النموذج الفلاحي الأمريكي


مقدمة: ما يلي ترجمة فقرات من كتاب مارطا هارنكر الذي خصصته للتعريف ب “حركة فلاحين بدون أرض” والتي تتطرق فيها ل “النموذج الفلاحي الأمريكي”. وقد ارتكزت مارطا على حوارات أجرتها مع جواو بيدرو منسق “حركة فلاحين بدون أرض”.

قد يساعدنا على فهم أعمق لأهداف مخطط “المغرب الأخضر” الذي بلوره مكتب الدراسات الأمريكي ماك كينسي وما ينتظر الفلاحة والفلاحين المغاربة من مصير قاتم. وربما أكبر خطر يتهدد الفلاحين هو نهم الرأسمالية المأزومة للاستيلاء على الأراضي الفلاحية في العالم الثالث. وأحد أهم أهداف مخطط “المغرب الأخضر” هو السطو على أراضي الجموع الذي تسارع الحكومة الحالية لبلورة إطاره القانوني.

النموذج الفلاحي الأمريكي: هذا النموذج طبق في البرازيل وشجع نمو الضيعات الكبيرة الممكننة- وبالتالي تقليص قوة العمل- المندمجة بالكامل في السوق الدولية.

فمباشرة بعد خوصصة كبريات الشركات العمومية الاستراتيجية- الكهرباء، الهاتف، المعادن…تم التوجه إلى الفلاحة. يرتكز هذا النموذج إلى عولمة واسعة لاقتصاديات الدول العالم الثالث. حيث يتم تزويد السوق الداخلي بالمواد الفلاحية المستوردة. ” من قبل، لم تكن المواد الفلاحية مستوردة، ما عدا 10 في المئة من الحبوب التي كان البرازيل يستوردها من الأرجنتين. واليوم ننفق 5 مليارات دولار سنويا من أجل هذه المواد التي يمكن إنتاجها بالكامل تقريبا في البرازيل”.

أهم سمات هذا النموذج هي:

1- سوق وطنية تتحكم فيها شركات كبيرة وتفرض أسعارا معولمة.

ففي السابق، كانت كل منطقة بالبرازيل تتوفر على أسواقها وأثمانها الخاصة. فثمن الدرة مثلا كان يختلف من ولاية إلى أخرى (للتذكير البرازيل دولة فيدرالية تنقسم إلى عدة ولايات على غرار الولايات المتحدة الأمريكية) بناء على تكاليف الإنتاج التي تختلف من ولاية إلى أخرى. هذا الواقع تغير اليوم حيث أصبحت السوق موحدة. لكن الأشياء لا تقف عند هذا الحد. ذلك أن العديد من الشركات الفلاحية هي شركات متعددة الاستيطان، وبالتالي، فإن الأثمان هي أثمان السوق الدولية. هكذا لم تعد أثمان المواد الفلاحية تتشكل انطلاقا من متطلبات الاقتصاد الوطني. إنه تغير جوهري. ومن نتائج ذلك أنه إذا كانت ولاية تعرف الخصاص في الدرة، فإنها لا تقتنيه من ولاية أخرى، بل من كندا أو الأرجنتين أو غيرهما. الآن لم يعد هناك في البرازيل سوى سوق واحد للدرة تزوده شركات معدودة. لكن الوضعية أكثر سوءا لأن العديد من هذه الشركات هي شركات متعددة الاستيطان، وبذلك تصبح الأسعار هي أسعار السوق الدولية التي تتحكم فيها هذه الشركات. هكذا لم تعد أسعار المواد الفلاحية تخضع لمنطق الاقتصاد الداخلي. اليوم، تتحكم ثلاث شركات متعددة الاستيطان في تجارة الدرة في البرازيل: كارجيل، دوبون وبورغ لبورنز.

2- شبه احتكار الصناعات الفلاحية:

هذا التطور (أي شبه احتكار) مخالف للمنطق الاقتصادي نفسه، لأن من الممكن، في بلاد شاسعة كالبرازيل، إقامة صناعات فلاحية في كل مدينة صغيرة. الشيء الذي سيخلق العديد من مناصب الشغل ويؤدي إلى نمو أكثر تجانسا ويقلص من نفقات النقل والتخزين وغيرها( إضافة من عندي). لكن ما وقع، في السنوات الأخيرة، هو سيرورة عنيفة من الشبه احتكار لهذه الصناعات. على سبيل المثال، عمليا تتحكم ثلاث شركات في سوق الحليب: نيستلي وكلوريا وبارملات. كل المنتجين الصغار والتعاونيات مضطرة لبيع إنتاجها لها. وهذا هو سبب ضعف الثمن بالنسبة للمنتج وارتفاعه بالنسبة للمستهلك لأنه يخضع لسعر السوق العالمي. يؤدي المستهلك البرازيلي نفس الثمن كالمستهلك الايطالي، لكن المنتج البرازيلي يتقاضى أقل بكثير من المنتج الايطالي.

هكذا فإن شركة بارملات تشتري اللتر من الحليب من المنتج البرازيلي ب 20 سنتيم بينما تدفع للمنتج الايطالي 50 سنتيما للتر. فالمنتج البرازيلي محكوم علية بالبقاء في الفقر: فهو يجب أن ينتج 5 لترات من الحليب للحصول على قنينة من كوكا-كولا.

