محاكمة الأساتذة هي محاكمة المدرسة العمومية


محاكمة الأساتذة هي محاكمة المدرسة العمومية

●• بقلم الأستاذة ميلودة بنعزوزي

بعد اقتراب موعد محاكمة عدد كبير من الاساتذة الذين فرض عليهم التعاقد لاحظنا العديد من التعاليق على منشورات تخص الاساتذة المتابعين في حالة سراح، من قبيل الاستغراب الشديد من طرف الأساتذة عندما وضحنا طبيعة الاعتقال الذي تعرض له هؤلاء الاساتذة بكونه اعتقال سياسي.
فقوبلنا بالعديد من التعاليق ” كيفاش معتقل سياسي” ” عندنا مطلب فئوي محض بعيد كل البعد عن ماهو سياسي” “نحن أساتذة لا علاقة لنا بالسياسة”. وكذلك الرفض القاطع من طرف الاساتذة ان نعتبر الملف سياسي.
فلكي نستطيع ان نتناول موضوع الاعتقال السياسي من وجهة نظر علمية، يتطلب اول الامر تناوله من الناحية النظرية.
لماذا اعتقال الاستاذ الذي عبر عن رفضه لمخطط التعاقد هو اعتقال سياسي؟ ولماذا يتم إيراد عبارة المعتقل مشفوعة بعبارة 《السياسي》»؟

في محاولة لتقديم علاج شاف لهذا السؤال يمكن للقارئ العزيز ان يسأل نفسه بعض الاسئلة البسيطة من قبيل: هل يستوي اعتقال اساتذتنا، المخلصين لقضية الدفاع عن المدرسة العمومية والوظيفة العمومية ضد مخططات التعاقد والخوصصة، مع اعتقال اي شخص داخل المجتمع ارتكب جريمة دنيئة داخل مجتمعنا الذي بات وكرا لمختلف انواع الجرائم؟ وهل من الممكن، حقيقة، ان يناضل العامل ضد ظروف عمله القاسية دونما ان يكون نضاله هذا سياسيا؟ أليس النضال من اجل مطالب مرتبطة بما هو اقتصادي نضال سياسي في حد ذاته؟
ومتى تلتجئ الدولة لأسلوب الاعتقال مع المحتجين على اختلاف مكانتهم في المجتمع ومطالبهم. سواء اساتذة او طلبة او صحافيين (عمر الراضي، سليمان الريسوني) أو محاميين أو ابناء الشعب الذين يحتجون ضد السياسة الممنهحة في حقهم ( الريف، جرادة، بني تجيت ….).

فهناك من يعتقد أنه أستاذ فقد مورس في حقه الشطط في استعمال السلطة وليس اعتقال سياسي، او يعتقد أنه نظرا لمطلبه حول الإدماج فهذا لا يستدعي الوصول الى هذا النوع من الاعتقال. وهؤلاء هم أصحاب أن الملف لا علاقة له بالسياسة.

*أليس اغتيال الشهيد عبد الله حجيلي اغتيالا سياسيا؟؟*

فالمعتقل السياسي: هو كل فرد ناضل ورفض أي مخطط طبقي من طرف أي وزارة سواء وزارة التعليم او الشغل او التجهيز ليتم اعتقاله في شكل نضالي او مسيرة يرفض من خلالها قرارات الطبقة الحاكمة.

قبل ان نخوص في نقاش سياق اعتقال الأساتذة.

