الانتفاضات الشعبية بالمغرب وبناء أدوات التغيير الثوري


معاد الجحري

خاض الشعب المغربي وقواه التقدمية منذ الاستقلال الشكلي ولازال ملحمة نضالية حقيقية تشكل الانتفاضات الشعبية والهزات والحراكات الاجتماعية المتنوعة أبرز معالمها. ورغم الطابع العفوي الغالب الذي ميز هذه المحطات وان كان متفاوتا من انتفاضة لأخرى، ورغم الطابع الاجتماعي، على العموم، للدوافع المباشرة التي فجرتها، باستثناء حركة 20 فبراير التي تعد حركة سياسية شعبية منظمة، فان هذه الكفاحات المجيدة إنما تعبر في الجوهر عن التطلعات العميقة لشعبنا المناضل لإنهاء السيطرة الامبريالية على بلادنا والتخلص من نظام الاستعمار الجديد المترتب عن أوفاق لاسيل سان كلو واكس ليبان كما أملتها الامبريالية الفرنسية وإسقاط الاستبداد وإقرار الديمقراطية والعيش الكريم.

إن هذه النضالات التي خاضتها الطبقة العاملة والفلاحون الفقراء في البوادي والمراكز القروية وكادحو الأحياء الشعبية والبرجوازية الصغيرة في المدن رغم توسعها لتشمل مختلف مناطق بلادنا وطول نفسها ورغم التضحيات الجسيمة لم تؤدي ليومنا هذا لقطائع نوعية مع الأوضاع القائمة سوى مكتسبات جزئية في مجال الحريات يعمل النظام على الإجهاز عليها. أما المكتسبات الاجتماعية التي تم انتزاعها أو استرجاعها عقب عدد من المواجهات فقد تم الاجهاز عليها بالفعل بعد أن مرت العاصفة. ولا يرجع السبب في ذلك فقط للقمع الدموي الذي ووجهت به رغم طابعها السلمي الغالب وأوهام القوى الإصلاحية المتمثلة في إصلاح المخزن تدريجيا وبالتوافق معه حتى ولو أدت بها هذه الأوهام في العديد من المحطات إلى الاصطفاف إلى جانبه ضد الكفاحات الشعبية كما سنرى، وإنما وبالأساس، إلى غياب حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين المستقل والجبهة الشعبية الموحدة، الأمر الذي يجعل أن هذه النضالات لا تهدد الموقع الطبقي للكتلة الطبقية السائدة المستندة إلى جهاز الدولة المخزني، لان هذه النضالات غير متمفصلة مع نضال سياسي ثوري تقوده الطبقة العاملة التي تعاني أيضا من التشتت النقابي وتسلط البيروقراطيات النقابية من كل الأصناف.

لقد تم سحق انتفاضة الريف (نونبر 1958 إلى فبراير 1959) بأمر من الملك محمد الخامس وتنفيذ من ولي عهده الأمير الحسن والكولونيل أوفقير مسنودا في ذلك من طرف كل القوى السياسية.

وقد وقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مشلولا عاجزا عن القيام بأي رد يذكر على القمع الدموي لانتفاضة 23 مارس 1965 وإعلان حالة الاستثناء واغتيال المهدي بن بركة الذي سبق له أن صرح تعليقا علي هذه الانتفاضة بأن “الديمقراطية ليست يافطة نعرضها للسياح” بل دخل هذا الحزب إلى جانب حزب الاستقلال في مفاوضات مع القصر لترتيب الأوضاع. أما الحزب الشيوعي المغربي الذي تم حله سنة 1959 في عهد حكومة عبد الله ابراهيم، الأمر الذي دفعه إلى تغيير إسمه لحزب التحرر والاشتراكية سنة 1968، فقد تحول مع الزمن إلى حزب ذيلي للحركة الوطنية في إطار ما سمي بنظرية طريق التطور اللارأسمالي السوفياتية، وتخلى عن الجوهر الثوري للماركسية كما تخلى عن مهمة بناء حزب الطبقة العاملة، فقد كان موقفه مخزيا حيث جاء في بلاغ له بالمناسبة “إن انتفاضة 23 مارس 1965 تجسيد عقيم ومحدود للوعي لدى الجماهير وهو ما أدى إلى فشلها، فالغضب لا يعني الحزم والعنف ليس بوسعه أن يؤدي الا للقمع”.

