مفهوم “الإمبريالية”

مفهوم “الإمبريالية”
الرفيق الحسين العنايت


مفهوم “الإمبريالية”

  • الحسين العنايت، مارس 2024


1⦁ دوافع كتابة المقال

بعد اكثر من 6 اشهر متتالية من حرب الإبادة والتجويح والترحيل… التي تشنها الدول الغربية (أمريكا، إنجلترا، فرنسا وألمانيا…) ضد الشعب الفلسطيني في غزة بواسطة مرتزقتهم في الكيان الإحلالي الغاصب، وسيطرتهم على جميع مؤسسات الأمم المتحدة وتجميد أجهزتها وتكبيل فعلها واخراس صوتها، يمكن القول بان هؤلاء هم بالفعل يكرهون العرب والمسلمين.

لكن اذا رجعنا الى الحرب العالمية الأولى لسنة 1914 بين نفس الدول والتي هلك فيها ما يفوق 8 ملايين شخص من نفس الجنس ومن نفس الدين والثقافة بالغرب الأوروبي سنكون مضطرين لتوسيع زاوية النظر ونبحث في المسببات التي جعلت الثقافة الغربية تتحول مع منتصف القرن 19 الى ثقافة للإبادة الممنهجة في حق شعوب المعمور.

يمكن القول ان عداوة الغرب الأوروبي لشعوب غرب اسيا وشمال افريقيا ولثقافاتها من الأمور المترسخة في الذهنية وفي الثقافة الغربية منذ قرون. الدليل على ذلك ابتكارهم وتروجيهم لمفاهيم على شكل “الثقافة الاغريقية- الرومانية” التي ليس لها وجود لها أصلا في الواقع المادي ولا على مستوى التسلسل التاريخي للاحداث، بحيث ان الثقافة الاغريقية لم تصل الى الغرب الأوروبي عن طريق روما او القسطنطينية بل عن طريق العلماء المحسوبين على الثقافة العربية-الإسلامية في بعذاد وقرطبة وغيرها ولا علاقة للرومان بها. كما صنع الغرب مفهوما غريبا يطلق عليه الثقافة ” اليهودية-المسيحية” والهدف منه هو تشكيل حلف يهودي -مسيحي لعداوة الإسلام، في حين ان الصراع الدامي بين اليهود والمسيحيين تشكل منذ الأصل واستمر على امتداد قرون ووصل أوجه في القرن 16 ميلادي ليختم بما يسمى “الهولوكوست” في اواسط القرن 20.

لكن كما اسلفنا الذكر فالحرب العالمية الأولى وما خلفته من ملايين القتلى وسط الأوروبيين انفسهم تبين ان العداوة للعرب والمسلمين لا تشكل وحدها اطارا يساعد على فهم ما يجري في فلسطين من إبادة. عدم استيعاب هذا الاطار في شموليته يمكن ان تنتج عنه أخطاء تكتيكية واستراتيجية يحول دون نسج الخطط التي تمكن من ردع الغرب الرأسمالي وادواته بمنطقتنا.

لتوسيع مجال التحليل لابد من الرجوع الى المرتكزات الاقتصادية لكي نتمكن من وضع اطار تحليلي شامل للحدث وبلورة اليات مواجهته لكون الغرب الأوروبي وصل الى مستوى من الهمجية لا مرد لها الا بمواجهته هو وادواته واتباعه من طرف شعوب المنطقة التي بنت الحضارة العربية-الإسلامية من القرن 9 الى القرن 12 ميلادي وهي شعوب غرب اسيا وشمال افريقيا.

ملاحظة1: بالنسبة لي المفهوم الجيواستراتيجي الجديد الذي يستوعب الفاعلين الأساسيين، في الصراع الحالي ضد الصهيونية ومدعميها، مركز ثقلهم اصبح خارج “العالم العربي” كما لا يشملون كل “العالم الإسلامي”، هم ينتمون أساسا لغرب اسيا (ايران، اليمن، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين ).

ملاحظة2: يظهر ان هنالك من يستعمل مفهوم “الامبريالية” بكيفية غامضة ويضفيه على كل الدول التي تتنافس مع الاقتصادات الغربية، كما نجد من يتحاشى استعمال مفهوم الامبريالية ويستبدله بمفهوم “الاستكبار”، كما هو عليه الحال في الثقافة السياسية لايران، كان الامر يتعلق بمسألة ثقافية في حين ان مفهوم الامبريالية هو مفهوم نستخلصه من دراسة تطور الاقتصاد الرأسمالي.

2 – تأصيل مفهوم الامبريالية

الامبريالية مفهوم اقتصادي فسر فيه رودولف هلفردينج في كتابه “الراس المال المالي: دراسة للمرحلة الأخيرة من التطور الرأسمالي” الذي صدر سنة 1910 باللغة الألمانية وترجم الى اللغة الروسية سنة 1912 والى اللغة الفرنسية في سنة 1970 والترجمة الإنجليزية في سنة 1981. فلادمير لينين اطلع ودرس أطروحة هيلفيردينج مبكرا واعتمدها في دراسته المعنونة “الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية” لسنة 1915. استوعب لينين مضمون الاطروحة وطورها وعلى هذا الأساس طرح المهام الملحة للقوى الثورية في المرحلة الجديدة من تطور الرأسمالية. هكذا اصبح كتاب لينين “الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية” اكثر انتشارا من كتاب هيلفيردينج الذي يعتبره بعض الدارسين بمثابة المجلد الرابع لكتاب راس المال لكارل ماركس. على هذا الأساس يتطلب فهم دراسة هيلفيردينج الالمام بكتاب الراسمال خاصة منه المجلد الثاني “عملية تداول راس المال”.

