أسباب ظهور وانتشار حركات الإسلام السياسي


  • غازي الصوراني

على الرغم من حدة التناقضات بين القوى الوطنية والقومية واليسارية العربية من جهة، وبين حركات الإسلام السياسي عموماً، وحركة “داعش” وغيرها، من حركات التطرف الإرهابي خصوصاً، إلا أن تناولنا لهذه الحركات والجماعات الأصولية أو السلفية[1]، لابد أن يتوخى الموضوعية ارتباطاً بشكل أو أسلوب مواجهتنا لها، الذي يعتمد بالضرورة على المواجهة العقلانية السياسية، والخطاب التنويري، برؤية استراتيجية تعتمد الأسلوب والقيم الديمقراطية من جهة، وتتمسك بأهدافنا ومبادئنا الوطنية والقومية والإنسانية التقدمية من جهة ثانية، بما يعزز لدينا قوة المنطق العقلاني، والمنهجية التاريخية في قراءة التراث، إلى جانب تمسكنا بأسس التنوير والاستنارة بما يمكننا من رفض مهادنة الحركات والجماعات الإسلامية المتطرفة طالما أنها تمارس عمليات القتل والذبح والترويع وانتهاك أبسط حقوق الانسان وكرامته بصور وأساليب إرهابية بشعة، تعيد إنتاج أبشع أساليب القتل والتعذيب، في أكثر مراحل الانحطاط في الدولتين الأموية والعباسية.

وفي هذا السياق، فإن تناول موضوع الإسلام السياسي عبر خطاب عام يغفل تنوع الظروف الملموسة المحيطة والمتغيرة من قطر إلى آخر، يحمل بالتأكيد مخاطر خطيرة، فينبغي تفادي هذا الجمع.

لذلك يجب التمييز بين الإسلام السياسي في السعودية وباكستان من جانب وفي البلاد الأخرى- على الأقل- من جانب آخر. فالوهابية في الجزيرة العربية تعد ظاهرة خاصة، وتجليًا لنمط غليظ للعقيدة هو نتاج لمجتمع ظلت تحكمه أشكال عتيقة من الممارسات المجتمعية تجاوزتها المجتمعات الإسلامية الأخري منذ زمن بعيد، سابق على الإسلام نفسه. ثم أصبح هذا المذهب أيديولوجية لدولة هي نفسها أصبحت حليفًا مرؤوسًا للولايات المتحدة. على أن الثروة النفطية قد خلقت ظروفًا مناسبة لانتشار المذهب الوهابي في صفوف الإسلام السياسي السني المعاصر، ترتبت عليه ردات تدميرية واضحة، في سلوك رجعي لأقصي حد، خاصة بالنسبة إلى النساء، واختزال العقيدة في شكلية طقوسية، وعنصرية طائفية متعصبة في مواجهة الشيعة[2].

إن الحديث عن حركات الإسلام السياسي عموماً وما يسمى بتنظيم الدولة “داعش” وانتشاره في هذه المرحلة بصورة مريبة خصوصاً، لابد له من تفسير موضوعي استند إليه ذلك الانتشار المريب، بحيث باتت المحددات أو القوى الرئيسية للصراع في المرحلة الراهنة محصورة بين حركات الإسلام السياسي من ناحية، وبين الأنظمة العربية وجيوشها من ناحية ثانية، في ظل غياب أو انحسار ملموس لدور القوى والفصائل والأحزاب الديمقراطية الليبرالية، واليسارية العربية، التي كما يبدو لم يعد لها أي حساب أو ثقل في إطار الصراع الدائر أو في ذهنية الشعوب العربية التي تعيش في لحظة الارهاب والاقتتال والصراع الدموي الطائفي أوضاعاً غير مسبوقة من الخوف والاحباط والمعاناة والتشرد والحرمان وغياب آفاق العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات العامة.

المسألة الأخرى المرتبطة بهذه المرحلة الظلامية هي في تقديري أشد خطورة، وأقصد بذلك تراجع التناقض الرئيسي التاريخي بين شعبنا الفلسطيني، وشعوبنا العربية من ناحية، وبين الإمبريالية ودولة العدو الصهيوني من ناحية ثانية، حيث بات من الواضح أن ذلك التناقض لم يعد رئيسياً، إن لم يكن قد تحول بالفعل إلى تناقض ثانوي –في المرحلة الراهنة- بعد أن تكرس خضوع النظام العربي ومنه السلطة الفلسطينية –بدرجات متفاوتة- لشروط النظام الإمبريالي، واعترافه بدولة العدو الصهيوني أو التطبيع معها أو مهادنتها كما هو الحال مع حركة حماس، ما يعني أن التناقض الرئيسي مع الإمبريالية، والدولة الصهيونية، قد تمت إزاحته بفعل التراجعات العربية – الفلسطينية المتلاحقة طوال العقود الثلاثة الماضية، لكن يبدو لي أن ذلك الانزياح، لم يقتصر على الموقف العربي الرسمي فحسب، بل إن تراكمات الأحداث والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وما نتج عنها من تزايد مظاهر الاستغلال والإفقار والحرمان في أوساط الجماهير، أدى بالقضية الفلسطينية والتعاطف الشعبي العربي معها إلى حالة من التراجع والنكوص غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني منذ نكبة 1948 حتى اليوم، حيث لم تعد القضية الفلسطينية مسألة مركزية في الذهنية العربية، وباتت معظم الشعوب العربية غير معنية بأي موقف عدائي ضد الإمبريالية، والدولة الصهيونية، بل بدأنا نلاحظ موجات من العداء الشعبي العربي للفلسطينيين في العديد من الدول العربية بتأثير القوى الرجعية والفضائيات المشبوهة، والأخطر من كل ذلك، ان تراجع وانزياح ذلك التناقض الرئيسي، لحساب القضايا المطلبية والحياتية الداخلية التي أصبحت تشكل عنوان التناقضات الرئيسية في المرحلة الراهنة انعكاساً لأوضاع وممارسات الإرهاب، والقتل، والتشرد لملايين الجماهير العربية الفقيرة من ناحية، وتزايد معدلات الفقر والبطالة وغياب الأفق لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والعدالة، والديمقراطية، والكرامة، وحرية الرأي والمعتقد، إلى جانب وصول الوضع الفلسطيني إلى حالة من المأزق المسدود بسبب غياب الأفق السياسي لدى الفلسطينيين، الذين باتوا اليوم في أوضاع أقرب إلى الاحباط واليأس في الضفة وقطاع غزة والشتات عموماً، ومدينة القدس خصوصاً، ما يؤكد على ذلك تكالب الآلاف من سكان القدس للحصول على الجنسية الإسرائيلية، حيث أعلن الباحث المقدسي خليل التفكجي ان 24 ألف من سكان القدس حصلوا على الجنسية الإسرائيلية حتى منتصف 2015، عدا الطلبات المقدمة للحصول على الجنسية، واعتبر ذلك مؤشراً خطيراً يظهر لأول مرة بهذا الحجم في هذا العام 2015[3]، إلى جانب استعداد وشوق عشرات الآلاف من شباب عمال غزة للخروج منها للهجرة، أو العمل في أسواق دول الخليج والسعودية أو شوقهم لفتح سوق العمل الإسرائيلي، كما هو الحال في الضفة!!، علاوة على قلق وخوف آلاف العاملين في وكالة غوث اللاجئين من توقفها وبالتالي مواجهة مصيرهم المحتوم في البطالة والتشرد .

أمام هذه المؤشرات والمعطيات المادية، لم يعد للتناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني دور بارز في عقولهم ونفوسهم، انعكاساً لانشدادهم للحد الأدنى من الاستقرار، وتأمين سبل العيش، وتخفيف مظاهر الفقر والبطالة، والبدء بتنفيذ عملية الاعمار والتنمية في الضفة والقطاع، وتطلعهم – بلا أمل- صوب انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية والنظام السياسي الديمقراطي، وبدون ذلك سيكون الالتحاق بالحركات الإسلامية أحد خياراتهم.