*نوضح هل الملف السياسي أم لا؟؟*

كثيرا ما يسقط ذوي ضيق الافق عمليا، ودون وعي، بين براثين المنهج الأرسطي الطوبوي الذي أكل عليه الدهر وشرب، فتجد البرجوازي الصغير يعمل على تجزيء الكل المتكامل وبناء جدران بين النقيضين بل والانكى من ذلك تسمية الاشياء بغير مسمياتها الفعلية… وهو امر طبيعي في ظل سعيهم الدائم الى تحقيق اوهامهم الذاتية بغض النظر عن ارتباط وضعهم، كفئة لها موقع محدد داخل المجتمعات القائمة على الطبقات، بسيرورة المجتمع ومآلاته، لعل الشعار الذائع الصيت في صفوف الجماهير الاستاذية “انا استاذ لا علاقة لي بالسياسة” هي عبارة تعبر عن سذاجة ليس لها مثيل، و هي تشبه الى حد بعيد عبارة “انا تلميذ لا علاقة لي بحياة الاستاذ الخاصة ووضعه الهش” وعبارة “انا عامل لا علاقة لي بهجرة الشباب وركوبهم قوارب الموت” وعبارة “انا استاذ مرسم لا علاقة لي بمعركة الاساتذة المتعاقدين!!” وغيرها من العبارات التي تعكس في مجموعها انا ما يدور في خلد الاستاذ والتلميذ والعامل والفلاح والممرض والصحفي…. كلها لا تعدو ان تكون سوى محاولة للتملص من مسؤولية ما من جهة، وايضا لجعل مطالبه بسيطة يبدو له انها ستحقق اذا ظلت معزولة عن الكل غير القابل للتجزيئ.

ينطوي مفهوم السياسة على حساسية لدى كل افراد المجتمع، الا من رحم ربك، فالبرجوازي يمقت ويمتعض من كل الذين يعبرون عن سخطهم من سياساته المتعددة والمجحفة في حقهم، وعمادة الكلية تتعامل بالمثل مع كل طالب عبر عن رفضه لبنود التصفية التي تنزلها كل يوم، و وزارة التعليم ايضا في علاقتها بالاساتذة والاستاذات كلما عارضوا مذكرة او قانونا او مخططا من مخططاتها الممنهجة،…. ومنه فان مواقفنا اليومية تعكس شكلا محددا لسياسة ما، فالرضوخ سياسة تخدم البرجوازي و عمادة الكلية والوزارة ووو… والتعبير عن الرفض ما هو الا شكل اخر لسياسة نقيضة، فاذا ما تقصينا مواقف افراد المجتمع تجاه قضية ما فلن تخرج في مجموعها عن مؤيد و معارض اذ ان موقف الحياد في ذاته يصب في كفة المستفيد.

وبالتالي فان حساسية هؤلاء من مفهوم السياسة لا تجد لها تبريرا لدى افراد المجتمع والفئة المتعلمة على وجه التحديد سوى التأثر بالشائعات الي يتم تسييدها من طرف الساعين الى الحفاظ على سيادة مصالحهم السياسية وانتشار افكار سياستهم.

هكذا نصل الى ان النضال هو وجه اخر لممارسة الصراع داخل المجتمع، ان كنت تناضل فأنت تتصارع لرسم حدود معينة هي في نفس الوقت تقليص لحدود الطرف الاخر وممارسة هذا الصراع يعني بلغة الاقراص والخشيبات يعني انك تتبنى سياسة نقيضة لسياسة تهدف الى تمرير كل المخططات دونما مراعات لمصالحك ومصالح الشعب معك.

*سياق الاعتقال

ومنه يكفي القيام ب”فلاش باك” بسيط لسيرورة نضالنا في التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد لتصل الى ان تعامل المدير والمدير الاقليمي والجهوي والوزير والوزارة والدولة بأجهزتها مع مطالبنا المشروعة، في نظرنا، قد يبين بما لا يدع فجّاً للشك الاعتقالات واغتيال الشهيد حجيلي هي محاولة لاخماد رفضنا و تركيعنا اي لاجبارنا على لزوم الصمت تجاه انتهاك حقوقنا الثابتة.

فالكل يعلم بالمعركة التي يخوضها الاساتذة المفروض عليهم التعاقد لمدة سنوات، سنوات من التنديد بهذا المخطط والرفض والنزول للشارع.

فالتعاقد نافدة من النوافد التي يحاول النظام عبرها التوغل عميقا نحو الخوصصة، فمن جهة يبدو وكان المستهدف الوحيد هم فئة الأساتذة، لكنه العكس تماما هو استهداف للشعب المغربي عامة. فمعركتنا لا تنفصل عن هموم الشعب المغربي.

