كلمة الرفيق عبد الحميد أمين في اللقاء التأبيني للفقيد بنسعيد آيت يدر

كلمة الرفيق عبد الحميد أمين في اللقاء التأبيني للفقيد بنسعيد آيت يدر


كلمة عبد الحميد أمين في اللقاء التأبيني للفقيد بنسعيد آيت يدر



ait-ider كلمة الرفيق عبد الحميد أمين في اللقاء التأبيني للفقيد بنسعيد آيت يدر
السبت 23 مارس/ نادي المحامين بالرباط

تحية للحضور الكريم.

أشكر الحزب الاشتراكي الموحد لدعوتي للمشاركة في هذه الأمسية التكريمية للفقيد العزيز بنسعيد آيت يدر. كما أعتز بتزامن هذا الحفل التأبيني مع الذكرى 59 لانتفاضة 23 مارس المجيدة مع الوقوف إجلالا لمئات شهدائها دام لهم المجد والخلود.

الرفيقات والرفاق، الأخوات والإخوة، السيدات والسادة:

ما يمكن أن يقال عن المناضل بنسعيد في هذه المناسبة كثير وكثير جداً. فالفقيد عاش لمدة 99 سنة مليئة بالأحداث والتضحيات وبمشاركته في هذه الأحداث، خاصة منذ مطلع الأربعينات.

ونظراً لضيق الوقت سأكتفي باستحضار بعض اللحظات التي يبدو لي معبرة عن شخصية الفقيد آيت يدر والتي تحافظ عليها ذاكرتي أكثر من غيرها.

* أول لقاء لي بالمناضل آيت يدر كان في باريز سنة 1970 آخر سنة للدراسة بالنسبة لي وتحديداً في غرفتي بالإقامة الطلابية Daraut بالحي اللاتيني. كنا 5 أو 6 من المجتمعين بالغرفة منهم الرفيق بنسعيد وحميد برادة وأخيه أسامة، وحسن الحاج ناصر ومناضل آخر من حزب التحرر والاشتراكية وأنا من نفس الحزب. لم يكن هذا اللقاء الوحيد وقد تم خلاله وخلال لقاءات مماثلة مناقشة الأوضاع في المغرب وفي حزبينا التحرر والاشتراكية والقوات الشعبية وطرحنا آراءنا النقدية لمسارهما مع استخلاص ضرورة القيام برجة من أجل بناء حركة ثورية تسير بالمغرب نحو التحرر من الاستعمار الجديد والنظام المخزني السائد ببلادنا.

وللتذكير فإن تلك الفترة كانت تعرف مخاضاً وسط الطلبة والمثقفين التقدميين داخل المغرب أدى بعد شهور إلى تأسيس منظمتين ماركسية لينينية ستعرف في ما بعد بمنظمتي “إلى الأمام” و”23 مارس”.

ونظراً لهذا اللقاء لم أستغرب، سنوات بعد ذلك، وأنا داخل السجن، لدور الرفيق بنسعيد كأحد مؤسسي اليسار الجديد، ولعضويته في منظمة 23 مارس ولزعامته الفعلية أو المعنوية للمنظمات التي تمخضت عنها، من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي إلى الحزب الاشتراكي الموحد.

* آخر مرة التقيت فيها بالرفيق بنسعيد كانت وهو فوق كرسيه المتحرك بمقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يوم 7 ماي 2023 بمناسبة انعقاد المجلس الوطني الثالث للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع والذي تم خلاله تكريم الفقيد بنسعيد والأستاذ عبد الرحمان بنعمرو. وحسناً فعلت الجبهة، لأنها بهذه المبادرة وضعت الأصبع على التراث الكفاحي للفقيد بنسعيد الذي ظل طيلة حياته، وخاصة في السنوات الأخيرة، مدعماً دون هوادة للقضية الفلسطينية، على اعتبار أنها قضية وطنية ومناهضاً للتطبيع على اعتبار أنه خيانة لعقيدة الشعب المغربي المؤمن فعلا بالطابع الوطني للقضية الفلسطينية.