3- تقليص دور القطاع العمومي في الفلاحة:

من المعلوم أن الفلاحة تتطلب الدعم في كل الدول، وخاصة في الدول الرأسمالية، لكي تستطيع الاستمرار. ذلك أن عددا من العوامل في الفلاحة لا تخضع لإرادة البشر، بل للطبيعة والمناخ… ولهذا السبب، لابد أن تحمي الدولة النشاط الفلاحي بوسائل مختلفة: يجب أن تنظم النشاط الفلاحي لأنه مشتت جغرافيا وأغلب الفلاحين يتوفرون على مساحات زراعية صغيرة. إحدى المكونات الكلاسيكية للسياسة الفلاحية الرأسمالية هي قيام الدولة بتنظيم التخزين وضمان القروض والمساعدة التقنية للإنتاج ومراقبة الأثمان وتمويل البحث العلمي والتقني في ميداني الزراعة وتربية الماشية.

لكن اليوم ومع هذا النموذج الجديد، فإن الدولة ماضية في التخلي عن الفلاحة. لا تراقب التخزين ولا الأثمان ولا تضمن القروض. خلال فترة الدكتاتورية، كان بنك البرازيل، وهو بنك عمومي، يقدم 18 مليار دولار للفلاحة، بينما لم يعطي سوى 3 مليارات في سنة 2000.

4- منظومة تكنولوجية فلاحية جديدة:

رابع سمة هذا المنوذج هي أنه يعيش ثورة تكنولوجية هي البيوتكنولوجيا. لكن هذه الثورة تحتكرها الشركات المتعددة الاستيطان. مثلا شركة مونسانطو التي تنتج بذورا محولة جينيا تسعى إلى فرض على الفلاح الذي يريد شراء نوع من البدور أن يشتري، في نفس الأن، المبيد للأعشاب الضارة والمبيد للحشرات الخاص بهذا النوع من البدور. أرباح هذه الشركة تأتي من بيع المبيدات. فالفلاح إذا اشترى البدور، يجب أن يشتري السم التي تنتجه نفس الشركة.

وبسبب احتكار إنتاج البدور، يواجه البرازيل مشكلا خطيرا. خلال فترة الدكتاتورية، كانت شركة عمومية هي التي تنتج البدور التي كانت في متناول الجميع وبأثمان منخفضة. أما بعد أربع سنوات فقط على سقوطها، اصبحت شركتي كارجيل ومونسانطو تتحكم في 65 في المئة من بدور الدرة، بعد أن استولت على سوق بدور الصوجا.

إن هذا النموذج يؤدي إلى مركزة الأرباح والأرض. لقد كان كل إنتاج القطن في وقت غير بعيد بيد صغار الفلاحين في صاو باولو وشمال بارانا وفي الشمال الشرقي. لكن السياسة الجديدة حولت هذا الإنتاج إلى منطقة ماطو غروصو. والآن هناك ضيعات شاسعة ممكنة بالكامل. أكبر هذه الضيعات تصل مساحاتها إلى100000 هكتار مخصصة بالكامل لإنتاج القطن وتستعمل 20 حصادا فقط. كل شيء فيها ممكنن. نفس الشيء يقع بالنسبة للقمح والصوجا والروز.


«حركة البدون أرض» البرازيلية
نموذج عن حركة اجتماعية لعصرنا

جاكلين عطوي

مواليد الهبارية لبنان (١٩٨٢)، تعمل في برامج التنمية في المخيمات الفلسطينية.

«حركة البدون أرض» هي، اليوم، واحدةٌ من أبرز الحركات الإجتماعية في أميركا اللاتينية، وربما في العالم. تأسست رسميا في العام ١٩٨٤، وأضحى لها اليوم فروع في ٢٣ ولاية من أصل ٢٧ ولاية برازيلية، وتزيد عضويتها عن مليون ونصف المليون مواطن. هدفها حل مسألة الارض والاصلاح الزراعي. الا انها تذهب إلى أبعد من ذلك بالتزامها دورا فاعلا في التأسيس لمجتمع أكثر عدالة وتقدّمية، عبر تعهّدها بالحفاظ على البيئة، والتمكين الجندري، وتأمين السكن اللائق ومحو الامية وديمقراطية التعليم وتعميم التأمين الصحي. والأهم دورها في نشر الأمل والتفاؤل بعالم أفضل.

على الرغم من أن التاريخ البرازيلي قد شهد نضالا طويلا من أجل الأرض، وتحديدا الإصلاح الزراعي، فإنه لم يشهد يوما حركة بالقوّة والقدرة التأثيرية على مستوى الإنجازات والعديد، اللتين تميّزت بهما «حركة البدون أرض» حتى يومنا هذا. ويعود ذلك إلى السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه الحركة، كما إلى المؤشرات الاجتماعية والمناطقية التي أدّت دورا بارز الأهمية في صالحها.