وفي هذا الجانب، إن كل من يعتقد أن ظهور حركات سياسية مرتبطة بالإسلام، تعبئ جماهير واسعة، هي ظاهرة مرتبطة بشعوب متخلفة ثقافياً وسياسياً، لا تستطيع أن تفهم سوى اللغة الظلامية التي تكاد ترتد لعصورها القديمة وحدها، فإنه يقع في خطأ كبير-كما يقول بحق د.سمير أمين- فالشعوب الإسلامية لها تاريخها، مثل بقية الشعوب، والذي يمتلئ بالتفسيرات المختلفة للعلاقات بين العقل والإيمان، وبالتحولات والتغيرات المتبادلة للمجتمع وديانته. ولكن حقيقة هذا التاريخ تتعرض للإنكار لا على يد الخطاب الأوروبي المركزي وحسب، بل أيضاً على يد حركات الإسلام السياسي المعاصرة”[4].

لكن الخطاب الإسلامي، الذي يقدم كبديل لخطاب النهضة والديمقراطية، والمواطنة، وحرية الرأي والعقيدة، هو خطاب ذو طابع سياسي، تحت غطاء ديني شكلاني وطائفي رجعي. فالإسلام السياسي يدعو إلى التغيير الذي يعيد إنتاج وتجديد التخلف عبر النموذج السلفي الرجعي، لخدمة مصالح طبقية كومبرادورية وطفيلية راهنة. ولم تحاول أية حركة إسلامية، “لاراديكالية ولا معتدلة”، أن تتبنى أفكار لاهوت التحرير أو أفكار الديمقراطية والمواطنة والنهضة، إذ أن كل اهتمامات حركات الإسلام السياسي بالدين الإسلامي ينحصر في العمل على تحقيق مشروعها السياسي الديني الذي يتلخص في إعادة نظام دولة الخلافة الإسلامية بما تعنيه من رفض لكافة صيغ أو مشاريع الدولة الوطنية القومية والديمقراطية الحديثة، ما يعني أن هذه الحركات تستخدم الشعارات الدينية لنقل الصراع – كما يقول د.سمير أمين- من مجال التناقضات الاجتماعية (الطبقية) إلى مجال العالم الخيالي أو السماوي الديني، وقد نجحت في ذلك ارتباطاً بالأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المتردية، ومساندة القوى الطبقية الحاكمة من جهة، ودعم ومساندة بلدان النظام الرأسمالي العالمي من جهة ثانية خاصة وأن خطاب الحركات الإسلامية لا يتعارض أبداً مع خطاب رأس المال العالمي ومصالحه.

وفي هذا الجانب، نشير إلى عدم وجود أي اختلاف جوهري بين التيارات المسماة “بالراديكالية” للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها “بالمعتدلة” فمشروع كل من النوعين متطابق.

وفي هذا السياق، من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار عدداً من العوامل، التي شجعت انتشار الحركات الإسلامية عموماً والمتطرفة خصوصاً:

أولاً: استغلال النظام الإمبريالي للأوضاع العربية المترديه في ظل العولمة الراهنة، وحرصه على إدامة حالة الخضوع والتبعية والتخلف انسجاماً مع مصالحه الاستراتيجية في بلادنا، التي تحوي في باطنها أكبر احتياطي استراتيجي من النفط في العالم، وما يعنيه بالنسبة للنظام الإمبريالي، الذي أسهم دوماً في التخطيط والدعم للحركات الإسلاموية في بلادنا، حفاظاً على تلك المصالح من جهة، ولتكريس وتعميق أهدافه في المرحلة الراهنة، عبر إعادة تفكيك وتقسيم البلدان العربية وفق أسس طائفية دينية ومذهبية واثنية، تمهيداً لتفتيتها إلى دويلات تابعة ومتخلفة، بما يضمن إدماجها تحت سيطرة النظام الرأسمالي العالمي، وما يعنيه هذا من ترسيخ تبعية وخضوع تلك الدويلات بالكامل وفق شروطه.

وفي هذا السياق نشير إلى أن التكوينات الاجتماعية تتعرض فى “العالم الرابع” للتفكيك فى ظل سياسة الكومبرادورية السائدة، وفى هذه الحالات، فإن تدهور الصراعات الطائفية والمذهبية نحو مجال الغيبيات يصير أحد المعطيات الكارثية الحقيقية للأوضاع الاجتماعية، حيث يعطى التحالف بين أموال البترول والخطاب المنهجى التقليدى الماضوي، أكبر ضمان لنجاح الخطط الإمبريالية لفرض الكومبرادورية على المنطقة[5].

وفي هذا الجانب، فإننا نعتقد أن عجز أو ضعف السلطة المركزية في الدولة العربية عموماً، وفي سورية والعراق واليمن خصوصا، وفر الظروف الملائمة لانتشار وتمدد الجماعات الإسلاموية المتطرفة من ناحية، وارتباط الصراع الداخلي بأبعاد ومنطلقات مذهبية وطائفية شكلت حاضنة اجتماعية لتلك الجماعات من ناحية ثانية. آخذين بالاعتبار حالة الانغلاق اللاهوتي الطائفي الذي يعيد الجماهير العفوية البسيطة إلى عقلية القرون الوسطى .

وفي هذا السياق، فأن عجز أو تفكك الدولة القطرية كان سبباً في صعود تنظيم الدولة في سياق الفوضى الطاحنة في ليبيا، والفراغ السياسي ونمو الجماعات المرتبطة بالسلفية هناك، وفي اليمن مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، ومع الأزمة البحرينية والأزمات الداخلية العربية، فهنالك اليوم حالة جديدة متنامية من تفكيك المجتمعات وانهيار السلطة الأخلاقية للدولة، والعودة إلى الأشكال الأولية من التعبير عن الهوية.

مثل هذه المناخات تخلق جاذبية لنموذج الدولة الإسلامية وقابلية لاستنساخه وتطبيقه في العديد من المجتمعات، طالما أن المسارات البديلة مغلقة إلى الآن، فليست خطورة هذا التنظيم أنه اجتاز الحدود وأقام كيانًا عابرًا لها، ومتوحشًا في سلوكه مع الخصوم، بل إنه أصبح نموذجًا للوعي الشقي السلبي ولحالة المجتمعات العربية والمسلمة، حيث وجدنا كيف سعت جماعات أخرى في ليبيا واليمن ومصر/ سيناء إلى استنساخه، فطالما أن الأزمة السياسية السنية لم تُحل، والأزمة السلطوية العربية قائمة، فإن هذا التيار والتيارات الأخرى، سواء كانت شيعية أو عِرقية أو غيرها ستجد فرصةً للنمو والصعود والتكيف مع الضغوط والظروف المختلفة، وإذا تراجعت في مكان ستتنشر في مكان آخر[6]، ما يعني أن حركات التطرف الإسلاموي “ليست غريبة أبداً عن البيئة العربية، بل هي نتاجاً صادقاً وأميناً للواقع الراهن ومؤشراً موضوعياً للمدى الذي يمكن أن تصل إليه الانهيارات السياسية والأخلاقية والثقافية والمجتمعية، وهي أيضاً ليست كائناً غريباً عن مخرجات الأنظمة السلطوية الفاسدة من جهة والسياقات الاجتماعية المتردية من جهة ثانية، وجمود المنظومة الفقهية والفكرية والاختلالات التي تعاني منها من جهة ثالثة”[7].

ثانياً: التحولات الاقتصادية التي وقعت في ظل انفتاح النظام الساداتي في مصر، ثم في تونس والجزائر واليمن وسوريا أواخر عهد الرئيس حافظ الأسد، وصولاً إلى العدوان الأمريكي على العراق وسقوط النظام، ومن ثم انهيار ما تبقى من المشروع القومي، وكافة مشاريع التنمية على الصعيد الوطني، مما أفسح المجال واسعاً أمام ظهور “دولة الكومبرادور”، وتكريس التبعية والتخلف والإفقار، وبالتالي توفير وخلق المناخ الملائم لانبعاث الحركات الإسلامية السياسية، التي نجحت في استغلال ظروف الإفقار والاستبداد السائدة، وأن تقدم رؤيتها الخاصة لما حدث، وتعرض ما عرف بالحل الإسلامي البديل تحت شعار “الإسلام هو الحل”، في مناخ سياسي واجتماعي واقتصادي، تزايدت فيه مظاهر الحرمان والمعاناة للجماهير الشعبية الفقيرة، في جميع البلدان العربية غير النفطية بدرجات متفاوته، الأمر الذي أدى إلى توفير كافة العوامل التي عززت إعادة ظهور وانتشار حركة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلاموية التي تفرعت وولدت من بطن الجماعة الأم.

