التصريح الصحفي للجمعية المغربة لحقوق الإنسان بمناسبة الذكرى 74 للإعلان العالمي


تصريح الجمعية المغربة لحقوق الإنسان
بمناسبة الذكرى 74 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10 دجنبر 2022.

تحل اليوم، 10 دجنبر 2022، اليوم العالمي لحقوق الإنسان في الذكرى 74 لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وهي مناسبة ما انفكت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحييها إلى جانب جميع مكونات الحركة الحقوقية والديمقراطية في سائر أرجاء المعمور، في سياق ظرفية دولية بالغة الدقة والحرج، نظرا لما تحبل به من مخاطر وتهديدات تلقي بظلالها القاتمة على مستقبل البشرية وتطلعاتها نحو عالم متضامن ومتوازن وعادل، خال من الأزمات والحروب، ينعم الناس داخله بالسلم وبثمار تنمية حقيقية ومستدامة، وتحترم فيه البيئة.

فعلى المستوى الدولي، لم يكد العالم يشرع في التعافي الجزئي من الانعكاسات السلبية التي خلفتها جائحة “كوفيد-19″، وما نجم عنها من أضرار ومضاعفات مست العديد من الحقوق والحريات بفعل حالة الطوارئ الصحية، حتى اندلعت الحرب المحتدمة بين روسيا والغرب ممثلا في حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فوق التراب الأوكراني، التي أفضت، بفعل العقوبات المفروضة على روسيا، إلى ارتفاع صاروخي لأثمان جميع المواد، وفي مقدمتها المواد الطاقية، وتهديد للأمن الغذائي للعديد من الشعوب. وذلك كله على خلفية بروز تقاطبات جيوسياسية عالمية جديدة، وأزمات اقتصادية ومالية بنيوية متعاقبة، ما فتئت تولدها إرادة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية والغربية، وتغذيها السياسات الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، والتي يتم السعي لحلها على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات الأساسية للمواطنات والمواطنين.

أما على الصعيد الوطني، فإن أوضاع حقوق الإنسان لم تشهد، خلال هذه السنة، تحسنا ملحوظا، إذ واصلت الدولة هجومها على الحق في التنظيم والتجمع، وقمعها للعديد من أشكال الاحتجاج والتظاهر السلمي، وتضييقها على حرية الرأي والتعبير، واعتقالها للصحفيين والنشطاء في مواقع التواصل الرقمي ونشطاء الحركات الاجتماعية، الذين يجري تعريضهم لمحاكمات لا تحترم مبادئ ومعايير المحاكمة العادلة. فيما لم تعمل السياسات العمومية المتبعة، حتى الآن، سوى على التقويض الشامل والمتوالي لأهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبر تصفيتها المتدرجة للمرافق والخدمات والدعم العمومي، وفشلها في توفير العمل اللائق للجميع وسعيها للمزيد من المس باستقرار الشغل، وحرمانها لشرائح عريضة تتضاعف أعدادها من الحق في الوصول إلى الموارد الضرورية التي توفر لها مستلزمات العيش الكافي والكريم، وتقاعسها عن التمكين الفعلي لحقوق النساء، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين وطالبي اللجوء، ومختلف الفئات الهشة والمهمشة؛ وارتمائها الكامل في أحضان الكيان الصهيوني وإبرام اتفاقيات معه في كل المجالات، مما يفتح الباب أمام الخطر التخريبي للصهيونية ويرهن السيادة الوطنية للبرامج الصهيوإمبريالية.

وتناغما مع الشعار الذي اختارته الأمم المتحدة هذه السنة ليوم حقوق الإنسان:”الكرامة والحرية والعدالة للجميع”، والدعوة إلى العمل طيلة الفترة الممتدة من الآن وحتى 10 دجنبر 2023 تحت نداء:”قوموا ودافعوا عن حقوق الإنسان”، فقد اختارت الجمعية شعار: “نضال وحدوي من أجل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة للجميع”؛ وذلك لتجديد تأكيدها على التزامها بالعمل الدؤوب والنضال الوحدوي من أجل احترام حقوق الإنسان والنهوض بها في كونيتها وشموليتها، سواء في التشريع أو في الواقع؛ وأنه لا مناص للحركة الحقوقية والديمقراطية من سلوك سبيل العمل المشترك عل أساس الميثاق الوطني لحقوق الإنسان لتحقيق ذلك.

على مستوى الوضع الاتفاقي:
تـسجل الجمعية:

– إيجابية إتمام إجراءات تصديق الدولة المغربية هذه السنة على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن تقديم الشكايات الفردية، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
– استمرار رفض الدولة المغربية التصديق على العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، والبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعدم رفعها للتحفظات والإعلانات بخصوص البعض منها، بالإضافة إلى عدم تصديقها على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية وفي مقدمتها الاتفاقية 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم؛
– عدم ملاءمة القوانين والتشريعات الوطنية مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صدق عليها المغرب، مما يحد من نطاق إنفاذها وإعمالها؛
– ضعف التجاوب الفعال مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان، ورفض تنفيذ العديد من التوصيات الصادرة عنها، كما هو الشأن بالنسبة لقرارات الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي، وعدم توجيه دعوات دائمة إلى جميع خبراء حقوق الإنسان التابعين للأم المتحدة لزيارة المغرب، ورفض الاستجابة لطلبات بعضهم، كالمقرر الخاص باستقلال القضاء والمحاماة والمقرر الخاص المعني بالحق في التجمع السلمي، وتأخر الدولة في تقديم تقاريرها الحكومية الدورية أمام لجن المعاهدات؛
– إلغاءها، في آخر لحظة وبشكل مفاجئ، للزيارة التي كان سيقوم بها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان لبلادنا ما بين 6 و19 دجنبر الجاري، وذلك بسبب فرضها عليه شروطا لمهمته. وهي المرة الثانية التي تلغي فيها الدولة زيارة هذا المقرر الخاص بعد أن كانت قد ألغتها في شهر أبريل من سنة 2015؛
– محدودية أداء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، التي تم إلحاقها بالمجلس الوطني لحقوق الانسان ضدا على مطالب الحركة الحقوقية، وذلك في غياب إرادة حقيقية لتمكينها من كل الضمانات الأساسية لاستقلاليتها وفعاليتها.

على المستوى الدستوري والتشريعي:

تعتبر الجمعية أن الدستور المغربي المعدل في فاتح يوليوز 2011، حافظ على الجوهر الاستبدادي للدساتير السابقة عليه، مما يستدعي إقرار دستور ديمقراطي علماني شكلا ومضمونا، يرسخ القيم الإنسانية وفي مقدمتها الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والسلم والتضامن، وينبني على معايير حقوق الإنسان الكونية، ويكرس مبدأ سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، ويرسي السيادة الشعبية، التي تجعل من الشعب أساس ومصدر كل السلط، وينص على فصل حقيقي للسلط وللدين عن الدولة، ويقر صراحة بالمساواة التامة بين الرجال والنساء، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب في كل الجرائم السياسية والاقتصادية؛ كما يعترف بكافة الحقوق والحريات الفردية والعامة، بما فيها حرية العقيدة، وبكون اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية دون أية تراتبية تذكر.

