى الامبريالية وقد يعيد التجربة بنجاح عشية انهيار المنظومة الإمبريالية وانبثاق الاشتراكية.