بين العامين ١٩٦٤ ١٩٨٤، عرفت البرازيل، كما مختلف أرجاء أميركا اللاتينية، مناخا قمعيا وحشيا في ظل الديكتاتوريات العسكرية. «استأثر العسكر بالسلطة في العام ١٩٦٤، استجابةً لمخاوف النخبة البرازيلية المتأتية من تنظيم فقراء البرازيل ومطالبتهم بالإصلاح الزراعي وبحقوق واسعة لعمّال الريف»1. أدّت سنوات القمع العسكري إلى تفكيك روابط الفلّاحين، وتنظيمات الطلاب والعمّال التي شنّ عليها النظام هجوما وحشيا، وسجن قادتها، وأخضع كوادرها وأعضاءها للتعذيب ونفاهم. ولم تنتج التظاهرات ضد النظام العسكري في العام ١٩٦٨ إلا المزيد من القمع الذي مارسته الحكومة، مصدرةً المرسوم رقم ٥ الذي منع كافة أشكال النقد والمعارضة التي تستهدف الحكومة. وأخضعت الصحافة للرقابة، وكمّمت الأفواه، وسيطرت الشرطة والاستخبارات العسكرية بصرامة على حياة الناس.

حركة متعددة الاستلهامات

خلال ستينيات القرن الماضي، نشأ تيار واسع في اميركا اللاتينية بين رجال الدين والعلمانيين الكاثوليكيين في اميركا اللاتينية سمّي «لاهوت التحرير» شكّل مقاربة ثورية للديانة المسيحية عنوانها الرئيسي تحقيق العدالة الاجتماعية باسم يسوع المسيح وجهت النصل الحاد لنقدها ضد الدور التقليدي للكنيسة الكاثوليكية في دعم ملاك الارض والممسكين بالسلطة والمال الى التواطوء مع الدكتاتوريات العسكرية. وقد ذهب هذا التيار الى تشريع حمل السلاح ضد الاحتلال الاجنبي والحكم الظالم، واستشهد عدد من رجال الدين والسلاح بيدهم في حركات غوارية عدة خلال تلك الفترة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ومن الضروري الإشارة إلى «اللجنة الرعوية للأرض» (تأسست في العام ١٩٧٥) التي، إلى طبيعتها اللاهوتية، أدّت دورا هاما في تنظيم نضال الفلاحين وتأمين وحدته. «بشكلٍ من الأشكال، يمكن فهمها كنقد ذاتي للدعم الذي أمّنته الكنسية الكاثوليكية في السابق للنظام العسكري، خاصةً في ما يتعلق بالفلاحين»2.

 

تستحضر ايضا الدعوات المهدوية لدى الديانات الشعبية المتأصلة تاريخيا في الارياف البرازيلية الفقيرة، بما فيها في الاطراف الشمالية الشرقية، قدر ما تستلهم شخصيات ثورية بارزة مثل تشي غيفارا، وروزا لوكسمبورغ، وساندينو، وإيميليانو زاباتا، ونلسون مانديلاليست «حركة البدون أرض» حركة اجتماعية عادية، بل حركة متكاملة الاهداف تستحضر ايضا الدعوات المهدوية لدى الديانات الشعبية المتأصلة تاريخيا في الارياف البرازيلية الفقيرة، بما فيها في الاطراف الشمالية الشرقية، قدر ما تستلهم شخصيات ثورية بارزة مثل تشي غيفارا، وروزا لوكسمبورغ، وساندينو، وإيميليانو زاباتا، ونلسون مانديلا، وكثيرين غيرهم من المناضلين الذين شكّلوا مثالا يحتذى في الحياة والالتزام. تأثرت كثيرا بتعاليم المربّي باولو فريري (١٩٢١ ــ ١٩٩٧) ومنهجه التربوي الرامي الى تحويل التعليم من اداة امتثال وقهر للمضطهَدين الى اداة تحرّر ذاتي وممارسة للحرية والحوار وتعميم القيم العدالة الاجتماعية والانسانية.

القمع العنيف الذي مارسته الحكومة أنتج موجة مضادة واستعدادا من الشعب للتوحّد وكسر الصمت. المعارضات والانشقاقات الداخلية في النظام، بدأت تثقل الحكومة. وقعت أحداث كثيرة في نهاية السبعينيات ــ إضرابات العمّال، اجتماعات هامة يعقدها رجال الأعمال للمطالبة بالحرية السياسية، وصناعيون بارزون ينادون بالديمقراطية، ويبقى الأبرز بينها، إضراب عمّال النقل الشهير في العام ١٩٧٨. ورغم اعتبار تلك المرحلة العسكرية، حتى من قبل نقّادها، فترة ازدهارٍ اقتصادي، إلا أنها عمّقت الهوّة الاقتصادية والاجتماعة في البلاد خلال عشرين سنة. فقد جنى مستثمرون كبار ثرواتهم بأقصى درجات الاستغلال لليد العاملة ذات المهارة المتدنية وظروف الحياة البائسة، والأجور التافهة. في ظل تلك المؤشرات، لم يعد بوسع الازدهار الاقتصادي أن يبرر القمع الاجتماعي، مثلما فعل خلال سنوات سابقة. ولم يعد بوسع الحكومة أن تتجاهل مطالب الشعب، إذ لم يعد الفقير يخوض حربه وحيدا من أجل العدالة الاجتماعية، بل أن شخصيات وقوى إيديولوجية بارزة نهضت لتطالب بالديمقراطية، وبحياة أفضل للجميع. في أواخر السبعينيات، اعتمدت الحكومة سياسة التخفيف من الضغوط الامنية وتحقيق الانفتاح السياسي، بهدف تأمين الاستقرار للنظام. سمحت مرحلة الانفتاح تلك («آبرتونا» بالبرتغالية) بصعود و/أو عودة عدد من المنظمات والاحتجاجات التي تعرّضت سابقا للقمع.