أما على الصعيد التشريعي؛ فإن الجمعية ترى بأن مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان للمناقشة والدراسة والبت، أو التي لم تعرض بعد أو تلك التي تم التصديق عليها، لا تستجيب لانتظارات الحركة الحقوقية المغربية، وتجدد رفضها تقديم مشاريع القوانين التنظيمية والقوانين والمراسيم أمام البرلمان للتصديق عليها قبل اكتمال النقاش العمومي حولها، بإشراك كل مكونات الحركة الديمقراطية والحقوقية المغربية، ودراسة مدى ملاءمتها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعلى الخصوص مشروع القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب.
وفي هذا الإطار، وبعد سحب مشروع القانون 16.10 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي من طرف الحكومة، فإن الجمعية تؤكد على ضرورة الإسراع بوضع مشروع متكامل وغير مبتور لتغيير القانون الجنائي، يستند على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان وما سار عليه الفقه القانوني وعلى توصيات الاستعراض الدوري الشامل، واللجنة الأممية المعنية بحقوق الإنسان، والمقرر الأممي الخاص المعني بالتعذيب، والآليات الأممية الأخرى، وطرحه على الحركة الحقوقية والمختصين لإبداء الرأي فيه، قبل عرضه على البرلمان للمناقشة.

وبخصوص الملف المتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقمع السياسي؛ فبالرغم من انصرام أكثر من ستة عشرة سنة على انتهاء أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، وتقديمها التقرير الختامي لعملها للملك في 6 يناير 2006، الذي صدق عليه، وتوصيتها للمجلس الاستشاري آنذاك -المجلس الوطني لحقوق الإنسان حاليا- والقطاعات الحكومية المعنية، بالعمل على وضع التوصيات المتضمنة فيه موضع التنفيذ، فإن الجمعية، إذ تطالب بتشكيل الهيئة المستقلة للحقيقة، لكشف الحقيقة عن كافة الانتهاكات الجسيمة، وضمنها ملفات ضحايا الاختفاء القسري ومجهولي المصير، تسجل ما يلي:

– عدم الكشف عن مصير كافة المختطفين مجهولي المصير، وخصوصا الذين أبقت هيئة الإنصاف والمصالحة البحث مفتوحا بشأنهم؛ ومن بينهم المهدي بنبركة، الحسين المانوزي، عبد الحق الرويسي وعبد اللطيف زروال، وعشرات المفقودين الآخرين غيرهم؛
– عدم الكشف عن نتائج الحمض النووي، التي خضعت لها عائلات بعض ضحايا الاختفاء القسري ومجهولي المصير، وعدم تحديد هوية عدد من المتوفين وتسليم رفاتهم إلى عائلاتهم؛
– التماطل في استكمال جبر الأضرار الفردية لعدد من الضحايا وذوي الحقوق، والتجاهل الكامل لآلاف الملفات الموضوعة لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان؛
– التنصل من وضع العديد من التوصيات موضع التنفيذ، وأساسا منها تلك المتعلقة بالإصلاحات الدستورية والمؤسساتية والقانونية، ووضع الاستراتيجية الوطنية لمناهضة الإفلات من العقاب ضمانا لعدم التكرار، والتوصيات الخاصة بحفظ الذاكرة، والاعتذار الرسمي والعلني للدولة، والجبر الحقيقي للأضرار الجماعية للمناطق التي كانت أكثر عرضة للانتهاكات الجماعية خلال العقود الماضية؛
– استمرار الاعتقال السياسي والمحاكمات غير العادلة، ومواصلة الدولة رفضها الاستجابة لقرارات فريق الأمم المتحدة الخاص بالاعتقال التعسفي، ولجنة مناهضة التعذيب التي تطالبها بإطلاق السراح الفوري لمجموعة من المعتقلين السياسيين وجبر أضرارهم.

وفيما يهم ملف الانتهاكات المرتبطة بمناهضة الإرهاب؛ فإن الجمعية، إذ تؤكد مجددا على موقفها المبدئي المدين لكل أشكال الإرهاب المستهدف لأرواح وسلامة المواطنين والمواطنات، والمساس بالحق في الحياة والحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي وبالممتلكات العامة والخاصة، فإنها ترى أن الحد من مظاهر الإرهاب يجب أن يبنى على مقاربة شاملة لا تقف فقط عند المقاربة الأمنية الصرفة، بل يجب أن تذهب إلى الأسباب العميقة لتصاعد المد الإرهابي على المستوى الإقليمي والدولي، والتي تعود في جوهرها إلى انتهاك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والثقافي والبيئي، واستحكام القوى الإمبريالية والصهيونية وقوى التسلط والاستبداد في المنطقة المغاربية والعربية؛ الأمر الذي يستدعي من الدولة المغربية:

– إلغاء القانون 03.03 المتعلق بمحاربة الإرهاب، وتبني تعريف دقيق للإرهاب يتلاءم مع المعايير الدولية، ومراجعة قانون المسطرة الجنائية، لضمان حق الشخص المحتجز من الاتصال بمحام من اختياره مباشرة بعد اعتقاله، وضمان منع التعذيب وسوء المعاملة؛
– الالتزام الكامل من طرف جميع الأجهزة الأمنية، والاستخباراتية والقضائية باحترام سيادة القانون في مواجهة الإرهاب؛
– تفعيل الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان وخطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان في المغرب، ووضع الأسس الكفيلة بإرساء دولة الحق والقانون، دولة المواطنة الحقة والديمقراطية والمساواة.

ونظرا للملابسات التي أحاطت بتوقيف معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية واعتقالهم، وعدم تمتعهم بشروط وضمانات الحق في المحاكمة العادلة، لا يفوت الجمعية أن تطالب بإطلاق سراحهم أو إعادة محاكمتهم مع تمكينهم من حق التمتع بكافة شروط المحاكمة العادلة.

وفيما يتصل بالانتهاكات المرتبطة بالنزاع حول الصحراء؛ فإن الجمعية تجدد موقفها المعبر عنه من طرف مؤتمراتها، والمتجسد في المطالبة بالحل الديمقراطي والسلمي للنزاع ومناهضة الحرب، وبالتعاطي الحقوقي مع كافة الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بهذا الملف أيا كان مصدرها، بما يخدم الوحدة المغاربية المنشودة لشعوب المنطقة، ومن أجل السلم والديمقراطية والتنمية المستدامة.

أما فيما يتعلق بالحق في الحياة؛ فإن الوفيات الناتجة عن التعذيب أو الإهمال بمراكز الاعتقال والسجن أو بالمستشفيات، أو الناجمة عن عدم احترام معايير الشغل، أو عن طريق إطلاق الرصاص من طرف قوات الأمن دون احترام للمعايير الدولية ذات الصلة، أو تلك المتعلقة بالمهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء أو أثناء المرور بمعبري سبتة ومليلية، تؤكد عدم صيانة وحماية هذا الحق من طرف السلطات المغربية.

وإذا كانت الجمعية تطالب السلطات المختصة، وأساسا القضائية، بفتح تحقيق نزيه ومستقل في مثل هذه الوفيات، التي كان آخرها وفاة المواطن ياسين الشبلي أثناء تواجده تحت تدابير الحراسة النظرية بمدينة بن جرير، قصد تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، تفعيلا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب؛ فإنها تجدد استنكارها لانحياز القضاء وعدم الكشف عن حقيقة الوفيات، التي ذهب ضحيتها العديد من نشطاء الحركات الاحتجاجية، وعن نتائج التحقيقات التي تزعم أنها فتحتها بشأنها.

