قبل مائة عام خلت، ولدت أول خلية شيوعية في تونس


قبل مائة عام خلت، ولدت أول خلية شيوعية في تونس

منذ بداية العام الحالي، وعلى الرغم من القيود التي فرضها انتشار فيروس كورونا 19، تعيش العاصمة التونسية ومدن أخرى في الداخل (جندوبة، منزل بورقيبة، قابس…) وقائع إحياء “الذكرى المئوية للحركة الشيوعية في تونس”. إذ يتم تنظيم العديد من الأنشطة العلمية والتظاهرات الثقافية (معارض الصور وعروض الأفلام والعروض المسرحية والموسيقية) للاحتفال بهذا التاريخ الذي كان دائمًا محلّ تجاهل أو حتى إنكار من قبل التأريخ الرسمي للبلاد.

فتأثير ثورة أكتوبر العظمى وولادة الأممية الثالثة لم يقتصر على البلدان الإمبريالية في أوروبا، بل أثرت أيضًا بشكل كبير على البلدان المستعمرة في جميع القارات، بما في ذلك البلدان العربية.(1)

ففي 27 مارس 1921، ولدت أول خلية شيوعية في تونس في بلدة فيريفيل(2) الصغيرة الواقعة شمال البلاد، وهي بلدة كانت تضم أولى الصناعات الحديثة، وبالتالي النوى الأولى للطبقة العاملة. جمعت الخلية عمالا من مختلف الجنسيات: فرنسيين وإيطاليين ومالطيين وتونسيين وأعلنت عن انتمائها إلى الأممية الشيوعية، وقد جاء إنشاؤها بضعة أسابيع فقط بعد مؤتمر “تور”(3) الشهير الذي شارك فيه مندوبون تونسيون وفرنسيون من تونس والذي شهد ميلاد الحزب الشيوعي الفرنسي.

في العام نفسه، أطلق مختار العياري، النقابي وأحد مؤسسي هذه الخلية، صحيفة شيوعية باللغة العربية، “حبيب الأمة” لنشر الأفكار الشيوعية والدعاية لمآثر ثورة أكتوبر الكبرى، سرعان ما تمّ حظرها من قبل السلطات الاستعمارية، لكنه لم يستسلم وأعاد نشرها تحت عناوين أخرى مثل: “حبيب الشعب”، “النصير”، “البصير”، “الخبير”، “المظلوم” ألخ…(4)

سيكون رائد الشيوعية هذا، بعد أربع سنوات، أحد مؤسسي أولى النقابات العمالية المستقلة عن النقابات الفرنسية القائمة آنذاك: جامعة عموم العملة التونسية (CGTT) التي تصدت لتأسيسها جميع القوى الرجعية والاجتماعية ـ الشوفينية: السلطات الاستعمارية والأحزاب القومية التونسية (الحزب الحر الدستوري التونسي، الحزب الإصلاحي) والاشتراكيون الشوفينيون الفرنسيون والنقابات الصفراء الناشطة في تونس مثل CGT التي بقيت تحت سيطرة الاشتراكيين بعد “مؤتمر تور”، والتي برزت بغيابها التام عن النضالات التي يخوضها العمال التونسيون، بل واستنكرت تأسيس النقابة التونسية بحجة أنها ستشارك في تقسيم القوى العاملة في مواجهة رأس المال الموحد. وبحسب جواكيم دوريل، سكرتيرها المحلي، فإن “التعصب العرقي والديني وحده هو الذي يمنع العمال التونسيين من الانضمام إلى اتحاد النقابات العمالية”(5)، وهو ما رد عليه أحد مؤسسي جامعة عموم العملة التونسية كالآتي: “لا شيء يمنعك من الانضمام إلى النقابة التونسية وهي تستعد للانضمام إلى النقابة الدولية، وفقا لمبادئ العمال الراسخة عالميا. وهكذا نتجنب القسمة التي تخافون من مخاطرها. في جميع دول العالم، يخضع تشكيل النقابات لواقع مختلف الشعوب. كل دولة لديها منظمة معترف بها من قبل الدولية. لماذا لا يتم الاعتراف بتونس كأمة بين الأمم – وهي كذلك بالفعل، لولا الإصرار على اعتبارها أرضا فرنسية؟ في ظل هذه الظروف، لا شيء يمنعنا من التوحد، إلا وضعك كـ “حامي” (من الحماية) التي يمنعك من التنازل واعتبارنا أندادا لك. أما بالنسبة للتجربة المهنية والنقابية التي تستهجنون نقصها بين الأهالي، فأنا لا أنكرها. لا شك أنه إذا انضممت إلينا، فسيتم تجاوزها. فنحن مجرّد عمال”.(6)

وسيظهر مؤسسو CGTT نضالية كبيرة سيجوبون أرجاء البلاد لنشر الفكرة النقابية وإقناع العمال بالحاجة إلى التنظيم. قادت هذه الرحلة محمد علي الحامي إلى جميع التجمعات العمالية، من مدن الشمال (بنزرت ومنطقتها، فيريفيل) إلى مدينة تونس وضواحيها، إلى مدن الحوض المنجمي الواقعة على بعد حوالي 400 كيلومتر جنوب العاصمة.