خيمة واحتلال قطعة ارض

تعود نشأة الحركة إلى حدثٍ تأسيسي وقع في ٧ أيلول / سبتمبر العام ١٩٧٩، عندما احتل فلاحون مزرعتي مكالي وبريلانتى في ولاية ريو غراندى دو سول في جنوب البرازيل. كان ذلك إبان حقبة الحكم العسكري. مع ذلك، عجزت الحكومة عن مواجهة ثورة عدد من العائلات التي أجليت من اراضيها الى أراضٍ غير منتجة، وقد أثمر ثباتها وإصرارها على الاحتلال في بلوغ الهدف المنشود. فبعد فترة طويلة من المماطلة، أعيدت العائلات الى اراضيها أخيرا. شكلت تجربة مكالي نصرا نفسيا هاما بالنسبة إلى الفلاحين المحرومين من الأرض، «عززت ثقتهم بأنفسهم، وأثبتت لهم أنهم، بالتنظيم والنضال، قادرون على الفوز بالأراضي ضمن ولاياتهم»3.

وتمثلت واقعةٌ أخرى سبقت البزوغ الرسمي لـ«حركة البدون أرض» في تداعيات إنشاء المخيم الذي اشتهر باسم «مفترق ناتالينو»، نسبةً إلى اسم المناضل من حركة «البدون أرض» الذي بادر إلى إنشاء مخيم بدائي على الطريق بمحاذاة أرض شهدت تاريخا طويلا من النزاع على ملكيتها واستخداماتها. خلال فترة زمنية بدت قصيرة مقارنة بالتوقعات، جمع هذا المخيم حوالي ٤٦٩ عائلة التحق افرادها به ليحققوا حلما بامتلاك قطعة أرض صغيرة. أتى رد فعل الحكومة على إنشاء المخيم عنيفا وقمعيا، فشنّت وحدات الشرطة عددا من الهجمات عليه، وأعتقل الكثيرون، وهدّد كثيرون، بهدف استيعاب الحركة. إلا أن الناس الذين حافظوا على روح معنوية عالية نظّموا أنفسهم وشكّلوا شبكة من لجان تدير شؤون المخيم وتفاوض الحكومة. وفاز المخيم بدعم ما يزيد على مئة جمعية غير حكومية. وقد حافظ هؤلاء المستوطنون على ثقتهم بأنفسهم، وعلى تفاؤلهم بقدرتهم على تحقيق أهدافهم، رغم كل ما واجهوه من صعوبات على مستوى الطقس، والتحديات الصحية، ونقص المياه الصالحة للشرب وما يستتبع ذلك من أوبئة.

لم تهدف تلك التظاهرة إلى فرض الإصلاح الزراعي فحسب، وإنما أيضا إلى التمرّد على القمع السياسي الذي عاشته البلاد على مدى ١٧ عاما. كما أن الناس المطرودين من خيمهم، واجهوا صعوبات عند محاولة العيش في المدن، وبهذا المعنى، فإن الحداثة قد شكّلت تحدّيا أمامهم، ما دفع بهم إلى المقاومة من داخل المخيّم، والانخراط في أشكال مختلفة من النضال من أجل الأرض، ضمن مناطقهم. ما شكّل السياق الاجتماعي لنشوء «حركة البدون أرض»، بحسب ستيديل.

إلى العامل الاجتماعي، ألقى ستيديل الضوء على العامل الإيديولوجي الذي ارتبط بالعمل الرعوي، خاصة على مستوى الكنيستين الكاثوليكية واللوثرية. فبدلا من القول: «انتظروا، وسوف تفوزون بالأرض في الجنة»، كان الخطاب قد تحوّل إلى: «عليكم أن تنظموا أنفسكم لتحاربوا وتحلّوا مشاكلكم هنا على الأرض»4.

أما العامل الأخير فمرتبط بالوضع السياسي، وما شهدته البلاد آنذاك من نضال هدفه التحوّل إلى الديمقراطية. مع حلول ربيع العام ١٩٨٣، كانت النتائج الإيجابية للتحرّكات الشعبية الشبيهة قد انتشرت في البلاد، ناشرة معها التفاؤل والأمل بامتلاك الأراضي. لم تعد الحركة محدودةً بجنوب البلاد، وإنما شهدت انتشارا واسعا، وسجّلت براغماتية في العمل تشكّلت حول إيديولوجية واحدة عنوانها «حركة العمّال البدون أرض». وبعد عام، عقد المؤتمر الوطني الأول للحركة في كوريتيبا، في ولاية بارانا الجنوبية، حضره ألفان ومئتا رجل وثلاثمئة امرأة، انتدبهم الاعضاء في ثلاث وعشرين ولاية.