أما بخصوص الحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي والشطط في استعمال السلطة أو ما يمكننا أن ندرجه في حكم التعذيب والمعاملات القاسية واللاإنسانية والمهينة أو الحاطة من الكرامة؛ فإن تقارير العديد من الهيئات والتنسيقيات والائتلافات الوطنية لحقوق الإنسان تجمع كلها، على استمرار هذه الممارسات الخارجة عن القانون، بشكل واسع، أثناء الاعتقال والاستنطاق بمراكز الشرطة والدرك أو في السجون، أو خلال استعمال قوى الأمن للقوة المفرطة والعنيفة أو غير المتناسبة في حق المحتجين والمتظاهرين السلميين دون احترام أو تقيد بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

وبالنسبة لملف الاعتقال السياسي والتعسفي؛ ففي سياق التضييق على حرية الرأي والتعبير والاحتجاج السلمي، تابعت الجمعية توسيع دائرة تدخل الدولة بشكل مستمر في قمع التظاهر السلمي ومنع التجمعات، وسجلت استمرار وتواتر الاعتقالات والمتابعات والاستنطاقات التعسفية، التي تمس المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ وضمنهم مناضلات ومناضلو الجمعية، والمدونون، ونشطاء الحراكات الشعبية السلمية، خاصة بالريف وغيرها من المناطق، وحركات المعطلين، ومعتقلو ما يسمى بالسلفية الجهادية، والنشيطات والنشطاء الصحراويون، والمواطنات والمواطنون المحتجون على تفويت أراضيهم الجماعية، والحرمان من الحق في الشغل، والحق في السكن، والذين تجري متابعتهم بتهم الحق العام وتخضعهم لمحاكمات غير عادلة وجائرة.

أما فيما يخص ملف الاختفاء القسري؛ فإن الدولة المغربية، وقد صدقت على اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، قدمت أخيرا تقريرها الأولي بشأن تفعيل مقتضيات الاتفاقية إلى اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، بعد التأخر الكبير وغير القابل للتبرير، لكنها ما زالت لم ترفق هذا التصديق بالإعلانين المنصوص عليهما في المادتين 31 و32 من الاتفاقية، المتعلقين باعتراف الدولة المغربية باختصاص اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري في تلقي وبحث شكاوى الأفراد، أو في النيابة عن أفراد يخضعون لها ولولايتها وكذا شكاوى الدول بشأن أخرى ودراستها.

وتسجل الجمعية عدم إدماج مقتضيات الاتفاقية في التشريع الجنائي الوطني، واستمرار وضع التعقيدات والعراقيل أمام الضحايا والعائلات عند اللجوء إلى القضاء قصد إجراء تحقيقات قضائية نزيهة في حالات الاختفاء القسري وإعمال العدالة وعدم الإفلات من العقاب على أي فعل من أفعال الاختفاء القسري؛ كما تؤكد على مطلب الحركة الحقوقية بضرورة تشكيل آلية وطنية مستقلة للحقيقة، لمواصلة الكشف عن الحقيقة حول جميع الملفات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتحقيق من دون تأخير، في كل حالات الاختفاء القسري، مع إشراك عائلات الضحايا وضمان عدم الإفلات من العقاب عن جرائم الاختفاء القسري.

وبخصوص الأوضاع داخل السجون؛ فإنها ما زالت تشكل مصدر قلق وانشغال للحركة الحقوقية، خصوصا بسبب ضعف التجهيزات، وقلة الأطر والموظفين، وسوء ظروف إقامة السجناء، نظرا للاكتظاظ الذي بات ظاهرة بنيوية تتغذى على اللجوء المتنامي للاعتقال الاحتياطي؛ مع ما يتمخض عن هذا من تأثيرات سلبية على كل مناحي العيش بالسجون؛ من حيث التغذية، والنظافة، والاستحمام، والفسحة، والزيارة، والتطبيب والعلاج ومتابعة الدراسة، مما يدفع العديد من السجناء، بما فيهم المعتقلون السياسيون، إلى خوض إضرابات عن الطعام.

وفيما يظل عمل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب متواضعا، ولا يجري تحريك اللجان الإقليمية لمراقبة السجون للقيام بمهامها المتمثلة في الزيارات الدورية للمؤسسات السجنية، فإن ما يتسرب من معلومات بخصوص ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، تكتفي المندوبية العامة لإدارة السجون دائما بمواجهتها بإصدار بيانات تكذيبية دون أن تجشم نفسها عناء إجراء تحقيقات مستقلة حولها.

وبالنسبة للحق في التنظيم؛ فإن الجمعية ما زالت تسجل استمرار حملة التضييق الممنهجة على الحق في التنظيم وتأسيس الجمعيات والانضمام إليها، من خلال امتناع السلطات عن تسليم وصولات الإيداع المؤقتة والنهائية لعدد من الهيئات السياسية والنقابية، والجمعيات الوطنية والمحلية أثناء تأسيس أو تجديد مكاتبها المؤسسة وفق القانون، ومن بينها عدد كبير من فروع جمعيتنا وكذا مكتبها المركزي الذي لم يتسلم بعد وصل الإيداع النهائي رغم ما يزيد على ستة أشهر من إيداعه الملف المتضمن لكافة الوثائق المنصوص عليها في ظهير تأسيس الجمعيات، وعرقلة وصولها إلى التمويل كحق من حقوق الإنسان؛ هذا علاوة على العودة للممارسات التعسفية في التضييق على نشطاء حقوق الإنسان، رغم الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري لفائدة الإطارات ضحايا المنع التعسفي.

وفي مجال الحق في التجمع والتظاهر السلمي؛ تسجل الجمعية استمرار الاستخدام غير المشروع للقوة والتدخلات غير المبررة للقوات العمومية لتفريق مجموعة من المسيرات والوقفات والتظاهرات والتجمعات السلمية، المنظمة من طرف عدد من النقابات والتنسيقيات والحركات الاجتماعية والاحتجاجية في مختلف المناطق، والتي تتنوع أهدافها ومطالبها بين المطالبة بالحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحق في الأرض ومكافحة الفقر ورفض الزيادة في الأسعار، والبطالة والطرد التعسفي والحق في التشغيل، ومواجهة الخصاص في البنيات التحتية والماء الصالح للشرب، والاحتجاج ضد قرارات وزارة التربية الوطنية سواء المتعلقة بسقف سن التوظيف بالنسبة للمعطلين والطلبة أوالامتحانات بالنسبة للتلاميذ، وغيرها من المطالب المشروعة. وقد رافق قمع هذه الأشكال الاحتجاجية السلمية، متابعة عدد من النشطاء، واعتقال البعض منهم وإصدار أحكام قاسية وجائرة في حقهم، وسجلت الجمعية حظرا كليا لأي احتجاج ببعض المدن كما هو الحال بمدينة خنيفرة.

وفيما يرتبط بحرية الرأي والتعبير والإعلام والصحافة؛ بما في ذلك عبر الأنترنيت، فإن الجمعية تسجل ما يلي:

– ضعف الضمانات القانونية لممارسة الحق في الوصول السلس إلى المعلومة، كما أن قانون الصحافة والنشر، خاصة الصحافة الإلكترونية، يتضمن تهديدا حقيقيا لحريتها ويضع عراقيل متعددة للوصول للمعلومات وتلقيها ونشرها للعموم بما ينسجم والمعايير الدولية؛
– تواترالاستنطاقات والتهديدات الأمنية والمتابعات القضائية لعدد من المدونين/آت ومستعملي/آت شبكات التواصل الاجتماعي على خلفية نشر تدوينات وفيديوهات للتعبير عن أرائهم/ن، حيث أدين بعض المتابعين/آت بعقوبات سالبة للحرية؛
– استمرار توظيف مقتضيات القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر في متابعة ومحاكمة الصحافيين/آت والمدونين/آت والناشطين الإلكترونيين والمثقفين والفنانين والمدافعين/ات عن حقوق الإنسان، وتعريض البعض منهم للسجن وتشديد الغرامات الباهظة وتجنيد مواقع إلكترونية موالية لجهاز الأمن لشن حملات التشهير بهم وتشويه سمعتهم؛
– انتهاك معايير المحاكمة العادلة التي استهدفت الصحفيين أبرزها محاكمة الصحفيين المهنيين سليمان الريسوني وعمر الراضي والأكاديمي والمؤرخ والصحفي المعطي منجب والنقيب محمد زيان، وتوظيف القضاء للانتقام منهم، من خلال اعتقالهم ومتابعتهم بتهم جنائية خيالية وإصدار أحكام جائرة وقاسية في حقهم؛
– انتهاك الحق في الخصوصية للبعض من المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين بهدف ترهيبهم وإخراسهم؛
– استمرار احتكار الدولة المغربية لوسائل الإعلام العمومية، وتوظيفها لخدمة سياستها البعيدة عن تطلعات المواطنين والمواطنات في إعلام مستقل يخدم المصلحة العامة، وينشر ثقافة حقوق الإنسان وقيمها.