ثالثاً: وفي ظل سياسة تزايد مظاهر الإفقار والاستبداد، تنامت الحركات والدعوات الإسلامية بصورة غير طبيعية وغير مسبوقة، حيث كثر بناء المساجد الأهلية، وظهر (أو تجدد) الاهتمام بمقامات الأولياء والأضرحة، وتزايد الإقبال على الطرق الصوفية، وأصبحت الجماعات الدينية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، تملك المؤسسات المالية والاقتصادية والعقارية، والمستشفيات، والمدارس، والشركات، وتعددت وتشعبت نشاطاتها، بحيث جاوزت المهام الدينية لتقدم من خلال المساجد العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية، كما لوحظ انتشار هذه الظاهرة على المستوى الفكري عبر انتشار الكتابات الدينية، وإعادة وطبع كتابات “إسلامية” جسدت الرؤية الوهابية المتخلفة، المعبرة عن المصالح الطبقية للأسرة الحاكمة في السعودية، وبقية الأسر، والمشايخ في الخليج العربي، كما عبرت عن مصالح الكومبرادور المتنامي في بقية الدول العربية، وذلك من خلال التركيز على الشكليات والبدع والخرافات، ورفض مفاهيم الحداثة والتقدم العلمي، إلى جانب التركيز على رفض الديمقراطية، والعلمانية، والشيوعية، دون أي إشارة تدعو إلى النضال ضد الإمبريالية، والدولة الصهيونية، وقد راجت هذه الكتابات واتسع سوقها وجمهورها (تطبع بالملايين وتوزع بسعر زهيد أو مجاناً!) إلى جانب المجلات والدراسات التي تؤكد على الخطاب الأيديولوجي الديني، الذي يقوم على تمجيد الماضي وإضفاء حالة القداسة عليه.

وعلى المستوى القانوني والتشريعي، ارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء كل تشريع ديمقراطي يتعارض مع الشريعة الإسلامية، داعية إلى تطبيق الشريعة وإلغاء القوانين الوضعية، ومطالبة الحكومات بإصدار تشريعات لمعاقبة الكتاب والمفكرين الذي يتعرضون للإسلام بسوء.

وفي هذا الجانب، نشير إلى أحد أهم عوامل التخلف الفكري في الثقافة العربية، المرتبط بالمناهج، والكتب التربوية، في المدارس والجامعات العربية، التي تكرس المفاهيم السلفية الشكلية من منطلق التناقض مع المفاهيم والقيم الحضارية الحديثة، خاصة قيم الاختلاف والرأي والرأي الآخر والديمقراطية والمواطنة وتعلن رفضها لمفاهيم الوطنية والقومية، علاوة على انها لا تتناول أي إشارة إلى التنوع الديني في بلادنا من منطلق المساواة أمام القانون، بل إن معظم الكتب المقررة للتعلم في المدارس العربية تعتبر الإسلام حقيقة مطلقة ووحيدة، بل تشجع على التطرف والعنصرية تجاه الآخر، الأمر الذي يدرج الطوائف والعقائد الأخرى ضمن مفاهيم الضلال والكفر، ويسهم في تربية جيل ناقل وحافظ للمعلومة، غير قادر على الخلق والتفكير الموضوعي السليم، وكل ذلك يعود إلى أن النظام التربوي في الوطن العربي يحد من القدرة لدى الطالب على طرح الأسئلة وعلى فهم المعلومة المقدمة له، وإعادة صياغتها في عقله، بشكل نقدي بل يؤسس ويكرس لفعل قمع العقل عن التساؤل وتهيئته فقط للتلقي، ما يسطح عقلية الطلاب ويخلق منهم جيلاً ناقلاً لا فاهماً أو مساهمة في صنع الفكرة، بحيث بات الدين في ثقافة المجتمع عموماً، والأطفال وطلاب المدارس خصوصاً، هو جزء أساسي من الخبرات التي يتلقاها الأطفال في عمر مبكر جدا أثناء تنشئتهم. فمنذ سن الرابعة أو الخامسة، يبدؤون التعرف على الله والجنة والنار، ويصبحون على تماس مباشر بطقوس الصلاة والصيام والحج. ويُطلب منهم استظهار أناشيد وقصص تتعلق بالرسول والصحابة وغيرها من القصص الدينية. وهذا الشكل من التنشئة لا يقتصر على الأسر الذي يأخذ تدينها طابعا فكريا أيديولوجيا، بل إن له طابعا اجتماعيا عاما. ويجب أن نعترف أن هذه التنشئة عموما، لا ترحب بالآخر المختلف دينيا، بل هي على النقيض ترفضه، إذ هي تتعامل مع العقيدة الإسلامية هنا بوصفها الحقيقة الجاهزة المكتملة المطلقة، غير القابلة للنقاش، ويوصم كل ما عداها من عقائد بالضلال، ويتلقى الأطفال هذا النوع من التنشئة في وقت يستخدم فيه الدين في الوقت الحاضر، كما استخدم دوما، أداة لإثارة النزاعات وإدارتها، ومن هنا يأتي خطر أن تظل المدرسة امتدادا لهذا النوع من التنشئة[8].

ومن هنا فإن المحتوى التعليمي لكتب الصفوف الثلاثة الأولى، لا يمثل خطوة باتجاه تكريس ثقافة التسامح الديني، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، بل هو في الحقيقة يواصل تكريس القيم النقيضة لها[9].

وفي هذا السياق، فإننا نخطئ خطأً جسيماً لو ظننا أن تجديد الفكر الدينى يتمثل أساسا فى مراجعة ونقد بعض الأفكار المتطرفة المبثوثة فى الخطاب الدينى[10]، وذلك لأن المطلوب قبل إحداث ثورة دينية هو القيام “بثورة معرفية” تركز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء فى المعاهد الأزهرية التى تخصصت فى تعليم الفكر الدينى، أو فى مؤسسات التعليم المدنى الزاخرة بقشور العلم، والتى لا محل فيها لفكر دينى مستنير.

“وهذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية، أهمها على الإطلاق تأسيس العقل النقدى الذى يطرح كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة وفق قواعد التفكير النقدى المسلم بها فى علوم الفلسفة والمنطق. والركن الثانى تجسير الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على أساس مبدأ وحدة العلوم. والركن الثالث هو الدراسة العلمية للسلوك الدينى لمعرفة صوره وأنماطه السوية والمنحرفة على السواء. والركن الرابع والأخير استخدام الاكتشافات الجديدة فى علم اللغة والمنهجيات المستحدثة فى تحليل الخطاب لتأويل الآيات القرآنية حتى تتناسب أحكامها مع روح العصر”[11].

والنتيجة أن مجتمعاتنا العربية، أصبحت تعاني من ازدواجية واضحة على مختلف المستويات العمرانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، والإدارية، والثقافية. ازدواجية تتمثل في وجود قطاعين أو نمطين من الحياة الفكرية والمادية، منفصلين ولكنهما متعايشان معاً داخل المجتمع الواحد: أولهما عصري، مستنسخ عن النموذج الغربي، ومرتبط به ارتباطاً تبعياً، والثاني تقليدي أو أصيل، وهو استمرار لما كان قائماً من قبل التغلغل الإمبريالي، ويتم الدفاع عنه بدعوى الأصالة والحفاظ على تراث الأسلاف[12]!!.