لكن ردّ فعل السلطات الاستعمارية لم ينتظر طويلا. وبما أن هذا الجامعة لم تجد الدعم إلا من النواة الشيوعية، فقد استغلت هذه السلطات ذلك لتوجيه ضربة قاتلة للنقابة الوليدة ولوقف الدعاية والنشاط الشيوعي في تونس. إذ تم اعتقال قادة CGTT وكذلك بعض القادة الشيوعيين وتقديمهم إلى العدالة ليتم الحكم عليهم بالنفي إلى خارج أراضي الإمبراطورية الفرنسية، وتم تفكيك منظمتهم وحظرها.

سيموت بعضهم في المنفى (محمد علي الحامي ومختار العياري) ولن يروا تونس مرة أخرى؛ وسيعود آخرون بشكل غير قانوني (طاهر بودمغة، جان بول فينيدوري). لذلك ستقتصر الدعاية الشيوعية منذ ذلك الوقت على الصحافة الناطقة بالفرنسية وستصبح غير متاحة للسكان المحليين الناطقين بالعربية والأميين إلى حد كبير.

إن هذه الظروف التي ولدت فيها الحركة الشيوعية في تونس سيكون لها الأثر الكبير على تطوّرها اللاحق، إضافة إلى ارتباطها العضوي بالحزب الشيوعي الفرنسي، الذي ينظر إليه التونسيون على أنه حزب فرنسي يولي اهتمامه في المقام الأول إلى “فرنسيي تونس” وليس إلى التونسيين. وكان على هؤلاء انتظار سنة 1939 ليروا الفرع الفرنسي للأممية الشيوعية /SFIC يتحوّل إلى الحزب الشيوعي التونسي، بناءً على توصية من الأممية الشيوعية، وترقية التونسي، علي جراد(7)، إلى منصب الأمين العام للحزب، أي مناضل يُتقن مخاطبة التونسيين بلغتهم ويعبّر عن تطلعاتهم إلى التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي.

قبل هذا التاريخ، لم يتغير التمثل الشعبي للحزب الشيوعي كحزب فرنسي لأن قيادته كانت تتكون أساساً من عناصر فرنسية وكانت اللغة المستخدمة في اجتماعاته كما في صحافته المكتوبة هي الفرنسية، والتي شكلت بالفعل عائقا أمام الشعب التونسي للانضمام إلى الحزب.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ستشتد الخلافات داخل الحزب فيما يتعلق بالترابط بين المسألة القومية والأممية. وإذا كانت الأممية الشيوعية قد عبرت في مقرراتها بوضوح عن موقفها إزاء هذا الإشكال منذ مؤتمرها الثالث (1922) كما في جميع الأدبيات المستوحاة من روح مؤتمر باكو(8)، فإن الأمر لم يكن دائمًا بمثل ذلك الوضوح في الممارسة وفي الخط السياسي لبعض الأحزاب الشيوعية، كما كان الحال مع الحزب الشيوعي الفرنسي. وبشكل أكثر تحديدا، كان السؤال المطروح كالآتي: هل ينبغي لشيوعي تونس (الفرنسيين والتونسيين) أن يضعوا على جدول أعمالهم في سياق ما بعد الحرب النضال من أجل التحرر الوطني ضد فرنسا الاستعمارية أو أن ينحازوا إلى الموقف الذي يدعو إلى “الضرورة المطلقة للشعب التونسي للتحالف مع شعوب العالم لمحاربة الإمبريالية الأمريكية وطموحاتها التوسعية والعدوانية”(9)، وقد تمت ترجمة ذلك في شعار “الاتحاد الفرنسي” بدلا عن الاستقلال.

ومع ذلك، فإن النقطة 8 في لائحة الـ21 شرطً لانضمام الأحزاب الشيوعية إلى الأممية الثالثة نصت بوضوح على ما يلي: “في قضية المستعمرات والقوميات المضطهَدة، يجب على أحزاب البلدان التي تمتلك برجوازيتها مستعمرات أو قوميات مضطهَدة، أن يكون لها موقف واضح المعالم بدون لبس. يجب على كل حزب ينتمي إلى الأممية الثالثة أن يفضح بلا رحمة جرائم إمبريالييـ”ه” في المستعمرات، وأن يدعم، ليس بالكلمات بل بالفعل، أي حركة تحرر في المستعمرات، ويطالب بطرد المستعمرين الامبرياليين، ويغذي في قلب عمال بلده المشاعر الأخوية الحقيقية تجاه جماهير الشغيلة في المستعمرات والقوميات المضطهَدة، وأن ينظم بين صفوف جيش الاستعمار التحريض المستمر ضد ظلم الشعوب المستعمَرة.”(10)