وفي علاقة بما تتعرض له حرية الصحافة؛ فإن الجمعية تجدد، إلى جانب كل المكونات المجتمعية، وضمنها الحركة الحقوقية المغربية المعنية بإصلاح الإعلام، التعبير عن خيبة الأمل من المراجعة التي تمت لقانون الصحافة، والتي أبقت جميع المقتضيات المعرقلة لحرية الرأي والتعبير، والتفّت على مطلب إلغاء العقوبات السالبة للحرية وجعل حد للغرامات والتعويضات الباهظة التي قد تؤدي إلى إقبار عدد من المقاولات الفتية، بترك المجال مفتوحا لتسخير القانون الجنائي للزج بنساء ورجال الإعلام في السجون، أو منعهم من ممارسة الصحافة لمدة طويلة. وتؤكد الجمعية على ضرورة إلغاء الإجراءات والفصول المقيدة للحرية والمخالفة للمعايير الدولية ذات الصلة.

وفيما يتعلق بحالة الطوارئ؛ فإن الجمعية تعيد تأكيدها على أن المرسوم بمثابة قانون رقم 292.20.2 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية، أصبح متجاوزا وبات يستخدم فقط كمبرر لانتهاك الحقوق والحريات الأساسية، وتطالب بإلغائه.

وبخصوص الحريات الفردية وحرية المعتقد والضمير والوجدان؛ فعلى الرغم من التزام الدولة المغربية باحترام “حرية المعتقد والحرية الدينية”، فإن الجمعية تسجل استمرار تجريم حرية المعتقدات الشخصية والحريات الفردية، وتعاقب على أساس الميل الجنسي والهوية الجنسانية، والإجهاض والعلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين بمقتضى فصول من القانون الجنائي، وتخضع العديد من المواطنات والمواطنين للاعتقال والسجن بسبب ذلك. ولهذا تجدد الجمعية مطالبتها بإلغاء كافة الفصول المجرمة للحريات الفردية من القانون الجنائي.

وفيما يخص الحق في المشاركة السياسية؛ فإن الجمعية وبعد متابعتها لسير مختلف العمليات الانتخابية وما يشوبها من خروقات واختلالات، تدعو إلى مراجعة الإطار الدستوري والقانوني المنظم لها، من خلال اعتماد مدونة ديمقراطية للانتخابات وإرساء هيئة مستقلة للإشراف على العمليات الانتخابية.

وفيما يتصل بملف القضاء؛ فإنه وبالرغم من الخطاب الرسمي حول إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، فإن واقع الحال يوضح أن المحصلة النهائية بهذا الخصوص، لا ترقى إلى مستوى المعايير الدولية ذات الصلة بإقامة العدل وتحقيق الأمن القضائي، خاصة مع تغول النيابة العامة بعد استقلالها عن وزارة العدل.

وعلى مستوى الواقع تسجل الجمعية:

– استمرار القضاء في تبييض الانتهاكات التي تتعرض لها الحقوق والحريات، من خلال الأحكام الجائرة والانتقامية بحق النشطاء السياسيين والنقابيين والحقوقيين ونشطاء الحركات الاحتجاجية الاجتماعية في مناطق عدة من البلاد؛
– التضييق على القضاة في مجال حرية التنظيم والتعبير؛
– اللجوء المفرط للاعتقال الاحتياطي، الذي يجب ألا يعدو كونه تدبيرا استثنائيا؛
– الاعتماد شبه الدائم على محاضر الضابطة القضائية في الإدانة وإصدار الأحكام.
وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام؛ فإن المغرب لازال يصر على عدم الانخراط في الدينامية العالمية حول إلغاء عقوبة الإعدام، إذ ما فتئت المحاكم المغربية تصدر أحكاما بالإعدام، حتى وإن كانت الدولة لم تنفذ هذه العقوبة منذ 1993. ويعد امتناع المغرب المتواصل عن التصويت باللجنة الثالثة للأمم المتحدة على القرار المتعلق بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، تماشيا، على الأقل، مع ما هو قائم بحكم الواقع، مخيبا للآمال.

لذا تجدد الجمعية مطلبها بالتصديق على مشروع القرار الأممي المتعلق بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام الموضوع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاليا، في أفق إلغائها عملا بتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

وبخصوص أوضاع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان؛ تسجل الجمعية الاستهداف الواضح لهم/ن من طرف مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، والذي اتخذ طابعا ممنهجا، خاصة منذ التصريح الذي أدلى به وزير الداخلية بالبرلمان المغربي يوم 15 يوليوز 2014، والذي اتهم فيه الحركة الحقوقية المغربية بتلقي تمويلات أجنبية وخدمة أجندتها، والتشويش على عمل القوات الأمنية في مكافحتها للإرهاب. وقد تجسد ذلك فيما يلي:

– المنع الذي تعرضت له وتتعرض له الجمعية في تنظيم أنشطتها وتجديد مكاتبها الفرعية، وحرمانها من الدعم المالي والمادي، والضغط على القطاعات الوزارية الشريكة، وعلى مختلف شركاء الجمعية، وحرمانها من تنظيم المخيمات الحقوقية، ومن تنفيذ مقتضيات الاتفاقية المبرمة مع وزارة التعليم لنشر قيم وثقافة حقوق الإنسان وتنشيط الأندية الحقوقية بالمؤسسات التعليمية، بعد أن تم إلغاء قرار لوزارة التربية الوطنية بوضع 5 موظفين رهن إشارتها؛
– المنع الذي تعرضت له عدد من الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية؛
– الحملة الإعلامية التي تشنها عدد من الجرائد والمواقع الإلكترونية المسخرة من طرف الأجهزة الاستخباراتية المغربية، والتي تستهدف أطر ومناضلي الحركة الحقوقية المغربية عبر التشهير بهم وتأليب الرأي العام ضدهم، في خرق فاضح لكل أخلاقيات مهنة الصحافة؛
– المتابعات والمحاكمات التي يتعرض لها المدافعات والمدافعون عن حقوق الإنسان، والزج بهم في السجون؛
– التجسس على المدافعين عن حقوق الإنسان عبر استخدام برنامج التجسس، رغم تحذيرات المقرر الأممي المعني بحرية التجمع السلمي وتأسيس الجمعيات؛
– لجوء الدولة لتسخير القضاء لقمع المدافعين عن حقوق الإنسان عبر إصدار أحكام جائرة في حق الصحافيين ومتابعة نشطاء الفضاء الرقمي للحد من حرية الرأي والتعبير؛
– توسيع دائرة الأعمال الانتقامية ضد المعارضين للدولة خاصة المدافعون على حقوق الإنسان من خلال المتابعات القضائية ومنع التجمع السلمي وعرقلة تكوين الجمعيات وممارسة حظر عملي عليها.

