الدولة البرجوازية ليست مطمح العمال والكادحين ببلادنا


التيتي الحبيب


في الديمقراطية البرجوازية، ديمقراطية الإنابة، تحتل الدولة مكانة عالية في التعقيد والغموض، إلى درجة تصبح معها كائنا سياسيا سحريا لا يستطيع المواطن البسيط أن يتعرف على حدودها ولا على طبيعتها. إنها حاضرة في كل شيء، يراها و لا يلمسها، تخضعه لقوانين تقول له انه هو من وضعها وهو من ساهم في إخراجها. ولأنه مواطن فرد يكون مسلوب الإرادة أمامها، يكاد ينظر لنفسه كما النملة ترى لنفسها لما تكون بجانب الفيل. من شدة تعقيد الدولة البرجوازية وتشابك مهامها، فإنها تصبح شغل الخبراء ومن دونهم لا يتصور المواطن إمكانية العيش أو السير العادي والطبيعي لأموره وأمور باقي المواطنات والمواطنين وكذلك تنظيم العلاقات مع الدول والأمم الأخرى.

 

تشيع الدولة عن نفسها إنها لا تمتلك السلطة، بل السلطة متعددة ومتنوعة وكل جزء منها يمتلكه قطاع من القطاعات، وهي قطاعات مستقلة عن بعضها البعض: فالسلطة التشريعية في يد برلمان تنتخبه الأمة، وسلطة قضائية يمتلكها جهاز قضائي منتخب ونزيه، وسلطة تنفيذية تمتلكها الحكومة بدورها تمثل إرادة الشعب عبر انتخابات نزيهة وأخيرا سلطة رابعة سلطة الإعلام المستقل الحر والنزيه. إن هذا التقسيم للسلطة هو جدار سميك من الدخان يغطي على حقيقة الدولة البرجوازية، انه جدار يغطي على مصدر السلطة الحقيقية؛ سلطة امتلاك الثروة والتي منها تتفرع كل تلك التمثيليات للسلطة بمقدار محدد وضمن سياسية أو استراتيجية تنمية تلك الثروة والحرص عليها.

 

بالمغرب لم تصل بعد الدولة إلى هذا النموذج “النقي الصافي” للسلطة البرجوازية. إنها لازالت تلبس لبوسا خاصا هجينا يخلط بين بعض الوظائف العصرية ورصيد هائل من الإرث السياسي للدولة العتيقة الماقبل الرأسمالية، إنها دولة المخزن حيث السلطة متمركزة في يد العائلة الملكية وحاشيتها من فئات اجتماعية المشكلة من البرجوازية الكبيرة الكمبرادورية وكبار ملاك الأراضي الكبار. والدولة المخزنية تنظم مختلف سلطها بشكل متداخل وفج وبدون استقلالية شكلية تقوم عليها الدولة البرجوازية. هذا الأمر الشاذ ببلادنا يجعل من قوى تعتبر نفسها تدافع عن قيم الديمقراطية والعصرنة لا ترى مستقبل للمغرب إلا بالخروج من وضعية الدولة المخزنية إلى وضع الدولة الديمقراطية البرجوازية حيث الملك يسود ولا يحكم أو ما تسميه بالملكية البرلمانية على غرار السويد أو اسبانيا.

 

كما نرى موقف سياسي أو مطمح لا يعيد النظر أو حتى لا يستطيع إدراك كنه الدولة البرجوازية وديمقراطيتها التمثيلية والتي أصبحت تقود حتى مواطنيها إلى الدعوة للتخلص منها بعد أن اكتشفوا خداعها وحقيقتها الطبقية (مظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية في فرنسا وانجلترا واسبانيا واليونان. . ).

 

إن الفكر النقدي يتجه بكثير من العمق مسلحا بتجربة التاريخ وباستخلاص لدروسه إلى نوع آخر من الديمقراطية يقوم على نقيض الراهن. إن الشعوب اليوم تتوق إلى تأسيس سلطتها الوحيدة عبر المجالس الشعبية ومن هذه المجالس الشعبية تتكون الدولة الشعبية كهيأة سياسية واقتصادية واجتماعية معروفة الملامح ومحدودة المهام وبتوكيل واضح. إنها دولة الشعب وليست دولة مفصولة عنه ولا علاقة لها بدولة الخبراء وكل تلك المزاعم التي تبرر السطو على إرادة الشعب.

 

على ما أرى هذه هي الاهتمامات التي يجب أن توجه لها أنظارنا عند الكلام أو الاشتغال على قضايا الديمقراطية أو الانتخابات أو الدولة وسلطاتها. علينا أن نفضح كل المزاعم عن حياد الدولة وعن الاستقلالية المزعومة للسلط التشريعية أو التنفيذية أو القضائية. إنها سلط مسخرة وهي تابعة أو منصبة من الذي يملك السلطة المادية الوحيدة القاهرة أي من يتحوز على الثروة.

التيتي الحبيب
11/09/2017

  •  
  •  
  •  
  •