رابعاً: منذ عقد اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 وما تلاها من دعاوي التطبيع السياسي والثقافي والاقتصادي مع العدو الإسرائيلي، وصولاً إلى أوسلو 1993، ثم وادي عربه 1994، بدأت مرحلة جديدة عنوانها “الأزمة المجتمعية الشاملة” كان أحد أهم تعبيراتها ذلك النمط المشوه من النمو الاقتصادي التابع الذي عمّق بدوره جوانب الخلل والتشوه في بنية المجتمعات العربية، حيث أدى هذا النمط إلى عدد من النتائج: زيادة الاعتماد على الخارج باستيراد الغذاء، وحدوث تراكم هائل في حجم الديون الخارجية المستحقة على الدول العربية غير النفطية، ومن ثم تزايد مظاهر الاستبداد، والإفقار والتخلف، إلى جانب تزايد سيطرة النظام الإمبريالي على مقدرات شعوبنا العربية، في موازاة تزايد هيمنة الدولة الصهيونية، وعنصريتها العدوانية، الأمر الذي بات فيه الوضع العربي مهيئاً لانتشار وهيمنة القوى والجماعات والحركات الدينية الأكثر غلواً في تطرفها وتخلفها وبشاعة ممارساتها الدموية غير المسبوقة في التاريخ العربي الحديث، كما هو حالة معظم بلدان الوطن العربي اليوم، مع حركة “داعش” وغيرها من حركات التطرف الإسلاموي التي لا يمكن تحليل مصادر قوتها وانتشارها بمعزل عن القوى الرجعية العربية في السعودية والخليج والنظام التركي، بالتنسيق والتخطيط والدعم الإمبريالي الصهيوني، بهدف الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية، عبر إبقاء مجتمعاتنا العربية في حالة من التبعية والتخلف لتكريس احتجاز تطورها وتفكيك دولها، والحَؤوْل دون نهوضها السياسي والاقتصادي الوطني والقومي الديمقراطي.

خامساً: عفوية وعدم وعي الاغلبية الساحقة من الجماهير العربية :

في ظل التطور الاجتماعي الاقتصادي العربي المشوه والمتخلف، كان من الطبيعي ان يعاد انتاج التخلف ليس على الصعيد الاقتصادي والصناعي والعلمي والحداثي فحسب، بل أيضاً على صعيد إعادة إنتاج وتجديد التخلف الذهني بالمعنى الثقافي في اوساط الجماهير العربية عموماً، والفقراء الذين يمثلون اكثر من 70% من مجمل عدد سكان الوطن العربي، ما زال معظمهم أُمِّيين أو شبه أمِّيين، وبالتالي فإن وعيهم العفوي البسيط، يعزز لديهم الإيمان والتسليم الكامل بالقضاء والقدر والغيب، ويلجاؤن إليه لعلهم يجدون فيه مخرجاً من فقرهم ومعاناتهم وظروف معيشتهم القاسية، الأمر الذي جعل من هذه الجماهير الفقيرة مخزوناً بشرياً هائلاً، نجحت الجماعات والحركات الإسلاموية في مخاطبة عفويته واستغلاله وتحريضه، ومن ثم توسعها التنظيمي الذي ضم مئات الآلاف منهم في تلك الجماعات والحركات.

إن بساطة وعفوية الجماهير الشعبية، تمثل اليوم –كما بالأمس- أحد أهم الاشكاليات الكبرى بالنسبة للفهم الصحيح أو الموضوعي للدين الإسلامي من حيث النص القرآني، أو من حيث تفسير الأحداث والصراعات التاريخية بالعودة إلى أسبابها، وهذا ما تعجز عنه الجماهير الإسلامية والعربية، بسبب عفويتها وضعف وعيها وأميتها، بحيث استمرت محكومة لوعيها الايماني الغيبي، والتسليم الكامل منها بالقضاء والقدر، دون اي إدراك حقيقي لأسباب ظلمها واضطهادها، ودون وعي عميق لديها بالنصوص القرآنية والاحاديث النبوية، ناهيك عن عدم اطلاعها بالمطلق على النزر اليسير من بعض محطات التاريخ الإسلامي، وليس لديها في تفسير التاريخ القديم أو الأحداث الراهنة المتلاحقة من حولها، سوى ايمانها العفوي البسيط، المتوارث عن الآباء والأجداد من ناحية، أو ما تسمعه وتشاهده من “الخطابات والمواعظ” الدينية من “شيوخ” السُنَّة أو الشيعة، وهي خطابات مبرمجة مسبقاً لتبرير المصالح الطبقية للأنظمة الحاكمة .

وفي مثل هذه الأوضاع، لم يكن مستغرباً انحياز المسلمين البسطاء من أبناء الشيعة أو السنة لتلك الخطابات أو الشعارات الدينية الديماغوجية في معظمها، التي تستهدف الدفاع عن مصالح الملوك والأمراء والحكام والطبقات الحاكمة من حولهم، دون وعي تلك الجماهير بمقاصد اولئك المشايخ أو “الفقهاء” ذات الطابع الانتهازي الطبقي المستتر المُعَبِّر عن رموز الاستغلال والاستبداد أو الطبقة الحاكمة لا فرق.

هكذا باتت معاناة الجماهير العربية الفقيرة، وعاءً مفتوحاً دون قيود لاستقبال الحركات الدينية، دون وعي منها لدور الاستعمار تاريخياً والقوى الإمبريالية راهناً في تأسيس تلك الحركات بالتنسيق مع القوى الرجعية الطبقية في الداخل، وبالتالي فإن “قبول” الجماهير أو إقبالها على الحركات الإسلامية كان –وما زال- انعكاساً لشدة معاناتها وبؤسها وليس انعكاساً لرؤيتها أو لوعيها الديني البسيط والساذج، إلى جانب أوضاع العجز والقصور لدى كافة القوى اليسارية والديمقراطية العربية، وهكذا مضت الأوضاع الاجتماعية والسياسية في بلداننا العربية، على العكس مما جرى في أوروبا، خاصة بعد انهيار النظام الناصري بسبب سياسات الانفتاح والخضوع الساداتي، التي تواصلت مع نظام حسني مبارك، وغياب الدور الوطني والقومي لمصر العربية، ومن ثم ظهور الدور الرجعي السعودي والخليجي في “قيادة” مرحلة الهبوط والتبعية والتخلف، وفق أهداف ومخططات النظام الإمبريالي.

وفي ظل هذا المشهد، انطفأت معظم أضواء النهضة والتقدم في حياة الشعوب العربية، وبات التخلف والاستتباع هو السمة الغالبة، منذ كامب ديفيد إلى يومنا هذا، في كل أرجاء الوطن العربي، وصولاً إلى أحوال الصراع الدموي الطائفي والمشاريع الإمبريالية التفكيكية لمعظم الدول العربية –خاصة سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان – وتفتيتها إلى دويلات طائفية وإثنية، مع استمرار سيناريو التفكيك قائماً بالنسبة لبعض دول المغرب العربي أو سيطرة العصابات والقبائل المسلحة كما هو الحال في ليبيا، دون استبعاد تفكيك “المملكة السعودية” إلى دويلات طائفية في مرحلة لاحقة، آخذين بالاعتبار فشل تلك المشاريع التفكيكية بالنسبة إلى سوريا الصامدة في مجابهة تلك المشاريع، بما قد يمكنها من الانتصار على الإرهاب واستعادة تماسكها ودولتها الموحدة في نظام سياسي ديمقراطي، الأمر الذى سيربك الكثيرين فى المنطقة والعالم.

وفي موازاة ذلك الصمود السوري، “قد تحدث تحولات درامية فى بعض دول النفط، أو على حدودها (وما يجرى فى اليمن –الأكثر فقراً- هام وخطير ويحتاج إلى تأمل جديد). وهذه التحولات، قد تربك الحسابات الأمريكية الجديدة، وتصبح (الحرب على داعش) بلا قيمة حقيقية وسط إقليم واسع ملئ بالثروة النفطية وبالمذاهب والعقائد المتنافرة، الجاهزة للانفجار فى وجه واشنطن “[13].