أما في مجال حقوق المرأة؛ فقد سجلت الجمعية، على الخصوص، ما يلي:

– ضعف المؤشرات في مجال إعمال مبدأ المساواة بين الجنسين في كل المجالات، فعدد من التحفظات بشأن اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ما زالت قائمة، فيما تمت إعادة صياغة بعضها في شكل إعلانات تحافظ من حيث الجوهر على روح تلك التحفظات؛
– تزايد حالات الإجهاض السري، والذي أودى خلال شهر شتنبر الماضي بحياة طفلة تبلغ من العمر 15 سنة بجماعة بومية إقليم ميدلت كانت ضحية للاغتصاب والاستغلال الجنسي نتج عنه حمل، وعدم استجابة المقتضيات التشريعية المقترحة في إطار مراجعة القانون الجنائي الحالي والخاصة بالإجهاض لمطالب الجمعيات الحقوقية والجمعيات الطبية المهتمة بالحق في إجهاض آمن، من خلال توسيع نطاق الاستثناءات الخاصة بالإيقاف الطوعي للحمل، واحترام حق المرأة في اتخاذ القرار المناسب لها في الموضوع؛
– الطابع المتسم بالتمييز لمدونة الأسرة، على مستوى المرجعية ومنطوق النصوص، وخاصة في القضايا الجوهرية، مثل تعدد الزوجات ومساطر الطلاق والولاية الشرعية، وتزويج القاصرات، وضعف تطبيق مقتضياتها الإيجابية ــ رغم أنها لا ترقى لمستوى المعايير الكونية في مجال حقوق النساء داخل الأسرة ــ نظرا لبعض مضامينها غير القابلة للتطبيق، وللعراقيل المتعددة في هذا المجال المتمثلة أساسا في طبيعة قضاء الأسرة، إلى جانب العاهات الأخرى التي تطبع القضاء المغربي؛ وهو ما أدى إلى المساهمة في انتهاك حقوق النساء داخل الأسرة، وأبرزها العدد الكبير من حالات زواج القاصرات، ذات النتائج الكارثية الداعمة للعنف الزوجي بكل أصنافه ومخاطره وما يشكله على حياة الطفلات الضحايا؛
– استشراء العنف ضد النساء الذي يشكل انتهاكا صارخا لحقوق المرأة وتهديدا للمساواة بين الجنسين وإهانة وتبخيسا لكرامة النساء، خصوصا العنف الأسري. وفي هذا الإطار، تؤكد الجمعية أن القانون 103.13 المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء لا يوفر آليات فعلية وفعالة لحماية المرأة من العنف بكل أشكاله ولا يضع حدا للإفلات من العقاب؛
– ويظل مطلب تغيير جذري وشامل للتشريع الجنائي المتعلق بالمرأة ولقانون مكافحة العنف ضد النساء، بما يتلاءم مع مقتضيات اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة والإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد النساء،أحد المطالب الأساسية القائمة؛
– عدم تفعيل القانون التنظيمي المحدث لهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، رغم أنه لا يستجيب لانتظارات المنظمات الحقوقية والنسائية، ولا تتمثل فيه مواصفات مبادئ باريس للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان؛
– ضعف أداء الدولة بشأن الإجراءات التربوية والتثقيفية وبرامج التربية على المساواة، سواء في مجال المقررات المدرسية أو على مستوى الإعلام، الكفيلة بتغيير الأدوار النمطية لكل من الجنسين داخل المجتمع، كما تنص على ذلك الاتفاقية الدولية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة؛
– ضعف تقلد النساء لمناصب المسؤولية العليا، وتمركزهن الكبير في المناصب الدنيا، بالرغم من توفر العديد منهن على الكفاءة والمؤهلات التي تخولهن تحمل المسؤولية في المناصب العليا؛
– الانعكاس الشديد لآثار التدهور الذي تعرفه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على النساء، معمّقة حالات الفقر وسطهن ومسرّعة من وتيرتها بينهن؛ في حين لازالت أوضاع العاملات في البيوت جد مزرية رغم دخول قانون عمال المنازل حيز التنفيذ الذي لا يوفر حماية قانونية كافية لهذه الفئة من العاملات. أما العاملات الزراعيات فإنهن يتعرضن لكل أشكال الاستغلال والإذلال، ويتم نقلهن إلى الحقول الزراعية في أوضاع لا إنسانية وحاطة من الكرامة تؤدي في مرات عديدة إلى حوادث مأساوية. ولعل أصدق تعبير عن الأوضاع المهينة، القائمة على أشد أشكال الاقصاء والاستبعاد والتفقير، هو ما تتعرض له النساء المغربيات العاملات في حقول الفراولة بإسبانيا من استغلال جنسي واغتصاب في ظل عدم تحمل الدولة لمسؤوليتها في حمايتهن.

وبخصوص وضعية حقوق الطفل؛ فإن أهم ما ميزها هو ضعف التزام الدولة المغربية بتعهداتها في مجال حقوق الطفل، والمتمثل في عدم التنفيذ الكامل للتوصيات الصادرة عن لجنة حقوق الطفل والهيئات الأممية الأخرى ذات الصلة، وعدم الأخذ بالمصالح الفضلى للطفل في رسم السياسات العمومية، وتغييب المجتمع المدني في صياغة الخطط والبرامج للنهوض بأوضاع الطفولة؛ مما نجم عنه انتهاكات خطيرة مست الحق في الحياة والتسمية والتعليم والصحة؛ بالإضافة إلى التعذيب وسوء المعاملة والاعتداءات الجنسية، والتزايد المقلق لجرائم الاغتصاب خصوصا في صفوف الفتيات؛

كما أن هناك مؤشرات تبين أن الاستغلال الجنسي للأطفال يتفاقم في إطار ما يسمى بالسياحة الجنسية، حيث تنشط الشبكات الإجرامية المتاجرة في الأطفال؛ فضلا عن استغلالهم الاقتصادي في الحقول والمعامل والصناعة التقليدية وكخادمات في البيوت.

ورغم اعتماد قانون عمال المنازل ودخوله حيز التنفيذ، فإنه لا زالت تعتريه ثغرات عدة؛ حيث أقر بتشغيل الأطفال والطفلات الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و18 سنة بصفتهم عاملات وعمالا منزليين، خلال فترة انتقالية لمدة 5 سنوات.

ومن جهة أخرى، مازال الأطفال يعانون من العنف في مختلف الفضاءات الخاصة منها والعامة، ومن آفة الهدر المدرسي وانتشار الأمية في صفوفهم؛ فيما تتزايد أعداد أطفال الشوارع والأطفال الموجودين في نزاع مع القانون، وتتفاقم هجرة القاصرين غير المرافقين.