* وطبعاً مثلكم جميعاً، لا يفوتني أن أثير الدور البارز للفقيد في المقاومة الوطنية (المسلحة بالخصوص) ضد الاستعمار الفرنسي وضد الاستعمار الاسباني بالجنوب وتمسكه كقائد، مع رفاقه المبدئيين، بعد الحصول على الاستقلال الشكلي، بضرورة مواصلة مهام جيش التحرير بالجنوب لتحرير ما تبقى من مستعمرات إسبانية في جنوب المغرب (إفني وطرفاية) ولتحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني. وقد جاء التواطؤ بين المخزن والاستعمار الإسباني والفرنسي، خاصة عبر عملية ايكوفيون المشؤومة، لإجهاض هذا المشروع التحرري. كما جاء بالمقابل، لتجدير وعي الفقيد والعديد من الوطنيين المبدئيين الذين أدركوا الطبيعة اللاوطنية واللاديمقراطية للمخزن وجدروا مواقفهم وأصبحوا رأس رمح المعارضة اليسارية للمخزن وللاستعمار الجديد والتي شكلت نواة الجناح الثوري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فلا غرابة إذن أن يتم اعتقال بنسعيد في 1960 وفي 1963 ويضطر للمنفى بالجزائر، ثم بفرنسا، وأن يتم الحكم عليه في 1964 بالإعدام غيابياً.

* وبعد رجوع الفقيد للمغرب سنة 1981، واصل نضاله ضد الاستبداد المخزني بمنهجية أخرى تجسدت في دوره كرئيس لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثم داخل اليسار الاشتراكي الموحد وداخل الحزب الاشتراكي الموحد. ويحسب لبنسعيد أنه قاطع وعارض جميع الدساتير المخزنية الممنوحة وعددها ستة من 1962 إلى 2011 مروراً ب 1970 و1972 و1992 و1996. وقد أدى حزبه غالياً ثمن رفضه لدستور 1996 حيث لجأ المخزن إلى معاقبته عبر تقسيمه والعمل على إضعافه. كما يحسب له موقفه المبدئي المدعم لحراك الريف ولمعتقلي حراك الريف ومن الاعتقال السياسي بعد عودته للواجهة على إثر التغول المتجدد للمخزن ببلادنا. ويحسب لبنسعيد بالخصوص ذلك الموقف الشجاع من داخل قبة البرلمان الذي طرح من خلاله قضية محتجزي تازمامارت المسكوت عنها وطنياً آنذاك، مساهماً بذلك في فك الحصار على قضيتهم.

* لا يفوتني قبل الأخير أن أشير بعجالة إلى المواقف التقدمية لبنسعيد الداعية إلى وحدة المغرب الكبير، وخلق الشروط لذلك، في زمن يتميز بتفشي الشوفينية وبتأجيج الصراعات بين الشعبين الشقيقين المغربي والجزائري وبين سائر الشعوب المغاربية مما ساهم في فتح الطريق أمام التدخلات الامبريالية والصهيونية بالمنطقة.

* وأخيراً وليس آخراً، لا بد أن أشير إلى بنسعيد المدافع عن الكرامة الإنسانية، عن كرامته وكرامة شعبنا.

إخواني، أخواتي، رفاقي ورفيقاتي، نتذكر جميعاً تلك الوفقة الشامخة لبنسعيد أمام الملك الراحل الحسن الثاني وهو يرفض الانصياع لتلك الطقوس المخزنية السائدة، الحاطة بالكرامة المتجسدة في الانحناء أمامه وتقبيل يده. وعند حفاظه على ثبات وصلابة عموده الفقري سأله الملك مستنكراً: من أنت؟ فكان جوابه: أنا محمد بنسعيد.

نعم، إنه محمد بنسعيد المواطن الحر.هكذا عاش وهكذا مات.
والسلام عليكم