إن ما يميز الطائفية[14] هو إحياء هذه الجماعة كطائفة ذات هوية تتجاوز الهوية المذهبية إلى السياسة والمصالح، وهذا يعني أن الطائفية عملية تفتيت بالضرورة من منظور الافتراض التاريخي، حيث تقوم الطائفية السياسية المعاصرة على المحاصصة السياسية المؤسسية أو شبه المؤسسية للطوائف. ومع أنها ظاهرة في إطار الدول، فإن الرابط الطائفي قد يُسخَّر بشكل عابر للدول لتوثيق روابط تضامنية، أو لغرض التدخّل الخارجي في دول أخرى. والطائفية السياسية بمعناها المعاصر وليدة تفاعل المنظومة الاجتماعية القائمة مع الاستعمار الحديث، وطريقة بنائه الدولة التي سترثها الدولة الوطنية المستقلّة، أو ستصطدم بها بعده[15].

سادساً: خلط الدين مع السياسة سواء من قبل الحكومات والأنظمة أو الحركات والأحزاب الإسلامية. في كلا الحالتين وبحثا عن شرعيات مفقودة في الحالة الاولى، وتأسيساً لخطاب يوظف التدين الشعبي في الحالة الثانية، ازيح الجزء الاعرض من السياسة وعلى مدار عقود طويلة إلى مربع الدين. وهناك تم تديين السياسة واعتبارها مكونا من مكوناته المعاصرة، فصار الحكم والمعارضة والانتخابات وما تعلق بالممارسة السياسية شأنا دينياً[16].

إذ بإستخدام ذات الآلية (توظيف الدين في السياسة) التي احتمت بها أنظمة أو استغلتها حركات الإسلام السياسي نمت في الظلام وفي جنبات وزوايا الفشل السياسي والاقتصادي وتواصل القهر وانعدام المستقبل تنظيمات وافكار بالغة التطرف. ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي على اقل تقدير لم يتوقف نمو وزيادة عدد وتنوع هذه التنظيمات التي انخرطت في سباق مع نظيراتها في اظهار التشدد والتطرف، والإدعاء بأنها تمثل الإسلام.

والنتيجة الكارثية التي نحياها ونشهدها اليوم بإمتياز تقود إلى وضع اكثر كارثية. وليس من ثمة حل بعيد الامد امام شعوب وحكومات ودول المنطقة الا الابتعاد الحقيقي والفاعل، وبعد الشواهد التي تفوق الحصر الآن، عن خطورة ودموية خلط الدين بالسياسة. هذا الخليط متفجر ولغم دائم الاشتعال ولا يتوقف عن قتل وحصد مستقبلات الأفراد والشعوب[17].

سابعاً: إلى جانب الظروف الموضوعية التي تهيئ عوامل ومناخ التطرف، المتمثلة في الظلم والفقر والتخلف والجهل والهزائم، هناك عوامل ذاتية تقف وراء التطرف تعود حسب تحليل علماء النفس والاجتماع إلى : عامل التنشئة الاولى، اي التربية البيتية (العائلية) التي ينشأ الفرد خلالها ويتلقى معلوماته الاولية منها، كذلك يكون التطرف كرد فعل لتطرف مقابل وما ينتج عنه من جمود فكري وعقائدي في البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الانسان، حيث تتولد تراكمات دينية ومذهبية تتحكم بعقلية وسلوكية من يؤمن بها وتترسخ بمرور الزمن، وقد تتجاوز هذه العقائد الحدود ويصدر صاحبها أحكاماً على الآخرين بالكفر والردة ويعد عمله هذا جهادا في سبيل الدين، كما يلجأ المتطرف إلى انتقاء آيات واحاديث معينة للبرهنة على صحة آرائه. وقد لوح هؤلاء بفكرة ما يسمى (الحل الإسلامي) باعتباره الحل الأفضل لجميع المشاكل التي يعاني منها المسلمون في جميع ارجاء العالم العربي، حتى تحول هذا التطرف الإسلامي إلى منظمات ارهابية تبيح العنف وسفك الدماء وتعتبره نوعا من الجهاد الذي يوصل صاحبه إلى الجنة. [18]

ثامناً : توقف الفكر الإسلامي عن الاجتهاد، وعن متابعة التطور المعرفي والحضاري، فالفكر الإسلامي يعاني من تأخر كبير يتجاوز القرون الثلاثة (مسافة التفاوت التاريخى بين الفكر الإسلامى والفكر الأوروبي تصل إلى الثلاثمائة سنة، فقد ابتدأ هذا الفكر بالكاد يحس –كما يقال هاشم صالح- بآثار الهزات والحضارات والاختلاجات الهائجة التى كانت قد ابتدأت فى الغرب بدءا من القرن السادس عشر واخذت تولد ما يمكن ان ندعوه بالفكر الحديث, اما الفكر الإسلامى، فلا يزال واقعا تحت هيمنة نظام الفكر القروسطى [19]، وذلك من خلال الخلط بين ما هو اسطوري – وما هو تاريخى وعدم القدرة على التمييز بينهما، ثم –كما يضيف هاشم صالح- التصنيف الدرغمانى للقيم الاخلاقية والدينية، ثم التأكيد اللاهوتى على القول بأفضلية المؤمن – على غير المؤمن,والمسلم – على غير المسلم, ثم تقديس اللغة والقول بأنها وقف من الله وليست اصطلاحا بشريا، ثم ثبوت المعنى المؤصل من الله إلى البشر عن طريق الرسول واحاديثه, ثم الأعتقاد المطلق بأن هذا المعنى مفسر وموضح ومحفوظ ومنقول بشكل كامل من قبل الفقهاء إلى الاجيال التالية من المؤمنين دون اى نقص أو حذف أو ضياع على الطريق، ثم الايمان بوجود عقل خالد، أو ابدى وازلى لايتغير ولايتبدل والاعتقاد بأنه عقل فوق تاريخى أو يتجاوز التاريخ لانه يستمد معينه من كلام الله.

وبالتالي فأنهم يفترضون بأن هذا العقل يتمتع باساس انطولوجى يتجاوز كل تاريخية ويعلو عليها “اى يحميه من التغيير بتغير الازمان والعصور” هذه هى المسلمات الاساسية التى سيطرت على ذهنية الناس فى العصور الوسطى، وما تزال موجودة وناشطة في بلادنا ومجتمعاتنا العربية حتى كتابة هذه السطور، وستظل لفترة ليست قصيرة قادمة، “فالكثير من المفكرين المسلمين يرفضون تاريخية العقل, وبالتالي فهم يعتقدون بأن نصوصهم معصومة ولا علاقة لها بالتاريخ”[20].

بعد استعراضنا للعوامل الثمانية الرئيسية التي أدت –من وجهة نظرنا- إلى انتشار الحركات الإسلاموية، فإننا نعتقد في قراءتنا للمشهد العربي المنحط الراهن، انه من المفيد التوقف عند بعض محطات التاريخ العربي الحديث، اواخر القرن 19، وبداية القرن العشرين حتى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، كخلفية تاريخية وراهنة، نستند إليها في تفسير الصراع المحتدم اليوم بين قوى التخلف الرجعي وبين القوى النهضوية الوطنية الديمقراطية العربية، وذلك انطلاقاً من وعينا أن كافة الحركات والجماعات الإسلامية المنتشرة في بلدان الوطن العربي بمختلف المسميات هي فروع –بصورة مباشرة أو غير مباشرة- لجماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من التعارضات الظاهرية أو الشكلية بين هذه الحركات، إذ انها لا تختلف في جوهر منطلقاتها الفكرية.