والجمعية إذ تؤكد على ضرورة حماية المصلحة الفضلى للطفل، فإنها تدعو الدولة إلى:

– سحب الإعلان التفسيري بشأن الفقرة الأولى من المادة 14 من اتفاقية حقوق الطفل تماشيا مع إعلان فيينا، وجميع التحفظات التي أبدتها على الاتفاقية؛
– الالتزام بعدم الانضمام إلى أي عهد أو اتفاقية، إقليمية أو قطرية، تتعارض مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة اتفاقية حقوق الطفل.
وعلاقة بحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء؛ فرغم إعلان المغرب سنة 2013 عن “سياسة جديدة” في مجال الهجرة تعتمد المقاربة الإنسانية وإصدار اللجنة الأممية المعنية بالاتفاقية لتوصياتها إلى المغرب حول احترام حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وإطلاق مسلسل التسوية الإدارية الاستثنائية للمهاجرين في وضعية غير نظامية للمرة الثانية إلا أن الجمعية ما فتئت تسجل استمرار معاناة المهاجرين ببلادنا، خاصة مع تزايد وتيرة الكراهية والعنصرية اتجاههم، والانتهاكات الخطيرة لحقوقهم.
وعموما تسجل الجمعية بهذا الخصوص:
– عدم تجاوب الدولة مع التوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة في سنة 2013، سواء على المستوى التشريعي حيث لا زال القانون 03 -02، الذي يتميز بطابعه الأمني وتعارضه مع المواثيق الدولية، هو المؤطر لدخول وإقامة الأجانب بالمغرب، أو على مستوى الواقع الذي يتم فيه تغييب المقاربة الحقوقية في معالجة ملف الهجرة.ولم يتم لحدود اليوم إصدار تشريع خاص باللجوء كما وعدت به السياسة الجديدة والاستراتيجية المعلن عنهما سنة 2013.
– تزايد الإجراءات التي تضيق الخناق على المهاجرين المغاربة بالخارج بسبب تشديد قوانين الهجرة في أوروبا، وتوقيع اتفاقيات لإرجاع المغاربة المتواجدين على التراب الأوروبي في وضعية غير نظامية، بمبرر اعتبار الدول الأوروبية المغرب دولة آمنة.
– تسبب الهجرة غير النظامية للمغاربة نحو الخارج في المزيد من المآسي والفواجع، مخلفة العديد من المفقودين والغرقى؛
– تفاقم وضعية المهاجرين بالمنطقة المغاربية، خاصة في ليبيا جراء التعرض للاحتجاز التعسفي في مراكز وظروف غير إنسانية، وللعنف والتعذيب، والمس بسلامتهم الجسدية والنفسية، وعدم تدخل الدولة رغم نداءات واحتجاجات العائلات من أجل إرجاع أبنائهم؛
– القمع والعنف الموجهان ضد المهاجرين وطالبي اللجوء، واللذان عادة ما ينتج عنهما مآس وسقوط ضحايا، آخرها المأساة التي أودت بحياة أكثر من ثلاثين منهم، وأصابت عشرات آخرين، أغلبهم من السودان، يوم 24 يونيو الماضي، إثر التدخل القمعي العنيف للسلطات المغربية والإسبانية لمنعهم من اقتحام المعبر الرئيسي لمدينة مليلية المحتلة.

وبشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ تسجل الجمعية تعمّق الانتهاكات والتراجعات في هذا المجال، نتيجة النظام الاقتصادي السائد والسياسات والبرامج الحكومية الغارقة في الإذعان لإملاءات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وخوصصة القطاعات الحيوية والاجتماعية، وضخامة خدمات المديونية الخارجية، وانعكاسات السياسة الليبرالية المتوحشة على ميزانية الدولة المتعارضة مع التنمية والتشغيل؛ والانخراط الكامل للمغرب في العولمة من موقع الضعف، والنهب السافر للمال العام والثروات الوطنية مع استمرار الإفلات من العقاب بشأن الجرائم الاقتصادية؛ إضافة إلى استفحال الرشوة، وغياب الإرادة لدى الدولة لمحاربتها، وضعف الآلية الوطنية للوقاية منها وعدم ملاءمتها مع ما تنص عليه الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد. وهو ما تؤكده الرتبة المتدنية للمغرب في سلم الشفافية العالمية؛ في ظل تطبيع الدولة مع الفساد وعجزها عن مواجهته.
وبينما الحكومة ماضية في الرفع من أسعار المواد والخدمات الأساسية، وإلغاء صندوق المقاصة، والإجهاز على مكتسبات الشعب المغربي بتمرير قوانين “إصلاح التقاعد”، ضدا على المنخرطات والمنخرطين باللجوء إلى إجراءات تحمّل سوء التدبير لصناديق التقاعد للمنخرطين؛ فإنها في المقابل لا زالت لم تتوقف عن المضي قدما في تبني سياسة تقشفية تستهدف تقليص مجالات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لخدمة الدين العمومي أو ما يسمى بالتوازنات الماكرو اقتصادية، على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ومن جهتها لم تسفر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت منذ ما يقارب عقدين من الزمان، عن أي تحسن في رتبة المغرب في سلم التنمية البشرية، الذي يعده برنامج الأمم المتحدة للتنمية الذي احتل فيه هذه السنة المرتبة 123، كما أن “تقرير اللامساواة في العالم لسنة 2022″، جاء ليشير من جهته بخصوص المغرب، إلى أن التفاوتات في الدخل تعد جد مرتفعة؛ حيث أن 50% من السكان الأكثر فقرا لا يحصلون سوى على 13،5% من إجمالي الدخل الوطني، و37% بالنسبة للفئات المتوسطة، بينما يستحوذ 10% من الأكثر غنى على 49،5% من هذا الإجمالي. كما يؤكد التقرير نفسه بأن هذه اللامساواة ظلت مرتفعة، خلال الثلاثين سنة الماضية، بالرغم من بعض التغيرات الطفيفة، إذ أن حصة هؤلاء ال 10% لم تقل عن 40% في حين لم تتعد حصة أولئك ال 50 % الأكثر فقرا 14% أبدا. ويعد دخل النساء المغربيات البالغ 14% الأقل انخفاضا عن متوسط منطقة شمال إفريقيا والشرق المتوسط المقدر ب 15%. غير أن المثير أكثر ما أورده التقرير بشأن احتكار 10% الأكثر غنى على 63% من إجمالي الثروات في المغرب، بينما لا يلوي 50% الأشد فقرا على غير 5% منها.
بالنسبة للحق في الشغل، تسجل الجمعية استمرار الانتهاك الخطير لهذا الحق، لا سيما تحت وطأة الجائحة، التي عمقت من واقع البطالة المكشوفة أو المقنعة لملايين المواطنين والمواطنات، بمن فيهم مئات الآلاف من الشباب حاملي الشهادات العليا، والتعامل السلبي للسلطات مع مطلب الحق في الشغل ــ عبر ضعف الإجراءات الجادة لخلق فرص الشغل أو عبر قمع الاحتجاجات السلمية ــ وكذا تراجع الدولة والمجالس المنتخبة عن وعودها وعن الاتفاقات المبرمة مع المعنيين في العديد من الأحيان؛ وفي إجراء خطير على الشغل القار عملت الدولة على تمرير قانون يجيز التوظيف بالعقد المحدود الأجل من طرف الدولة. فيما تابعت الجمعية خلال هذه السنة الاعتداءات المستمرة ضد احتجاجات الأطر العليا المعطلة وأعضاء الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين المطالبين بحقهم في الشغل، والذين تم اعتقال ومحاكمة بعضهم.

وفيما يخص حقوق العمال والحقوق النقابية، فإن الجمعية تسجل استفحال الانتهاكات الخطيرة التي تطالها، فرغم أن مدونة الشغل لا تترجم التزامات المغرب على المستوى الدولي في مجال الحقوق الشغلية بما تتضمنه من سلبيات جوهرية متعلقة بما يسمى مرونة التشغيل ومرونة الأجور وبتهميش دور النقابة على مستوى المقاولة، فإنها عرضة للخرق بشكل كبير ومستمر. وهذا ما يتجسد بالخصوص في إغلاق المعامل والتسريحات الجماعية التعسفية وعدم احترام الحد الأدنى للأجور ومدة العمل والضمان الاجتماعي ومختلف العطل في قطاعات وازنة مثل الفلاحة والنسيج والسياحة والبناء والأشغال العمومية والصناعات الغذائية، وحتى من طرف قطاعات حكومية مثل الإنعاش الوطني، ناهيك عن القطاعات غير المنظمة؛ ويحصل كل هذا بعلم كافة السلطات، التي لا تقوم بالإجراءات اللازمة لردع المسؤولين عن انتهاك قوانين الشغل. هذا علاوة على تردي أوضاع العمل في غياب الشروط اللازمة والآمنة التي يشتغل فيها العديد من العمال والعاملات. وقد تابعت الجمعية العديد من حالات الحوادث المميتة والاختناق داخل مقاولات صناعية.

