البحث العلمي والإصلاح الجامعي أي آليات لأي أهداف؟

البحث العلمي والإصلاح الجامعي أي آليات لأي أهداف؟
الرفيق عزالدين بعلال: أستاذ باحث


البحث العلمي والإصلاح الجامعي أي آليات لأي أهداف؟



تعتبر الجامعة هي قبل كل شيء فضاء للتفكير الحر المبدع والخلاق ولا تنحصر وظيفتها في التحصيل العلمي فقط، بل هي فضاء واسع للنقاش والجدل وإنتاج الأفكار والتنظير للمجتمع وإبداء الرأي في المشروع المجتمعي الذي نريد، مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مجتمع ديمقراطي خال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وبعيدا عن التعصب العقائدي، الطائفي والعرقي، دون أن ننسى دور البحث العلمي في شتى الميادين وكونه قاطرة للتنمية.

إن السياسة التعليمية المتبعة ببلادنا ومنذ نهاية السبعينات تقريبا هي سياسة طبقية بامتياز. فهناك مدرسة للكتلة الطبقية السائدة و التي تهدف إلى إعادة إنتاج النخب القادرة على التفكير والمحافظة على امتيازاتها الطبقية و هذا بالطبع متاح فقط لأبناء الأغنياء (المدرسة الأمريكية، مدارس البعثات وبعض التعليم الخاص الباهظ الثمن لأبناء الطبقة المتوسطة) علما أن هذه الفئة لا تتجاوز عشرة بالمئة، بالمقابل مدرسة عمومية لأبناء عموم الشعب والتي كانت على الأقل حتى حدود السبعينات و سيلة للترقي الاجتماعي، لكن ومنذ نهاية السبعينات استطاع النظام أن يطبق سياسته الطبقية وأصبح الهدف من التعليم العمومي هو محاصرة العقلانية والفكر التحرري والنقدي وبالمقابل شل العقل عن التفكير وفي نهاية المطاف الهدف الرئيسي هو إعداد يد عاملة مؤهلة تكون في خدمة الكتلة الطبقية السائدة والشركات المتعددة الجنسيات وبأجور متدنية.

إن مظاهر تردي قطاع التعليم ببلادنا ليست جديدة، فهذا القطاع تعرض لمحاولات “إصلاح” متكررة لم تخرجه أبدا من أزمته البنيوية ولا تفعل تلك المحاولات، كل مرة، سوى أنها تفاقم وتعمق مظاهر الأزمة. ونستشف من هنا أن مشكلة منظومتنا التعليمية تتجلى في غياب إرادة سياسية ناجعةلإصلاح التعليم العالي وسن سياسة للبحث العلمي تكون في خدمة الشعب، هذه الحقيقة اثبت الواقع صحتها، خاصة مع فشل كل محاولات “الإصلاح” المتعاقبة. كما يجب الاقتناع بأن أي إصلاح يستبعد تطبيق الديمقراطية الحقيقية في كل مراحل العملية التعليمية وعلى مدار المعيش اليومي داخل المؤسسات التعليمية سيؤول للفشل. فالديمقراطية تعني إقرار مواطنة حقيقية والتي تعني بدورها منح الحقوق الأساسية لكل المواطنين دون تمييز، والحق في تعليم جيد عصري يساير التطور العلمي في شتى المجالات المعرفية هو أحد هذه الحقوق الأساسية والتي تعتبر شاملة وغير مجزأة. والحال أن واقع تعليمنا ما زال بعيدا عن تحقيق المساواة والعدالة في جميع أسلاك التعليم، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية او بالبرامج التعليمية، بل وحتى بلغة التدريس.

وتتجلى اليوم عواقب هذه السياسات اللاشعبية المرتجلة التي لا تولي الاهتمام اللازم لتحسين ظروف إنجاز العملية التعليمية والتأطير والبحث العلمي باعتباره محور هذه العملية في التعليم العالي، في:

– الإجهاز على صبغة “القطاع العمومي” للتعليم وذلك بالتحفيز على خلق “مسالك مربحة اقتصاديا” وخوصصتها تدريجيا لتبقى حكرا على نخبة معينة داخل المجتمع ضربا لمبدأ تكافئ الفرص، خصوصا بعد تمرير قانون الإطار الذي يضرب في العمق مجانية التعليم،