تأسيس جماعة الإخوان المسلمين :

أوائل القرن العشرين، ادرك بعض المثقفين العقلانيين العرب، أهمية استيعاب مفاهيم الحداثة والنهضة على طريق التحرر والديمقراطية، ولذلك قاموا بمراجعة الأفكار الرجعية السائدة آنذاك، ومن ثم صياغة الأفكار والرؤى التنويرية الديمقراطية والعلمانية، الليبرالية والمادية، إلى جانب قيامهم بترجمة وتأليف العديد من الكتب التي قدمت أفكاراً فلسفية وتنويرية متميزة في تلك المرحلة من النهوض العربي التي امتدت منذ اواخر القرن التاسع عشر، حتى ثلاثينات القرن العشرين وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1928 وانتشارها بدعم صريح من الانتداب البريطاني، والملك، والقوى الاقطاعية الرجعية، إلى جانب دور عدد من شيوخ الأزهر الموالين للملك والطبقة الحاكمة والانجليز، وفي مقدمتهم الشيخ محمد رشيد رضا الذي يعتبر الأب الروحي المؤسس للجماعة حسن البنا، وهو الذي قام بصياغة أهداف الجماعة التي تبناها حسن البنا آنذاك، وتتلخص في: العودة إلى أصول الإسلام الأولى (المدرسة الوهابية) ومجابهة المد الوطني لحزب الوفد ومناهضة أفكاره الليبرالية، ومقاومة الفكر الشيوعي، ودعم شرعية الملك ومقاومة الفكر التنويري والديمقراطية وقطع كل محاولة للوصول إلى منابع الحضارة الحديثة .

وفي هذا الجانب، نشير إلى المنابع الفكرية والوهابية للشيخ، محمد رشيد رضا في ضوء ارتباطه المصلحي مع الملك عبد العزيز بن سعود (بعد أن تخلى عن أفكار أستاذه الشيخ محمد عبده)، وأصبح من اهم رموز الرجعية في مصر لمواجهة المتغيرات والتحولات السياسية، والاجتماعية، في تلك المرحلة، ومجابهة ورفض رموز التنوير والعقلانية من المثقفين والمفكرين الديمقراطيين اليساريين المصريين والعرب آنذاك، الذين أدركوا أن المجتمعات العربية صارت أكثر تخلفاً وهامشية، وحاولوا اكتشاف أسباب نهوض وتقدم الأوروبيين المحدثين، الذين حققوا خطوات رائعة وريادية في ميادين العلم والثقافة والحضارة، الأمر الذي كان من بين أهم العوامل التي دفعت بالمثقفين العرب والمصريين آنذاك، مراجعة حساباتهم وتاريخهم وأوضاعهم للوصول إلى أسباب تخلف مجتمعاتهم وتهميشها، وبناءً على ذلك، تشكل تيار ليبرالي أكثر راديكالية في تأويل القيم الإسلامية، وتزعم هذا التيار أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وشبلي شميل، وانطون مارون، وأحمد آمين، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق، وطه حسين، وغيرهم الذين اسهموا في نشر الفكر النهضوي التنويري الوطني الديمقراطي.

وفي مجابهة هذه الحالة النهضوية، قام المندوب السامي البريطاني آنذاك (عام 1928) بدعم بعض رموز الاقطاع والمشايخ الرجعيين في مصر خاصة الشيخ محمد رشيد رضا، لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين لكي تمارس دورها الرجعي في مهاجمة قوى التنوير والتحرر والديمقراطية واغلاق الباب في وجه الحضارة الحديثة .

هذه المهمة أصبحت مع حسن البنا (1906-1949) (مؤسس الجماعة) محددة في: بعث الإسلام الأصولي لا الاجتهاد فيه. وقطع كل محاولة للتصالح أو التوفيق مع الحضارة الغربية، على أساس أنها “حضارة مادية مريضة، ملوثة بالإلحاد”، وأن إسلامنا وحده بشموليته وتفرده _كما يقول حسن البنا_ قادر على التصدي لكل تفاصيل حياة الفرد والمجتمع دون حاجة إلى أي اقتباس أو استعارة من حضارات أجنبية”، وهنا نلاحظ التطابق الفكري بين منطلقات جماعة الإخوان المسلمين (الأم) وبين “داعش” وغيرها من حركات التطرف الإسلاموي.

وعلى أساس هذه المنطلقات الفكرية الرجعية، إمتد الصراع بين الإخوان المسلمين وكل قوى التقدم والتحرر والديمقراطية في مصر، منذ 1928 حتى عام 1954 حين قرر الإخوان اغتيال جمال عبد الناصر، وصدور قرار حل الجماعة بعد ذلك، إلا أنها كمنت، وقامت بإعداد أكبر مخطط اجرامي لتفجير مؤسسات الدولة والمجتمع في مصر عام 1965، وكان ذلك المخطط بمثابة ذروة الصدام[21]، حيث جرى اعتقال العديد من قيادات وكوادر واعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومحاكمتهم، واعدام بعض أهم قادتهم، بما في ذلك سيد قطب (1906-1966) الذي كان المُنَظِّر الرئيسي المعتمد للأصولية السلفية الإسلامية الرجعية، والذي تأثر بفكر ابن تيمية، وابن القيم الجوزيه، وأبو الأعلى المودودي (1903-1979)، مؤسس الجماعة في باكستان، ونتيجة لذلك التأثير أنكر سيد قطب أن هناك ضرورة للاجتهاد، فنحن جميعاً –كما قال- جاهليون، “ولم نصبح مسلمين بعد، وعلينا أولاً الإقرار بأن الحاكمية لله وحده، وهي تتمثل في شريعة الله في كل ما يتعلق بالاعتقاد، والحكم، والأخلاق، والسلوك والمعرفة، وعلى ذلك ليس من حق بشر أن يشرع لبشر”[22].

ووفق هذه الرؤية، التي تطرحها “داعش” في المرحلة الراهنة، فإن المهمة الأساسية في رأي سيد قطب، هي إعادة النظر في تعبيد الناس لربهم، عبر تلقيهم من الله وحده كل تصوراتهم وشرائعهم، وقوانينهم، ونظم حياتهم، برمتها، فيتم بذلك التحرر من عبودية العبيد، والإسلام وحده كفيل بذلك، فالإسلام _كما يقول قطب_ لا يقبل أنصاف الحلول: “إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، ولذلك لابد من الحركة والجهاد للانقلاب على المجتمعات الجاهلية وتحطيمها، ومن ثم، فالحرب ضرورية للقضاء على المجتمعات الجاهلية المعاصرة أو للقضاء على حضارة العصر”[23].

وعلى أثر قرار السادات بالإفراج عن الإخوان المسلمين والتصالح معهم عام 1972، قامت الجماعة باستعادة نشاطها السياسي والمجتمعي في أوساط الشعب المصري عموماً، والشرائح الفقيرة خصوصاً واستمر نشاطها حتى عام 1981، حيث تجدد صراعها مع السلطة في عهد حسني مبارك .

ومع تفاقم الصراعات والمعارك العسكرية بين الاتحاد السوفياتي، والنظام الموالي له في افغانستان وبين التيارات الدينية، والأصولية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وتوابعها في النظام العربي خاصة السعودية، ودويلات الخليج، والأردن، وغيرها، استمرت تلك الصراعات والمعارك منذ نهاية عام 1979 حتى عام 1989 ونشوء تنظيم “القاعدة” نهاية عام 1989 وأوائل عام 1990 الذي يعتبر تنظيماً متعدد الجنسيات، ولكن معظم أعضائه كانوا من الأفغان ثم العرب من أعضاء الإخوان المسلمين في مصروالسعودية والأردن وفلسطين واليمن والعراق.. إلخ.

وعلى أثر دعوة أسامة بن لادن لما يسمى بـ”الجهاد العالمي” قام تنظيم القاعدة بانشاء فروع متعددة في البلدان العربية.

ومع تفجر ما يسمى بـ”الربيع العربي” في تونس ومصر ثم في العراق وسوريا واليمن وليبيا، تأسست حركة النصره، كفرع من فروع “القاعدة”، إلى جانب عدد من الحركات الإسلاموية المتطرفة الأخرى، بدعم من السعودية وقطر وتركيا .