عدالة اجتماعية شاملة

مع انها انطلقت من مفهوم النضال من أجل الأرض، إلا أن أعضاء الحركة توافقوا على وجود قضايا أخرى هامة لا يجب تمييزها عن النضال من أجل الأرض والعدالة. فتمحورت الفكرة الرئيسية حول ضرورة إجراء إصلاح زراعي وتغييرات اجتماعية، إلا أنها شملت ايضا حماية أراضي السكان الأصليين، والخروج بضمانات لتلك الحماية، وترسيم حدودها. أضف إلى ذلك مسائل تتعلق بحماية الطبيعة ومواردها الطبيعية، ما دفع بالكاتبَين فلتميير وبتراس إلى اعتبار فلاحي أميركا اللاتينية «متأثرين بخليط من الماركسية الكلاسيكية، وبأفكار مرتبطة بالبيئة وقضايا الانتماء الإثني والجندرية في آن معا»5. ذلك ان الحركة تشجع على تنمية دور النساء في العمل والمجتمع وعلى التمكين الجندري وتدافع عن حقوق السكان الأصليين.

وقد صاغت الحركة أهدافها كالتالي:

ــ ضمان العمل لجميع العمّال الريفيين «البدون أرض»، على قاعدة التوزيع العادل للأراضي ولرأس المال الاجتماعي. وإنتاج محاصيل جيدة النوعية، ومنخفضة الكلفة، تؤمن الغذاء السليم لجميع أفراد الشعب.

ــ ضمان الرعاية الاجتماعية، وتأمين ظروف حياة أفضل، في اطار من العدالة، لجميع أفراد المجتمع البرازيلي، تكون الأولوية فيه للعمال، والأشدّ فقرا.

ــ تأمين ديمومة العدالة الاجتماعية، والحقوق المتساوية، اقتصاديا وسياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، وروحيا بين المواطنين.

ــ نشر الممارسات الإنسانية والقيم الاشتراكية في العلاقات بين المواطنين، من خلال رفع الظلم الاجتماعي والديني والجندري.

ــ خلق ظروف موضوعية لمشاركة المرأة في المجتمع، بضمان الحقوق المتساوية للجميع.

ــ الحفاظ على الموارد الطبيعية والسعي لتأمين ظروف تعافيها.

ــ تأسيس الصناعات الزراعية، والصناعات بشكل عام، كمحاور أساسية في تنمية الأجزاء الأكثر تهميشا في البلاد.

ــ ضمان الوظائف لكل الراغبين بالعمل في الأرض.

التنظيم والتمويل

تترابط الحركات في أميركا اللاتينية في ما بينها، وتعتمد في نشاطها على حركات أخرى مجاورة. أما التنظيم البنيوي في «حركة البدون أرض» فيقوم على خطوط واضحة تحدّد القيادة ومسؤوليات القطاعات، في كافة الأقسام والوحدات. فيتم انتخاب القائد ديمقراطيا، وتوكل إليه مهمة تمثيل جميع الأعضاء، والحفاظ على الانضباط والقانون بينهم. وتنتظم الحركة ضمن منتدى خاص بالولاية أو المنطقة، ينتدب ممثلين عن كل منها إلى المؤتمر الوطني. أهم جسم تمثيلي في الحركة هو «هيئة التوجيه الوطنية». تتشكّل تلك الهيئة من ٢١ عضوا من جميع ولايات البرازيل، تقريبا، يتم تعيينهم واختيارهم ديمقراطيا، بعد فوزهم بنسبة لا تقل عن خمسين في المئة + 1 من الأصوات في مناطقهم. تجتمع تلك المنتديات بوتيرة فصلية أو سنوية، لتناقش مشاكلها، واختلافاتها، وتحديد جدول أعمالها، واتخاذ القرارات.

والحركة، ككيان مستقل وشديد التنظيم، تعتمد بالدرجة الاولى على وسائلها الذاتية للتمويل، تضاف إليها الهبات. وعندما سألتُ مسؤول العلاقات الدولية فيها جيرالدو فونتيس، عن التمويل والمساعدات المالية التي تتلقاها الحركة، شرح أنه لا يوجد مصدر واحد للدخل تعتمد عليه: «أولا، هناك مساهمات الشعب، أو أعضاء الحركة المستقرون في أراضيهم، وهي تساوي نسبة خمسين في المئة من الدخل، يتم جمعها من تسويق المنتجات الزراعية»6. أشكال أخرى من التمويل تتأتى من الهبات الشخصية، من أموال الحكومة، أو الحملات، حسبما يقول. وقد بيعت أوراق اليانصيب لشراء مقرّ للحركة. مصدر آخر للدخل تؤمنه «المنظمات غير الحكومية» التي تغطي نسبة عشرين في المئة من التمويل، لـ«مشاريع محددة، كبناء مدرسة، نعرضها على الحكومة، وإذا لم تبدِ اهتماما بها، نعيد عرضها على المنظمات غير الحكومية الدولية»7. يأتي مصدر آخر للدخل من شراكات مع حكومات المناطق أو المقاطعات أو الحكومة الوطنية، في قضايا محددة، مثل الحملات الخاصة بالأمراض المنقولة جنسيا أو «الأيدز»، ولا يأتي هذا الدعم بشكل مادّي، وإنما كاستثمار في التجهيزات اللازمة، يغطي نسبة تقارب العشرين في المئة أيضا من الميزانية. إلى ذلك، تؤمن شراكات مع المجتمع نسبة تقارب الخمسة في المئة، ويؤمن بيع الأغراض كالقبعات والقمصان والأعلام والأكواب والأقلام والشارات، التي تحمل جميعها شعار الحركة، نسبةً مماثلة.