أما الحريات النقابية، فقد أصبحت عرضة للانتهاك أكثر على مستوى المقاولة والعديد من الإدارات مما أدى إلى ترهيب فئات واسعة من عمال القطاع الخاص وابتعادهم عن العمل النقابي، بينما لازالت الدولة تتملص من التصديق على الاتفاقية 87 للمنظمة الدولية للشغل. وقد عرفت هذه السنة سلسلة من انتهاكات الحقوق النقابية، من خلال إغلاق المعامل وطرد وتسريح العديد من العمال والعاملات، بسبب الانتماء والنشاط النقابيين، وتحيز السلطة للمشغلين وتدخلها ضد العمال والعاملات، بتعنيفهم واعتقالهم ومحاكمتهم خلال النزاعات الشغلية، كما يتجلى ذلك بالخصوص في استمرار معاناة العمال الزراعيين في العديد من المناطق، خاصة مع تنامي التشغيل بالمناولة، وتملص أرباب العمل من المسؤولية اتجاه تطبيق قانون الشغل لفائدة عمالهم.

وبشأن الحق في الإضراب: لازالت السلطات والمشغلون يواصلون الإجهاز على هذا الحق، عبر استعمال الفصل 288 من القانون الجنائي لاعتقال ومحاكمة وإدانة المضربين والاقتطاع من الأجور، والانتقام بالطرد التعسفي للمسؤولين النقابيين.

وتجدد الجمعية التعبير عن رفضها مشروع القانون التنظيمي بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب المصادق عليه من طرف المجلس الوزاري خلال الولاية الحكومية السابقة والذي جاء لتكبيل الحق في الإضراب كحق من حقوق الإنسان وعرقلة ممارسته والحد من فعاليته، في تجاهل تام لمطالب النقابات.

ولم تعرف الحقوق الاجتماعية الأخرى، التي تؤثر بشكل أساسي على الحق في العيش الكريم، تحسنا ملموسا؛ فقد عرت الجائحة عن حجم الهشاشة والفقر.

وفيما يهم الحق في التربية والتعليم: تابعت الجمعية الظروف المزرية لقطاع التربية والتعليم بالمغرب والمتجلية أساسا في :

– تعثر المغرب في رفع تحدي تحقيق الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة القاضي بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، حيث لا زال بعيدا عن تطبيق إلزامية التعليم الأولي وتعميمه خاصة في البادية والمناطق الجبلية وهوامش المراكز الحضرية وشبه الحضرية، خصوصا بالنسبة للفتيات وتأمين الحق في التعليم للأشخاص في وضعيه إعاقة واستدامة التعلم، ناهيك عن تحقيق مدرسة الجودة وتمكين المؤسسات التربوية من الأطر اللازمة، والتجهيزات، والبنايات، والداخليات، والنقل المدرسي.
– تفاقم وضعية منظومة التعليم بسبب غموض وضبابية الرؤية وتعدد الخطط لدى الوزارة الوصية بدون إخضاعها للتقيم من جهة، وبسبب اتخاذها قرارات غير مدروسة، هيمن عليها هاجس ضمان مصالح لوبيات قطاع التعليم الخاص الذي يستهدف الربح من عملية التمدرس،والمطابع من جهة أخرى، ما أدى إلى الإجهاز على مصلحة التلاميذ والتلميذات وحقوقهم-ن وحماية أسرهم-ن من الاستغلال المرتبط بعملية الدخول المدرسي؛
– قصوره عن تنفيذ التزامه بتحقيق الأهداف التي سطرتها البرامج الأممية للقضاء على الأمية، والخصاص الذي يعرفه القطاع في الأطر التربوية والإدارية نتيجة وصول أعداد مهمة لسن التقاعد وتزايد حالات الإحالة على التقاعد النسبي وعدم تخصيص مناصب مالية للقطاع، وإقرار نظام هش للتوظيف بالتعاقد كبديل لها؛
– الإبقاء على نفس المناهج والبرامج الدراسية التي لا تتلاءم وقيم حقوق الإنسان، والتضييق على أنشطة الأندية الحقوقية، وإقامة اتفاقيات مع جمعيات معروفة بولائها للصهيونية، ومنع أنشطة التثقيف الحقوقي وسط التلاميذ مما أدى إلى تفشي ظاهرة العنف ضد هيئة التدريس والتطبيع معه في الوسط المدرسي. إضافة إلى ضعف اكتساب تلامذة التعليم العمومي للكفايات الأساسية في مواد اللغات والرياضيات، واتساع دائرة الهدر المدرسي والانقطاع عن الدراسة، والإجهاز على المدرسة والجامعة العموميتين عبر ضرب المجانية، وفرض الخوصصة التدريجية والإعلان عن توجه استراتيجي للشراكة مع القطاع الخاص؛
– تسييد المقاربة الأمنية والقمعية اتجاه الاحتجاجات والأشكال النضالية للحركة الطلابية بالاستعمال المفرط للقوة واقتحام الحرم الجامعي من طرف القوات العمومية لتفريق المظاهرات والاعتصامات في العديد من الجامعات مع ما يرافق ذلك من اعتقالات وتعنيف للطلاب يصل حد الاعتداء الجسدي والتعذيب والمتابعات والمحاكمات.

الحق في الصحة: تسجل الجمعية تدهور الخدمات الصحية وتراجع الوصول للعلاج بالنسبة للمواطنين والمواطنات، وإفلاس المنظومة الصحية وفشلها في تأمين الحماية الواجبة للمواطنات والمواطنين؛ حيث لا زال يتم تسجيل حالات متعددة لنساء يضعن في شروط مهينة، ووفيات بسبب الإهمال وشروط العمل المتردية في المستشفيات، وارتفاع نصيب النفقات الذاتية من جيوب الأسر المغربية من النفقات الإجمالية على الرعاية الصحية؛ هذا بالإضافة إلى ما يلي:

– النقص في الموارد المالية والبشرية، وهشاشة البنيات التحتية، والنقص في الأدوية والتجهيزات، وسوء التسيير والتدبير، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها الأساسية في ضمان الحق في الصحة للجميع، ويظهر ذلك في ضعف الميزانية المرصودة، والصفقات المشبوهة للحكومة خصوصا إبان انتشار وباء كورونا؛
– ضعف نظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO) وإقرار الدولة نفسها بعجز نظام المساعدة الطبية عن المرض للمعوزين “الراميد” عن إعطاء الحلول المنتظرة بعد سنوات من تطبيقه، وبالتالي التخلي عنه دون أي تقييم أو محاسبة، وذلك في انتظار ما سيفضي إليه العمل بالقانون الإطار رقم 21/09 والإجراءات المصاحبة له المتعلقة بالحماية الاجتماعية؛
– ضعف مراقبة الدولة للمرافق الصحية المتعلقة بالقطاع الخاص، مما جعل المواطنات والمواطنين عرضة للابتزاز والمضاربات التي تستنزفهم ماديا؛
– الإهمال الشديد للمرضى المصابين بأمراض عقلية ونفسية، وضعف البنيات الاستشفائية، والنقص الحاد في الأطر الطبية المختصة في هذا المجال.