وفي عام 2012 قام عدد من قيادات “حركة النصره” بالمطالبة بتطبيق شعار الخلافة الإسلامية، واعلان الدولة الإسلامية، إلا ان الظواهري، وأغلبية قيادة “النصرة” ارتأوا تأجيل هذه الخطوة، ورفضوا الاقتراح المقدم من أبو عمر البغدادي، الذي قرر بدوره الانشقاق عن “النصرة”، وتأسيس ما عرف بالدولة الإسلامية في الشام والعراق عام 2013، بدعم صريح من بعض قيادات وكوادر الجيش العراقي المنحل، وبعض كوادر البعثيين العراقيين، من جماعة عزت ابراهيم، المعروف بميوله الدينية التصوفية، حيث تولى الخبراء العسكريون في أجهزة المخابرات العسكرية والجيش، الاشراف التنظيمي والامني والتدريب العسكري لقواعد وكوادر “داعش”، وكان لذلك الدعم دور هام في انتشارها وقوة تنظيمها، ليس في العراق وسوريا فحسب، بل أيضاً في معظم الدول العربية والأراضي المحتلة عموماً، وفي مصر سيناء خصوصاً، حيث تمارس اليوم (عبر أطر وهياكل سياسية، وتنظيمية، وإعلامية، ومالية، عالية التنظيم) أبشع وسائل القتل والتعذيب ومن منطلقات دينية سلفية شديدة التخلف بهدف تفكيك الدولة القطرية والنظام العربي، وتكريس تبعيته وفق مخطط مرسوم ومدعوم بالمال والسلاح من السعودية وقطر وتركيا بموافقة أمريكية وفق الأهداف والمخططات الأمريكية.

في الربع الأخير من القرن العشرين، ظهرت جماعة “التكفير والهجرة”، التي أخذت على عاتقها مهمة تجسيد أفكار سيد قطب، وجعلها حقيقة واقعة، فدعت إلى الحاكمية وأقرت بجاهلية المجتمعات والبشر ووسمتهم بالكفر.

وفي حين اتجهت جماعات أصولية إلى انتقاء قضايا محددة للغاية لإثبات تميز الإسلام وتفرده واختلافه عن الحضارة الغربية وقيمها ومفاهيمها، مثل ضرورة عودة النساء إلى الحجاب (وإطلاق اللحي والجلباب القصير والمسواك لدى الرجال ..الخ)، وتأسيس بنوك إسلامية، وضرورة إقامة حدود الشريعة، والتفرقة بين المسلمين وغيرهم، من أتباع الديانات الأخرى، فإننا نجد جماعات سنية أخرى ارتأت أن الإسلام انتصر بالمجاهدين لا بالفقهاء والدعاة، وبالسيوف لا بعلوم الكلام، ومن ثم تحول الدعاة والمصلحون إلى مجاهدين حملة أسلحة بيضاء وسوداء، وألوان أخرى عديدة، يهاجمون ويكفرون ليس أهل الرأي والتنوير فحسب، بل يكفرون ويبطشون بكل طوائف المسلمين من الشيعة والعلويين[24] والزيديين وغيرهم.

“إن جوهر هذه الدعوات أو الحركات والجماعات، ينطوي على “إعلان إقالة العقل، واستقالة الإنسان العربي، وعجزه عن القيام بدور بناء في بناء مجتمع تسوده العقلانية والحداثة والحرية والعدل، ومن ثم دفع الإنسان إلى تبني الخرافة والجهل، وإغراقه في معارك وهمية خارج الزمان والمكان مع ترسيخ الخيارات الغيبية لمشكلات فيما وراء الحياة والتاريخ”[25]، كما هو حال مجتعاتنا العربية اليوم مع حركة داعش وامثالها من حركات التطرف الرجعية.

وفي مجابهة هذه الأفكار، قام المفكر الراحل نصر أبو زيد بالبحث عن مفهوم علمي للنص القرآني، فأكد كون ألوهية مصدر النص “القرآن” لا تنفي عنه البشرية، وبالنظر للدلالة في النص القرآني ومدى قبولها للتأويل وجد أن هناك نصوص قرآنية ذات دلالات تاريخية كملك اليمين وعتق الرقبة وتعدد الزوجات، والآيات التي تنظم أحكام الرق فهذه النصوص لا تقبل التأويل المجازي فهي تاريخية محكومة بوقتها، في حين أن هناك العديد من النصوص القرآنية الممتدة زمنيًّا، وقد وضع نصر أبو زيد مجموعة من القواعد الأساسية لفهم ما إذا كان النص ممتدًا في الزمان أو محكومًا بسياقه التاريخي، وقد استمد نصر هذه القواعد من المبادئ الأساسية للإسلام، التي وضعها القدماء وهي حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال، وصاغها في ثلاثة مبادئ توجز القراءة الكلية للنص الإسلامي في تعامله مع الواقع وهي: العقل والحرية والعدل، فالعقل في مواجهة الجاهلية، والحرية نقيض للعبودية، والعدل الإلهي، ومن خلال هذه المبادئ الكلية يمكن لنا فهم الآيات القرآنية ودلالاتها والقدرة على تكوين خطاب ديني قائم على أسس معرفية[26].

وفي هذا السياق انتقد -أبو زيد- طريقة التأويلات النفعية للنصوص القرآنية المحكومة برؤى أيديولوجية، سواء بالنسبة للخطاب الأصولي أو الخطاب النهضوي “الاستشراقي”، فكل منهما قصر جهده على المعارك السجالية، كما انتقد النظرة الاختزالية للخطاب الديني السلفي، حيث اختزل أصحاب هذا الخطاب الإسلام في التراث، وتفسيرات الدين في الفهم الأشعري للنصوص القائم على النقل وإلغاء العقل، واختزل الآخر في الغرب المعتدي الكافر المحتل مع تهميش ومهاجمة كل ما يختلف مع تلك النظرة، مع تصدير شعار “الإسلام هو الحل” باعتباره القادر على حل كل أزماتنا الاجتماعية والاقتصادية، دون طرح آليات علمية وعملية للخروج من النفق المظلم.

بهذه الرؤية، يؤكد المفكر الراحل أبو زيد، على أن الخروج من أزماتنا على المستوى السياسي والاجتماعي، يتطلب معارك فكرية تتعلق بالفكر الديني تبدأ بالنقد الذاتي، والعمل على خلق منظومة معرفية قادرة على نقد التراث، ووضعه في سياقه التاريخي، مع تبني مناهج علمية حديثة في فهم النصوص الدينية وتأوليها، ولكي يحدث ذلك فلابد أولًا من خلق نظام تعليمي قادر على تنمية القدرات الفردية، وتنمية القدرة على التساؤل مع إتاحة مناخ من الحرية على جميع المستويات[27].