أشكال النضال والمقاومة

احتلال الأرض هو مصدر قوة الحركة وأداة ضغطها الأساسية. وعلى عكس ما يراه كثيرون، فإن «الاحتلال» بعيد كل البعد عن العنف والفعل التمرّدي، وإنما هو فعل يتم بسلمية، وبناء على استلهام دستور البلاد ووفق درجة عالية من التنظيم، ويأتي كخطوة استراتيجية في خطة طويلة الأمد تقضي باكتساب الأرض بالنضال بناء على حق الجميع في الارض، وليس بالتسوّل.

ويؤكد ستيديل أنه «من دون الاحتلال، لا يمكننا أن نبرهن أن القانون إلى جانبنا»8. فالمصادرة ليست متاحة إلا بواسطة الاحتلال. «لا يطبّق القانون إلا في ظل مبادرة اجتماعية، تلك قاعدة القانون… يأتي القانون بعد العامل الاجتماعي، ولم يسبقه يوما. العامل الاجتماعي في الإصلاح الزراعي هو الاحتلال، مطالبة الشعب بالأرض، بحيث يمكن تطبيق القانون»9.

أكثر من ألف وخمسمئة عملية احتلال أنجزت، ويتوقّع المحللون إنجاز عمليات كثيرة جدا في المستقبل. ومع أنها تكللت بالنجاح، ووجدت أكثر من ثلاثمئة وخمسين ألف عائلة الاستقرار في الارض، يبقى من المجدي التذكّر أن الحكومة والملّاك المتنفذين واجهوا «البدون أرض» بالقسوة والعنف متهمين اياهم بتهمة «الارهاب» الجاهزة. وقد وقعت مجازر عديدة قُتل فيها كثيرون، وسُجن كثيرون واختفى كثيرون.

لا يتم احتلال الأرض عشوائيا. هي عملية معقّدة، تخضع لآلية عمل منظمة، بدءا من خطوة ليست بالسهلة، وهي اختيار الأرض. إذ يجب الاستناد إلى عمل الباحثين أو إلى بيانات حكومية قانونية، لتحديد ما إذا كانت ملكية أرض كبيرة تلبّي وظيفتها الاجتماعية أم لا. وبعد اختيار الأرض، يبرز السؤال حول الأشخاص الذين سينفذون عملية الاحتلال. وعلى الرغم من توفّر الناس بكثرة، إلا أن الإجابة عن هذا السؤال تبقى صعبة، لأن عائلات كثيرة تشعر بالخوف وانعدام الأمان تجاه قرار مصيري كهذا، وتخشى أن ينتهي بها الأمر إلى الانتظار لسنوات بلا قطعة أرض. هنا، يبرز دور جهاز تنسيق الحركة، في إزالة الهواجس، وتقديم المعلومات كاملة. وبعد تحديد هوية الأشخاص الذين سينفذون عملية الاحتلال وموقعها وموعدها الزمني، تعيّن لجنة تكون وظيفتها متابعة المفاوضات مع الحكومة، وفي الآن ذاته، توجيه المستوطنين وتبليغهم على نحو متواصل بالإجراءات التي يتم اتخاذها. وتتولى تلك اللجان أيضا مسؤولية توزيع أفرادها على قطاعات لا تحصى، مثل الصحة، والتعليم.

تعتبر المسيرات والتظاهرات الشهيرة التي تنظمها «حركة البدون أرض» في مختلف أنحاء البرازيل، مناديةً بالثورة ضد النظام السياسي، في الفترة ١٩٩٥ ــ ١٩٩٩من أقوى أشكال التعبئة في المجتمع المدني بشكل عام. ويمكن لتلك التظاهرات أن تتخذ شكل الصيام والإضراب عن الطعام، والاعتصام أمام المؤسسات الحكومية واحتلال المنشآت العامة، بقصد فضح تقصيرها عن القيام بواجباتها على الملأ وإجبارها على الخوض في مفاوضات.

إلى ذلك، يضاف إنشاء المخيمات في العواصم أو المدن الكبيرة، وأمام المصارف، للاحتجاج على الرأسمالية ونقص الدعم الذي تؤمنه تلك المصارف لتحرير القروض وتأمين الموارد لـ«حركة البدون أرض». ومرحلة التخييم هي المرحلة الأخيرة في «الاحتلال»، وهي تقضي باستيطان أعضاء من «حركة البدون أرض» في مساحة محددة من الأرض. يمكن لتلك المساحة أن تكون مزرعة اعتبرت قابلة للحياة تبعا لقواعد دستور الإصلاح الزراعي، أو يمكن أن تكون مستوطنة متمركزة إلى جانب الطريق، كشكل من أشكال الاحتجاج. تسع تلك المخيمات ما بين خمسمئة وثلاثة آلاف فردا. وقد تستمر مدة التظاهرات واعمال التخييم دون انقطاع الى أربعة أعوام قبل تحقيق اهدافها.