الحق في السكن اللائق: تسجل الجمعية أن هذا الحق يتعرض ببلادنا لانتهاكات متعددة؛ تتراوح ما بين الحرمان الكامل منه، كما هو الشأن بالنسبة للمشردين وضحايا الإخلاءات القسرية، وفئات عريضة من المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء الذين يعيشون في مخيمات أو في العراء؛ أو كما هو الحال عند قاطني دور الصفيح والأحياء غير المهيكلة؛ حيث تنعدم الشروط الدنيا المتطلبة لاستيفاء معايير السكن اللائق الذي يحفظ كرامة الإنسان ويوفر له الخصوصية والأمان.

وفيما تلاحظ الجمعية استمرار آفة دور الصفيح والبناء العشوائي تحت أعين السلطات وبمباركة منها، فإنها تسجل اعتماد المقاربة الأمنية في التعاطي مع هذا الملف، غير عابئة بما ينجم عن ذلك من مآس اجتماعية وانتهاك بليغ للمعايير والمبادئ الدولية، نتيجة هدم هذا النوع من المساكن والإفراغ القسري للقاطنين بها والإلقاء بهم في العراء.

وبالموازاة مع هذا تستمر المساكن في “المدن العتيقة” في الانهيار في غياب العناية بها وإيجاد الحلول لقاطنيها. ولم تتمكن الدولة من الاستجابة لمتطلبات السكن للفئات ذوي الدخل المحدود والفئات المتوسطة رغم التسهيلات الضريبية والدعم الذي توفره للمنعشين العقاريين.

الحق في البيئة السليمة: تسجل الجمعية التدهور الذي تعرفه البيئة والانتهاكات السافرة للحق في البيئة السليمة ومن ضمنها نهب الثروات الطبيعية عبر اقتلاع المناطق الخضراء واجتثاث ما تبقى من المناطق الغابوية وتفويت جبال وأودية لأصحاب مقالع الرمال أو الحصى واستعمال المتفجرات في صيد الأسماك، وإفراغ النفايات المنزلية والطبية والصناعية للعديد من المدن في محطات عشوائية، والمياه العادمة في الأنهار والبحار بدون معالجة. إضافة إلى الضعف الكبير في البنية التحتية بالمدن والقرى وغيابها في البوادي، والتشويه الذي يطال المدينة المغربية جراء انعدام أي اهتمام بالجانب الجمالي في البنايات والمشاريع التي تقام فيها، وتركها عرضة لنهم مافيا العقار؛ والتدبير السيئ لقطاعي النظافة وجمع النفايات، ولمطارح الأزبال. الأمر الذي شكل تهديدا صريحا للبيئة سواء داخل المجالات الحضرية لهذه المدن أو خارجها.

وبخصوص وضعية الحقوق الثقافية واللغوية، فتسجل الجمعية عدم التزام الدولة المغربية بتطبيق المعاهدات الدولية، ذات الصلة، على أرض الواقع، وغياب رؤية استراتيجية للدولة على المستوى الثقافي، وضعف البنيات التحتية، أو انعدامها في العديد من المناطق وهزالة الميزانية المخصصة للنهوض بالمجال الثقافي، ومحاربتها للثقافة الجادة والتضييق على حرية الكتابة والإبداع؛ حيث لازال العديد من الفنانين والمبدعين محاصرين وممنوعين من الإعلام والفضاء العموميين، كما تجري محاصرة بعض الكتاب ومنع كتبهم من التداول أو من العرض في المعارض…

ويمكن تلخيص واقع الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية من خلال الوقوف على أهم مظاهر المس الذي يطالها: ومنها شكلية وارتجالية تدريس اللغة الأمازيغية والتخلي التدريجي عنه؛ تغييب اللغة الأمازيغية في برامج محو الأمية؛ شبه الحظر المضروب على الأسماء الأمازيغية؛ فلكلورية التعاطي مع اللغة الأمازيغية في الحياة العامة، مما جعلها ضحية كل أشكال التمييز والتشويه والتحقير في مؤسسات الدولة سواء القضائية أو الاستشفائية أو الإعلامية؛ الإحساس بالاغتراب والاستلاب الثقافي لدى الطفل المغربي الأمازيغي، الخطابات التحريضية ضد الأمازيغية بوازع قومي أو ديني؛ ضعف الاهتمام باللغة الأمازيغية في الإعلام، وتنكر قنوات القطب العمومي لها لغة وثقافة؛ غياب الإرادة وضعف الإجراءات الملموسة والجدية لدى الدولة لتثمين الموروث الثقافي الأمازيغي والحفاظ عليه؛ والتبخيس والفلكلرة اللذان يمسان الفن الأمازيغي. وبهذا الخصوص تسجل الجمعية ما يلي:

– أن القانونين التنظيميين المتعلقين بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم وفي الحياة العامة ذات الأولوية وبالمجلس الوطني للغات لا يتلاءمان مع المرجعية الأممية ذات الصلة؛
– استمرار رفض الأسماء الأمازيغية، والتمييز الذي تعانيه القناة الأمازيغية مقارنة مع القنوات الأخرى، وتوقيف تدريس الأمازيغية بالعديد من المؤسسات، وجعلها غير إجبارية وغير معممة ولا تحتسب في الامتحانات، والارتجال في سياسة الدولة المتعلقة بإدماج اللغة الأمازيغية في مختلف مناحي الحياة العامة.
– مواصلة الدولة سياستها التي تستهدف استئصال السكان الأصليين من أراضيهم عبر اعتماد قوانين تستمد مضامينها من التشريعات الاستعمارية.
وبالنسبة لبعض القضايا الدولية ذات العلاقة بحقوق الإنسان، فإن تفاقم انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية للشعوب، جراء هيمنة الليبرالية المتوحشة، واستئساد الدول الإمبريالية وربيبتها الحركة الصهيونية يحرم الأمم والشعوب من حقها في التمتع بخيراتها المادية وحقها في السيادة وتقرير المصير.

وختاما، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي تحيي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، فإنها توجه مجددا تحية عالية لكل الإرادات والقوى المناضلة داخل مختلف الجبهات الاجتماعية وضد التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ كما تعلن عن تضامنها مع جميع ضحايا القمع ومع عائلات الشهداء، مؤكدة تشبثها التام بمطلب الحقيقة والمساءلة لكل المتورطين في الجرائم التي أدت إلى استشهادهم، وتوجه تحية خاصة للمعتقلين السياسيين، وللصحفيين المعتقلين بسبب عملهم الإعلامي، وللمدافعين عن حقوق الإنسان، مطالبة بإطلاق سراحهم وإسقاط المتابعات والتهم المفبركة لهم، وجبر الأضرار الناتجة عن اعتقالهم وتعريضهم للتعذيب. وانطلاقا من قناعتها المبدئية بأهمية العمل المشترك، تعبر الجمعية عن تشبثها بشعار مؤتمرها الأخير:”معا لحماية الحق في الدفاع عن حقوق الإنسان من أجل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية”؛ الذي يعكس استعدادها للعمل الوحدوي مع كافة مكونات الحركة الحقوقية والديمقراطية ببلادنا، من أجل صد الحصار الممنهج والقمع والتشهير المسلط على المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإقرار المجتمع الديمقراطي الذي يتمتع داخله عموم المواطنات والمواطنين بكافة حقوقهم/ن وحرياتهم/ن الأساسية.

المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان:
الرباط في 9 دجنبر 2022.