– تطبيق عدد من الإصلاحات البيداغوجية التي تسير في اتجاه “تشديد شروط الولوج إلى الماستر والدكتوراه” وتقتصر أساسا على الجانب التقني وعدم ربطه بأوراش كبرى لإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تصب في اتجاه الإجابة على إشكالات التخلف التي يعاني منها الشعب المغربي،

– الاتجاه نحو تخلي الدولة على دورها في مجال التعليم وفتح هذا القطاع الوطني الإستراتيجي على الاستثمار لفائدة الرأسمال الأجنبي والمحلي تمهيدا لتسليعه وتبضيعه، وتغيير مصادر تمويل الجامعة وكذا شروط توظيف أطر التعليم العالي بالاعتماد التدريجي على “المتعاقد” و”المستخدم”،

– غياب الدمقرطة الفعلية في تسيير وتدبير مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، وتغليب منطق التعيين والقرارات الفوقية، وذلك بالرغم من بعض التغييرات الشكلية،

– تهميش البحث العلمي كمحور إستراتيجي في التعليم العالي لتطوير وتحيين المفاهيم والمضامين، وذلك سواء من خلال الميزانية الهزيلة المخصصة له وغياب التحفيز الحقيقي بالنسبة للأساتذة الباحثين، وعدم ربط البحث العلمي بالإصلاح التربوي من جهة وربطه بالتنمية وتقدم المجتمع وتطوره في مجال التكنولوجيا، والاقتصاد، والصناعة والفلاحة… من جهة أخرى، وخير دليل على هذا التركيز على مهننة التعليم العالي والتكوين في اللغات وتكوين خريجين يكونون بمثابة يد عاملة مؤهلة تقنيا لكنها مشلولة فكريا بأثمان بخسة تكون كجيش احتياطي خدمة للإمبريالية وخصوصا الفرنسية ولعملائها ببلدنا.

– يعتبر البحث العلمي إحدى أبرز المهام الرئيسية للأساتذة الباحثين وهو نتاج ما يبذلونه من جهود علمية نظرية وتطبيقية، ويفرض إمكانات تقنية وتمويلية كبرى بالنظر إلى النمو الهائل الذي تشهده المعارف العلمية والتقنية في العالم المعاصر، غير أنه في بلادنا ما يزال يحظى بمرتبة دونية، وحجم الاستثمارات في مجالاته مثيرة للإحباط، بالرغم من أنه القاعدة الأساسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى هذا الصعيد ما يزال يواجه معوقات كبرى في غياب أية استراتيجية وطنية للنهوض بإمكاناته وطاقاته وتحديد أفق سياسة واضحة لما ينبغي أن يكون عليه البحث العلمي ببلادنا، وبسبب هذا تراجع دوره وتغلبت مهمة التدريس على المهام الأخرى بالنسبة للأستاذ الباحث في ظل الاختلالات التي تفرض أعباء ثقيلة على عاتقه في مجال التدريس، مما يفرض الانشغال عن البحث وقصر الجهد على العمل التدريسي الذي يستغرق طاقته وفاعليته.

استنادا لما سبق فواقع التعليم العالي والبحث العلمي، لا يمكن له أن يكون غير ما هو عليه الآن، فإنه يسير من سيئ إلى أسوأ نظرا لعدة عوامل متداخلة ومتشابكة من بينها بطبيعة الحال وضعية التعليم العمومي بشكل عام. فكما أشرنا سابقا فإن التعليم العمومي المتاح لأبناء الشعب يجب أن ينتج في أحسن الأحوال يد عاملة مؤهلة تكون في خدمة الرأسمال الطفيلي والكتلة الطبقية السائدة. إن اعتماد نظام الاجازة-الماستر- الدكتوراه قد ساهم بشكل كبير في هذا المنحى التراجعي لأنه وبكل بساطة ليس لدينا لا الإمكانيات البشرية ولا المادية لتطبيقه بشكل يتماشى مع ما هو معمول به في الدول الأخرى. أما أبناء الطبقة السائدة فلهم التعليم الجامعي الخاص والدراسة في الجامعات والمدارس الغربية وهؤلاء هم أطر المستقبل والذين سيتحكمون طبعا في السياسة والاقتصاد. ولابد من التذكير هنا بأن عدد الجامعات الخصوصية قد تكاثرت خلال هذه السنوات الأخيرة واستفادت من عدة تشجيعات من طرف الدولة وآخرها هي كليات الطب الخصوصية والمدارس العليا والمدارس الفرنسية وما يسمى بالجامعات الدولية والتي أصبحت شهادتها تعادل الشهادات الوطنية.