[1] السلفية: نبذة تعريفية: يعود مفهوم السلفية إلى السلف الاسلامي في عهد الرسول (محمد) وخلافة كل من أبو بكر وعمر، لكنها تكرست في خدمة المصالح الطبقية التي كرسها معاوية عندما فرض قاعدة التوريث في الحكم في الدولة الأموية ثم في الدولة العباسية وامتدت هذه القواعد السلفية في الفقه وفي أنظمة الحكم في جميع الدول الإسلامية، ثم تطور المفهوم على يد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية وصولاً إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان مؤسساً لسلفية رجعية، شديدة التخلف، دفاعا عن المصالح الطبقية لآل سعود والقبائل المسيطرة في الجزيرة العربية، كما تمسكت الوهابية بالمظاهر الدينية الشكلية بعيداً عن الجوهر الديني الذي يؤكد على التسامح والعدالة ورفض الإكراه في الدين، ثم تأسست جماعة الاخوان المسلمين 1928 وما تلاها من جماعات وحركات اسلامية متطرفة استخدمت ما يعرف بالسلفية القتالية التي انتشرت على يد الاخوان ثم الجماعة الاسلامية في مصر وصولاً إلى القاعدة والنصرة وداعش على أساس المذهب الوهابي. ولا يوجد – حسب علمنا- بنية تنظيمية بالمعنى المعروف للتيار السلفي، نظراً لكثرة التيارات التي يضمها هذا التوجه، حيث إن منهم: (أ) التيار العلمي، الذي يقتصر دوره على إعطاء الندوات والمحاضرات والتأليف والفتوى؛ وهم الاكثر قرباً للإخوان. (ب) ما يسمى بالتيار الجهادي، الذي قاتل مع الامريكان في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي. (ج) التيار الدعوي التقليدي، وهو الذي يقتصر على الوعظ. (د) التيار التابع لولي الأمر، حيث يقدم طاعة ولي الأمر على كل شيء، وهو التيار الوحيد الذي له مشكلة مع بقية التيارات السلفية. (د.ث)
[2] سمير أمين – خطاب الدين السياسي – الحوار المتمدن – العدد4919- 8/9/2015.
[3] جريدة الأيام– العدد 7022 – الأربعاء 29/7/2015 – ص1.
[4] سمير أمين – الإسلام السياسي، الوجه الآخر للرأسمالية المتوحشة – الحوار المتمدن-العدد: 4755 – 2015 / 3 / 21
[5] سمير أمين – التجدد في حركة دول عد الانحياز – آب / مايو 2015 – الانترنت.
[6] محمد أبو رمان – مستقبل الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية”- 23 نوفمبر 2014 – الانترنت
[7] محمد أبو رمان – “نحن” بوصفنا “داعش”! – 21/8/2014 – الانترنت .
[8] دلال سلامه- “الداعشية” المناهج والكتب المدرسية الاردنية والعربية – مركز نيسان للتنمية – عمان – الأردن – حزيران 2015.
[9] دلال سلامه- المصدر السابق.
[10] سيد ياسين – تأسيس العقل النقدى بداية تجديد الفكر الدينى -23 آب / يوليو 2015 – الانترنت
[11] سيد ياسين – المصدر السابق.
[12] تأليف د. عبدالله شلبي – الدين والصراع الاجتماعي في مصر (1970 – 1985) – دار النشر: كتاب الأهالي – القاهرة – 2000
[13] د.رفعت سيد أحمد – داعش.. خلافة الدم والنار (3) – 26/9/2014 – الانترنت .
[14] على الرغم من مثول معنى الافتراق في الطائفة، فإن هذا الاسم لم يفرض نفسه، في التراث الإسلامي، اسماً اصطلاحياً للـ”فِرَق” التي يتفرّق بينها أهل الملل بما فيها الإسلام نفسه. وأما المصطلحات التي غلبت في حديث “الفِرق” فهي تلك المذكورة في عناوين كتب ذائعة الشهرة لأمثال ابن حزم والشهرستاني والبغدادي أي “الملل” و”النَحل” و”الأهواء” فضلاً عن “الفِرَق”.
اعتَمَدت السلطة العثمانية، اسم “المِلل”، لا الطوائف، اسماً لغير المسلمين ممّن وضعت لهم نظاماً خاصاً يرعى شؤونهم وعلاقتهم بها.
“الطائفة” بين المصطلح الديني وغير الديني: كان للـ”طائفة” وللـ”طوائف”، عبر تاريخ الاجتماع الإسلامي، معان أخرى اصطلاحية مختلفة بعضها متّصل بالدين وبعضها متّصل بتقسيم العمل الاجتماعي.
ففي مضمار الدين، كانت تطلق على شيوخ التصوّف عبارة “طائفة القوم”. و”القوم” هنا قوم الله والمتصوفّة طائفتهم أي جماعتهم. وهذه صفة ظلّوا يتداولونها قروناً كثيرة ابتداءً من الثالث الهجري مؤكّدين بها تميّزهم عن العامّة .
وفي مجال الصناعات والمهن، عُرف المنتظمون في كلّ حرفة باسم “الطائفة” أيضاً أي طائفة الحرفة أو جماعتها وهو ما تجاوز مضمار الحرف إلى مضمار “الفتوّة” المحايث له.
بقيت عبارة “ملوك الطوائف”، وهي توحي حين تستعمل في سياق الراهن من أحوالنا بأن ملوك العهد الأندلسي الممتدّ على طول القرن الحادي عشر الميلادي كان كلّ منهم يولّى حُكْمَ جماعة مميّزة بمذهب خاصّ بها في الدين أو بسمة أخرى، في الأقل، لها قوّة إفراد وتمييز تشابه ما للمذهب الديني وتقرّب الطائفة المعنية من المفهوم الذي نعرفه للطوائف اليوم.
هيمنة الصفة الدينية: عليه يتبيّن أن المفاهيم المتعاقبة أو المتزامنة لكلمة “طائفة” العربية ولجمعها “طوائف” قد اتّسمت بأكثر ما يمكن تخيّله من اختلاط وتشعّب في مدى عمرها الطويل. ولكن باتت تقدّر لها في عصرنا صفة الدينية في الكثرة الكاثرة من حالات استعمالها وأصبح هذا المعنى غالباً جدّاً عليها. (المصدر: الكاتب أحمد بيضون – مُصْطلَحا “طائفة” و”طائفيّة” – بدايات – العدد 3-4 خريف 2012.)
[15] عزمي بشارة – مدخل لفهم المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي الكبير – 30 أبريل 2015 – الانترنت.
[16] خالد الحروب – الداعشية نتاج خلط الدين بالسياسة آب / يونيو 2015 – الانترنت.
[17] خالد الحروب – المصدر السابق.
[18] غريب دروحي – التطرف الديني … لماذا؟ – 28 يوليو 2015 – الانترنت.
[19] هاشم صالح – مدخل الى فكر محمد أركون نحو اركيولوجيا للفكر الإسلامي الإسلامي منهجيات علوم الإنسان والمجتمع ومصطلحات مطبقة على دراسة الاسلام – الانترنت .
[20] هاشم صالح – المصدر السابق.
[21] نشرت صحيفة الأهرام يوم 10/12/1965 مجموعة من الوثائق تثبت صلة الولايات المتحدة الامريكية وحلف بغداد بتوجيه وتمويل النشاط الارهابي لجماعة الاخوان المسلمين، وكان سعيد رمضان حلقة الوصل بين قيادة التنظيم ومموليه في الخارج. وفي كتابها ” أيام من حياتي” شرحت زينب الغزالي مؤامرة 1965 عبر تفاصيل كثيرة أكدت فيها ان “عبد الناصر ليس له أي ولاء ولا تجب له أية طاعة على المسلمين لانه لا يحكم بكتاب الله” وقد اعترفت زينب الغزالي بدورها في المؤامرة وحكم عليها بالسحن لمدة 25 عاماً، ثم قام السادات بالإفراج عنها بعد مصالحته مع الاخوان (أ.ج)
[22] تأليف د. عبدالله شلبي – الدين والصراع الاجتماعي في مصر (1970 – 1985) – دار النشر: كتاب الأهالي – القاهرة – 2000– ص23-24
[23] د. عبدالله شلبي – المصدر السابق – ص24
[24] الطائفة العلوية النصيريه هي في الأصل فرقه (مذهب) من فرق الشيعة، والشيعة لغة الأنصار، أما اصطلاحا اى باعتبارها فرقة أي (مذهباً) فتقوم على الاعتقاد بأن الخلافة يجب أن تنحصر في علي رضي الله عنه وذريته بالنص. أما سبب تسميه هذه الطائفة بهذا الاسم(العلوية النصيريه) فيرجع إلى نسبه الطائفة أولا إلى على بن أبى طالب وثانيا إلى محمد بن نصير البكري، والذي تعتقد هذه الطائفة بأنه الباب الشرعي للإمام الحسن العسكري، مع ملاحظه ان الشيعة الجعفرية يرفضون ذلك . جاء في بيان “عقيدة المسلمين العلويين” إصدار عدد من رجال الدين من المسلمين العلويين في الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية1392هـ (نعتقد أنها- اى الامامه- منصب إلهي , اقتضته حكمة الله سبحانه لمصلحة الناس , في مؤازرة الأنبياء بنشر الدعوة , والمحافظة بعدهم على تطبيق شرائعهم وصونها من التغيير والتحريف والتفسيرات الخاطئة . (المصدر: د.صبري محمد خليل – الطائفة العلوية : نشأتها وتاريخها وأصولها الفكرية- 3/سبتمبر 2011 – الانترنت)
[25] د. عبدالله شلبي – الدين والصراع الاجتماعي في مصر (1970 – 1985) – دار النشر: كتاب الأهالي – القاهرة – 2000 – ص24
[26] اسلام نور – نصر أبو زيد ونقد الخطاب الديني – 13 آب / يوليو 2015– الانترنت.
[27] اسلام نور – المصدر السابق.

  •  
  •  
  •  
  •