فبعد عجز الوزارة عن احتواء المعركة بعدة طرق الطرد، الترهيب، سياسة الوعود وكذلك استغلاله للإعلام لتضليل الرأي العام عن والوضعية الهشة التي يعيشها الاستاذ المفروض عليه التعاقد. من قبيل المماثلة وتمتيعنا بجميع الحقوق.

لكن الحقيقة ان الدولة كلما أتيحت لها فرصة اقتناص مناضل معين لا تتهاون في ذلك، فبدأت حملة اعتقالات متفرقة للاساتذة في كل الجهات.

هذا الاعتقال والعنف والقمع لم يزد الأساتذة إلا تشبتا بمعركتهم ومطلبهم.

امام هذا الزخم النضالي والنجاح الباهر للانزلات الوطنية لجأ النظام إلى حملات اعتقال جماعية بطريقة مهينة وحاطة من كرامة الأستاذة والاستاذ، فحين تعجز الدولة وتصبح مصالحها مهددة،تلجأ الى استعمال العنف بشتى ألوانه وتعتقل مجموع الأفراد الذين تعتبرهم خارج القانون. لأن هذه هي طبيعة الدولة في هذا الوطن الجريح لا تتقن سوى المقاربة القمعية مع كل من خرج لينتفض.

وبما ان القانون الذي تضعه يمثل مصالحها الطبقية فليس تمة حاجة لمخالفته.

فاعتقال هؤلاء الاساتذة كان بفعل انخراطهم الفعلي والميداني في البرامج المسطرة.فهم لا يحاكمون كأشخاص بل كقضية.

فالهدف من هذا الإعتقال هو محاولة تقديم دروس لباقي الاساتذة للإعتكاف عن القضية وكسر شوكة النضال وإفراغ التنسيقية من محتواها النضالي.

*بعض من الأحكام التي تم تلفيقها للأساتذة:

التجمهر غير المسلح بغير رخصة.
إيذاء رجال القوة العمومية.
خرق حالة الطوارئ الصحية.

فنلاحظ أن الدولة تسعى جاهدة إلى نزع صفة الاعتقال السياسي،بل أكثر من ذلك تسعى إلى تجريم الفعل النضالي الذي قام به الاستاذ من أجل المطالبة بحقه العادل فقط، بشكل سلمي وحضاري.

فكيف لأستاذ يرتدي وزرة بيضاء و يرفع شعار “لا لا ثم لا للتعاقد المهزلة” ان يقوم بإهانة وإيذاء رجال القوة العمومية.

إذن المعركة قدمت معتقلين ولازالت ستقدم مادام الصراع مستمر، ومادام أن الدولة لا تملك سوى سياسة القمع و الإعتقال.

*فما العمل تجاه المعتقلين وكيف يمكن تحصينهم ؟؟؟

إذن نعلم نية الدولة من الاعتقال هو ترهيب الاساتذة والعائلات ومنعنا من الاستمرار، ومنعنا من الإلتفاف حول هذا الإطار المكافح. لكن نحن نؤمن أن اعتقال واستفزاز الاساتذة يزيدنا تشبتا بالمعركة وبمطالبينا. ونعلم كذلك أن صمودنا يوجع مصالح الدولة. وكذلك التعريف بالقضية التي اعتقلوا على خلفيتها هؤلاء الاساتذة، والطريقة المهينة والحاطة من كرامتهم التي تضرب شعارتهم عرض الحائط، من قبيل: حرية التعبير ودولة الحق و القانون، الدستور الجديد،
تحصين الاساتذة هو الصمود على دربهم هو التشبت أكثر بمطلب تحصين المدرسة والوظيفة العموميتن من الخوصصة، والنزول بقوة إلى الشوارع من أجل التنديد بمحاكمتهم الصورية.

وليعلم كل أستاذ أنه مشروع معتقل مادام الصراع القائم، سيكون العديد من الاعتقالات والتضحيات في سبيل أبناء الشعب المغربي.

الحرية لجميع الأساتذة المعتقلين في حالة سراح الذين قدموا ايات من الصمود في وجه الجلاد. كل التحايا كذلك إلى جميع الاساتذة المتشبتين بالمعركة.

  •  
  •  
  •  
  •