وعرفت نهاية السبعينات نضالات قوية للبرجوازية الصغيرة بقيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أعتقد أنها تجاوزت موقعها الطبقي ومشروعها المجتمعي لدرجة أنها خلقت أوهاما قاتلة لدى بعض الطاقات والأطر والاتجاهات في الحركة الماركسية-اللينينية المغربية على هذا الحزب. غير أن انتفاضة 20 يونيو بالبيضاء تجاوزت قيادة هذا الحزب ووضعت حدا للعبته الانتهازية بالركوب على النضالات الشعبية للضغط على النظام ومعالجة تناقضاته الداخلية.

وتميزت انتفاضة 1984 بدور أبرز لليسار الثوري وخاصة منظمة “إلى الأمام” في تفجيرها وفي امتدادها لتشمل لأول مرة بعد انتفاضة 58-59 المناطق المهمشة للمغرب العميق ومشاركة الجماهير الفلاحية فيها حول مطالب عامة. أما منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي كانت قد دخلت للتو حقل العمل السياسي القانوني فقد روجت ما استطاعت إلى ذلك سبيلا لأطروحتها المتعالية المعروفة بتدني الوعي لدى الجماهير.

وبعد انتفاضة دجنبر 1990 بفاس، توسعت رقعة النضال بشكل كبير جدا، وتسارعت وتيرة الهزات الاجتماعية خاصة مع بداية الألفية. وكانت علامتها الأبرز في تاريخ بلادنا على الإطلاق منذ الاستقلال الشكلي، هي حركة 20 فبراير المجيدة كحركة سياسية شعبية واسعة أرادت القضاء على الفساد والاستبداد. هنا أيضا حاولت الاتجاهات الإصلاحية فرض سقف سياسي على الحركة هو شعار الملكية البرلمانية الأمر الذي ساهم ضمن عوامل أخرى في تقسيم صفوف الحركة.

وما أن تمكن النظام من إخماد الحركة، بأساليب القمع والمناورة والالتفاف، حتى انطلقت حراكات شعبية في المناطق المهمشة وحركة المقاطعة الاقتصادية تميزت كلها بطابعها السلمي وبحضور أقوى للجوانب المتعلقة بالتنظيم والوعي (دفاتر مطلبية مدققة، شعارات واضحة، أشكال نضالية جد منظمة، قيادات تحسن التفاوض واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي…). مرة أخرى كانت النتيجة ضعيفة مقارنة بحجم التضحيات (شهداء ومئات المعتقلين وشهور طويلة من المظاهرات …)

إن هذا الوضع المحجوز يساهم في زرع الاحباط واليأس وفقدان الثقة في القوى المناضلة ويثبت ضرورة مضاعفة الجهود لتسريع سيرورة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين كمهمة عاجلة. وهي كذلك، لأن الأوضاع في بلادنا مقبلة على انفجارات اجتماعية أخرى قد تكون أقوى وأوسع ولكن قد تذهب سدى بسبب الركوب عليها وقمعها بشكل دموي دون أن تحقق أهدافا تذكر. إن بناء هذا الحزب من الطراز الجديد الذي ننشد ضروري لتوحيد المعارك وبناء الجبهة الشعبية الموحدة والسير بالجماهير المنتفضة نحو إسقاط المخزن والظفر بالسلطة. وهذا أمر ممكن ونعتقد أن السيرورة التاريخة لنضال شعبنا تسمح باستناج واضح وهو أن أسلوب التغيير الثوري في بلادنا هو الانتفاضة الشعبية والإضراب الجماهيري والعصيان المدني. إن تشييد هذا الصرح يتطلب من بين ما يتطلب توجيه عملنا للأحياء الشعبية وإعادة الاعتبار للعمل النقابي العمالي ووسط الفلاحين الكادحين ويتطلب بذل الاجتهاد لانضاج الجانب التكتيكي لدى القوى الثورية لاستثمار جيد للحظات المد الجماهيري إعادة بناء يتوبيا ثورية في خضم وسط آلاف المناضلين الديمقراطيين انطلاقا من الماركسية بزرع الفكر الشيوعي وتجديد روح التضحية والفداء والإيمان العميق بفكرة الثورة وأن الثورات هي محرك التاريخ.

إن بناء الجبهة الشعبية الموحدة يتطلب خوض النضال المشترك مع القوى المعنية والهجوم الوحدوي وكذلك خوض الصراع خاصة مع الاتجاهات الاستسلامية فيها وهذا نفسه يفترض وجود هذا الحزب العمالي كتنظيم قوي ومتماسك لبنائها وقيادتها وفتح المجال لآفاق رحبة أمام انجاز مهام التغيير الثوري الوطني الديمقراطي الشعبي على طريق الاشتراكية.