فتم طرد علي جراد، الذي دافع عن الموقف الأول ودعا إلى تكثيف النضال ضد فرنسا الاستعمارية، التي خرجت أضعف من الحزب خلال مؤتمره الثالث الذي عقد عام 1948 بسبب هذا “الانحراف القومي”. وهكذا، فإن الحزب الشيوعي، المهمّش أصلا للأسباب المذكورة أعلاه، سيعمق عزلته داخل الشعب التونسي ويمنح للقوى البرجوازية امتياز الانفراد بقيادة حركة التحرر الوطني.

وبعد حصول البلاد على استقلالها الشكلي عام 1956، لم يعد للحزب الشيوعي التونسي أي تأثير على مجرى الأحداث ولم يتمكن من الحصول على أي مقعد سواء في الجمعية التأسيسية المنتخبة في مارس 1956، أو في المجالس البلدية المنتخبة بعد ذلك بقليل. بل إنه سيختار سياسة “المساندة النقدية” للنظام الجديد وسيكتفي بتمجيد إنجازاته التقدمية. لكن هذا لن يمنع سيد البلاد الجديد، الرئيس الحبيب بورقيبة، من حظر نشاط الحزب الشيوعي في بداية عام 1963 وإجباره على العمل السرّي حتى عام 1981. أما على الصعيد العالمي، فسينحاز إلى مواقف “الحزب الشقيق الأكبر” الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي، وأطروحات مؤتمره العشرين (1986)، وسوف يغرق بشكل نهائي في التحريفية.

وهو ما سيؤدي إلى بروز معارضات من داخله (انشقاق مجموعة نورالدين بوعروج على سبيل المثال) أو من خارجه بظهور منظمات أخرى تصرّح بانتسابها إلى الشيوعية منذ بداية الستينيات. هذا ما سوف ندرسه في الجزء الثاني من هذا المقال والذي سنخصص حيّزا منه للحديث عن المسار الذي أدى إلى تأسيس “حزب العمال الشيوعي التونسي” والمكانة التي يحتلها هذا الحدث في تاريخ الحركة الشيوعية في تونس.

مرتضى العبيدي
29 أبريل 2021


(1) انظر بهذا الصدد مقالنا “الأممية الشيوعية والعالم العربي” الصادر بمجلة “وحدة وصراع”، عدد 38، مارس 2018

(2) وقد أطلق عليها هذا الاسم إكراما لجول فيري Jules Ferry رئيس الحكومة الفرنسية الذي أعطى الأوامر لجيوشه المرابطة في الجزائر لاحتلال تونس سنة 1881. وبعد اتافيات 1956، أطلق عليها اسم “منزل بورقيبة” أول رئيس للجمهورية التونسية.

(3) وهو المؤتمر الثامن عشر للفرع الفرنسي للأممية العمالية SFIO المنعقد في مدينة “تور” الواقعة غربي فرنسا من 25 إلى 30 ديسمبر 1920 والذي أدى إلى انسحاب الشيوعيين من الحزب المذكور وتأسيسهم للحزب الشيوعي الفرنسي.

(4) انظر مقال كلود ليوزي “ميلاد صحافة ثورية في تونس”. Claude Liauzu : la naissance d’une presse révolutionnaire en Tunisie. Eléments pour une étude des mouvements sociaux et Nationaux. Annuaire de l’Afrique du Nord, 1974

(5) -union- Syndicale Française (USF) وهو فرع السي جي تي الفرنسية في تونس.

(6) ذكره الطاهر الحداد في “العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية”، تونس 1927

(7) على جراد، وهو ابن عامل أصيل بلدة المطوية بالجنوب التونسي اضطرته أوضاعه المعيشية الى مغادرة مسقط رأسه باتجاه تونس للبحث عن شغل يعيل به عائلته. زاول الابن علي جراد تعليمه في جامع الزيتونة وانخرط مبكرا في العمل الوطني الذي كلفه السجن. وهناك تعرّف على شيوعيين فرنسيين علموه اللغة الفرنسية ومبادئ الشيوعية.

(8) مؤتمر شعوب الشرق المنعقد في “باكو” عاصمة جمهورية أذريبيجان الديمقراطية من 1 إلى 8 سبتمبر 1920 بحضور أكثر من ألفي مندوب قدموا من مختلف بلدان الشرق.

(9) مقتطف من لائحة صادقت عليها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التونسي سنة 1947.

(10) النقطة الثامنة من اللائحة المتعلقة بشروط انضمام الأحزاب الشيوعية الى الأممية الثالثة المصادق عليها في المؤتمر الثالث للأممية سنة 1922

  •  
  •  
  •  
  •