خطة جذرية للإصلاح الزراعي

واحد في المئة من المالكين ــ حوالي أربعين ألفا من أهم أصحاب مزارع المواشي ــ تمتلك نسبة ٤٦ في المئة من الأرض، تقدّر بحوالي ٣٦٠ مليون هكتار. ٣٪ من السكان يسيطرون على ٧٥٪ من الاراضي المروية.يعيش أكثر من ثلث البرازيليين ــ البالغ عددهم الاجمالي حوالي ستين مليون نسمة ــ في فقر مدقع، بأقل من دولارين في اليوم الواحد. وتفيد معلومات بأن «البرازيل تعرف أكبر هوة ما بين الأغنياء والفقراء، في أي أمة قابلة للقياس على الأرض»10، وهي هوّة تتعمّق أكثر فأكثر. «بحسب مؤشر جيني، فإن البرازيل تسجّل أعلى نسبة تركّز لملكية الأرض في العالم. حيث نسبة واحد في المئة من المالكين ــ حوالي أربعين ألفا من أهم أصحاب مزارع المواشي ــ تمتلك نسبة ٤٦ في المئة من الأرض، تقدّر بحوالي ٣٦٠ مليون هكتار»11. الى هذا يمكن ان يضاف ان ٣٪ من السكان يسيطرون على ٧٥٪ من الاراضي المروية. في سياق الكبت والنبذ هذا، وجدت «حركة البدون أرض» الدعم والحماسة الشعبيين الواسعين للمثابرة من أجل قضيتها. لا شكّ في أن السبيل إلى تقليص الظلم الذي تشهده البلاد يكون في تلبية حاجات فقراء الريف من خلال إصلاح زراعي، وهي مهمة بدت مستحيلة في مواجهة المعارضة المتأصلة التي أبدتها أقلية صغيرة من ملّاكي الأرض النافذين.

يذهب أعضاء «حركة البدون أرض» إلى أبعد من امتلاك مجرد قطعة أرض، فهدفهم هو النضال من أجل الحقوق، والمشاركة، والمساواة، والحصول على دور لائق للفلاحين في المجتمع. ويبدو ذلك جليا في عدم رضا الحركة عن برامج توزيع الأراضي الذي تنفّذه الحكومات المتعاقبة. فبالنسبة إليها، الإصلاح الزراعي العادل هو إصلاح ينقلب على النظام الأبوي المترسّخ في مقاربة الأرض، ويفرض نظاما جديدا لا يضمن حقوق الفلاحين فحسب، وإنما يضمن لهم أيضا ظروفا متكاملة تتيح تطوير انتاج السلع والخدمات.

يعتبر مفهوم الأرض والملكية جانبا مركزيا وهاما في خطة الإصلاح الزراعي التي تتبناها الحركة. فـ«حركة البدون أرض» واضحة في استخفافها بمفهوم الملكية الخاصة. في مخيمات الحركة، لا يحصل أحد على صك ملكية للأرض، وإنما على الحق بالعمل والاستثمار في الأرض. ولا يمكن لحركة البدون أرض أن تبيع الأرض، لأنها ليست ملكا لها، وإنما هي ملك «المؤسسة الوطنية للاستيطان والإصلاح الزراعي». تتمسك الحركة بهذا المبدأ بشدّة، إذ تميل الحكومات إلى التخلص من الأرض ومن عبء مسؤولياتها. لكن الحركة تشدد على ان المباشرة في استثمار الارض وفلاحتها هو الذي يجب ان يعطي الحق في الحصول على اعتمادات مالية»12.

الخلاف مع لولا وحزب العمال

إثر انتهاء الحكم الديكتاتوري العسكري، وضعت الحكومات المنتخبة ديمقراطيا مسألة الإصلاح الزراعي على أجندتها السياسية. إلا أن ذلك لم ينتج تغييرات أو نتائج بارزة على صعيد مسألة الأرض. تفيد آخر الاحصائيات بأن نسبة التمركز في ملكية الاراضي لم تنخفض عمليا.

ومع الانكماش الديكتاتوري، وغلبة اليمين على الحكومات، وغياب التقدّم باتجاه خطة إصلاح زراعي متماسكة، انتقلت سياسة «حركة البدون أرض» الى العمل على إيصال حكومة يسارية إلى السلطة. نجح «حزب العمال»، أخيرا في الوصول إلى الحكم بقيادة انياسيو لولا دا سيلفا (٢٠٠٣ ــ ٢٠١٠)، بعد عشرين عاما من النضال. وما من شك في الانجازات التي حققتها حكومات حزب العمال بقيادة لولا وفي مقدمتها النجاح تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي ــ جعلت من البرازيل الاقتصاد الثامن عالميا ــ ورفع مستوى الاجور (والحد الادنى للاجور) في آن معا. الى هذا، تمكنت سياسات لولا من إنتشال نحو عشرين مليون برازيلي من حالة الفقر. غير ان حكومة لولا لم تفِ بكامل الوعود التي قطعتها من حيث توزيع الاراضي على اكثر من ٤٣٠ الف اسرة بدون ارض. فبعد مضي سنتين من الحكم، لم تكن الحكومة العمالية قد وزعت اكثر من٦٠ الف قطعة ارض.

الى هذا، اخذت حركة البدون ارض على سياسات حزب العمال اعطاءها الأولوية للاسواق الخارجية ولتقسيم العمل الدولي على حساب السوق المحلي، والتركيز على النخبة المتحكمة بالصادرات الزراعية، وتجريم اعمال احتلال الاراضي من قبل العمال الريفيين البدون ارض، والتقصير في السياسات الاجتماعية التي يفيد منها صغار المنتجين والعمال الريفيون والسكان الاصليون.

عام ٢٠٠٥ نظّم البدون أرض مسيرة فلاحية عارمة من اجل الاصلاح الزراعي الى العاصمة برازيليا. أجبرت المسيرة لولا على لقاء وفد من الحركة بعدما امتنع عن ذلك منذ بداية ولايته. كرر الرئيس البرازيلي وعده بتوزيع الاراضي واستمع الى مطالب الوفد بشأن توسيع الخدمات الاجتماعية وتأمين المزيد من المساكن. حققت حكومة حزب العمال المزيد من توزيع الاراضي على الفلاحين البدون ارض. ومن جهتها، تمسكت «حركة البدون أرض» بدورها في التعبئة والعمل المباشر ــ اي حركات الاحتلال ــ ضد النظام الرأسمالي النيوليبرالي المترسّخ الذي يحاصر البلاد. وذلك رغم اتهامات «الارهاب» تترى عليها من اوساط رجال الاعمال والصحافة المحافظة واليمينية. على المستوى الوطني، انتقلت من تأييدها حزب العمّال إلى التحالف مع «حزب الاشتراكية والحرية»، الصغير والمتواضع الامكانات، المشكّل حديثا من منشقين عن حزب العمّال. وعلى القدر ذاته من الأهمية يأتي التحالف على الصعيد الوطني مع حركات اجتماعية أخرى. وكان للحركة دور كبير الأهمية في توحيد جهود الحركات الاجتماعية الكثيرة والنقابات الاشتراكية في البلاد بقصد تعزيز نمو الحركات الجماهيرية. واللافت ان البدون ارض دعموا ترشيح ديلما روسف التي اختارها لولا خليفة له في رئاسة الجمهورية. وعدتهم هذه بالاصلاح الزراعي وفق صيغة ملتبسة تعتبره حقا من «حقوق الانسان».

يصعب التنبؤ بما يخبئه المستقبل للحركة، نظرا لتسارع وتيرة التحدّيات الوطنية والدولية. ولكن، كيفما أتى الفصل التالي من التاريخ البرازيلي، فلا شكّ في أنه سيكون لأعضاء «حركة البدون أرض» دور هام فيه.

حركة البدون ارض : المبادئ

«حركة البدون ارض» تنظيم فريد من نوعه لكونه حركة اجتماعية شعبية يقول مبدأها الاول بأن ابوابها مفتوحة لجميع المهتمين بنشر أفكار الحركة والمساهمة في تحقيق استراتيجياتها، إلى جانب الأعضاء الأساسيين من الفلّاحين والعمال الزراعيين.

المبدأ الثاني هو توزيع العمل. ويقضي بتخصيص الفرد بالمهمة التي يجيد أداءها، على أن تكون ضمن نطاق اهتماماته وتخصصه في الحركة.

المبدأ الثالث هو الانضباط، بصفته سلوكا قائما على الترابط ما بين مجموعة من القواعد، يجب على أعضاء الحركة احترامها والخضوع لها طوعا لحفظ النظام وتأمين الاحترام للجميع.

المبدآن الرابع والخامس يتعلقان بالتعليم وبناء الشخصيات. تبذل الحركة جهودا كبرى وتفانيا عظيما على هذا المستوى. فقد تولت محو الامية لخمسين الفا من البدون ارض خلال الاعوام ٢٠٠٢-٢٠٠٥. وهي تملك جامعة خاصة بها في ولاية ساو باولو مسماة على اسم المفكر الماركسي فلورستان فرناندس. ويدرس نحو ١٥٠ الفا من التلامذة في مدارسها الابتدائية والثانوية على أيدي ٣٨٠٠ مدرّس.

يركّز المبدأ السادس على وسائل النضال الشعبي، إذ لا شيء يمكن تحقيقه من دون التعبئة الاجتماعية والفعل.

يشدد المبدأ السابع والأخير على أهمية التواصل والتفاعل مع اعضاء قاعدة الحركة وإيلائهم موقعا في صناعة القرارات فلا يمكن لأحد أن يكون مطلّعا على حاجات الناس أكثر من الناس الذين يعيشونها ويختبرونها.

  • 1.أ. رايت، و. ولفورد، 4.
  • 2.جواو ب. ستيديل وبرناردو م. فرنانديز، برافا جنتى: مسار «حركة البدون الأرض» والنضال من أجل الأرض في البرازيل (ساو باولو: مؤسسة بيرسيو أبرامو، 2005) 20.
  • 3.برانفورد وروشا، 13.
  • 4.ج. ب. ستيديل وب. م. فرنانديز، 22.
  • 5.ه. فلتميير وج. بتراس، «دينامية التغيير الإجتماعي في أميركا اللاتينية»، 118.
  • 6.جيرالدو فونتيس، مقابلة خاصة، 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
  • 7.المصدر ذاته.
  • 8.ج. ب. ستيديل وب. م. فرنانديز، 115.
  • 9.المرجع ذاته، 115.
  • 10.ب. فرنانديز، المسألة الزراعية، بحث حول «حركة البدون أرض»، 16.
  • 11.جواو بيدرو ستيديل، حوار، «كتائب البدون أرض: حركة البدون أرض البرازيلية»، «نيو لفت ريفيو» مايو/يونيو 2002.
  • 12.المصدر ذاته
  •  
  •  
  •  
  •