هنا لا يتسع المجال لرصد جميع المرتكزات المعتمدة لاستنباط مفهوم الامبريالية، وسنكتفي ببعض العلاقات “البسيطة” فيما يتعلق بتداول السلع وتداول النقد.

⦁ اول عملية للتداول (التبادل) عرفها الانسان هي على شكل: سلعة – سلعة، بمعنى التبادل المباشر لسلعة بسلعة أخرى وعلى هذا الأساس بنى الفينيقيون تجارتهم عبر البحر الأبيض المتوسط لمدة 8 قرون (-12 الى -4 قبل الميلاد)، بمعنى ان النقد لا يشكل وسيطة لتبادل السلع. هنا يطرح السؤال حول ما الذي يجعل السلع تتبادل فيما بينها؟ هنا أجاب ماركس بان سلعتين تتبادلان وقف وقت العمل المتضمن في كل منهما. لما ظهر النقد كأداة للتبادل في القرن 4 قبل الميلاد اصبح معادلا عاما لكل السلع، وهنا تندرج العملية الثانية للتبادل
⦁ ثاني عملية للتداول-التبادل هي: سلعة – نقد – سلعة، هنا يعبر النقد مقياس وقت العمل المتضمن في السلع. لكن هذه العملية يمكن الا تكمل دائرتها بمعنى انها تقف في مستوى سلعة-نقد وهنا يظهر الادخار الذي يضفي على النقد أهمية كبرى.
يمكن ان نتخيل عملية مباشرة نقد – نقد دون وسيطة سلعة. هذه العملية المباشرة نقد-نقد لا فائدة منها اذا لم ينتج عنها نقد اكثر (النقد الأصلي زائد الربا الذي ناهضته كل الديانات)ومعمول بها قبل الاف السنين في بابل وفي المجتمع الاغريقي (صرخ ارسطو ضد هذه العملية: نقد- نقد، قائلا: النقود لا تلد النقود) ونتج عنها المجتمع العبودي الذي عرف أوجه عند الرومان.
في عهد الرأسمالية تطورت المعادلة الثالثة
⦁ ثالث عملية للتداول: نقد-سلعة – نقد، بما ان السلعة في نفس الشروط وفي نفس المكان والزمان تحتفظ على قيمتها فهذه العملية هي بدورها لن ينتج عنها نقد اكثر. لكي ينتج عنها نقد اكثر لابد من تحويل تلك السلعة الوسيطة الى سلعة أخرى او الذهاب بها الى مكان (سوق) اخر كما يفعل التجار (ابن خلدون فصل في هذا الامر في كتابه المقدمة) بمعنى ادخال عمل انساني إضافي على تلك السلعة. هنا استنتج ماركس ان السلعة الوحيدة التي يمكن ان تقتنيها بقدر من النقد وبعدها ينتج عنها نقد اكثر هي “قوة العمل”
⦁ هكذا نصل الى دورة الإنتاج الراسمالي: نقد (النقد المسلف) – سلعة (قوة العمل، أدوات الانتاج، المواد الأولية، المواد المساعدة) – نقد = النقد المسلف (المسبّق) + فائض القيمة الناتج عن استهلاك قوة العمل
هذه العلاقة: علاقة الإنتاج الرأسمالي هي التي سينطلق منها هيلفيردينج لادخال الامبريالية كمفهوم اقتصادي

3– تعريفات إضافية ضرورية

سنعود للتفصيل في دورة الراسمال الإنتاجي التي قدمناها أعلاه والتي استخرجناها من عملية التداول نقد – سلعة – نقد التي تميز نمط الإنتاج الراسمالي.

نحاول الا نثقل العرض بالعديد من التدقيقات لكن لابد من حد ادنى من الوضوح لاستيعاب الطريقة التي نتبعها لتحديد مفهوم الامبريالية.

نذكر اذن بدورة الراسمال الإنتاجي ونقدم في نفس الوقت بعض العريفات الجديدة. هذه الدورة هي كالاتي:

⦁ نقد (الراسمال النقدي)
⦁ سلعة: تتشكل من قوة العمل، أدوات الإنتاج، المواد الأولية، المواد المساعدة على التحويل، وهذه السلعة تسمى الراسمال الإنتاجي
⦁ السلعة المنتجة تسمى الراسمال السلعي
لكي نكتب العلاقة على شكل: راس مال نقدي – راس مال انتاجي – راسمال سلعي – راس مال نقدي

وهذه الدورة تعيد نفسها باستمرار لان هدف دورة الإنتاج الراسمالي هو تنمية الراس المال النقدي الأصلي (المسلف او المسبق) بإضافة الربح. الربح هو تحقيق فائض القيمة، التي تضمّنها قوة العمل للسلع المنتجة (في المعمل او الضيعة…)، كلما تحول الراسمال السلعي الى راس مال نقدي بمعنى كلما قامت السلعة ب “قفزة الموت” (Salto mortale حسب كارل ماركس) في مرحلة التبادل.

“قفزة الموت” او القفزة المحفوفة بالمخاطر هذه، تختزل كل التقلبات والمنافسة المحتدمة التي تعرفها مرحلة تداول السلع في السوق المثالي “للتبادل الحر”، فإذا فاتتها قفزتها ف”السلعة ليست هي التي تسقط ارضا بل مالكها”. هذه تقلبات السوق هي التي يعتمد عليها الليبراليون لفصل الربح عن فائض القيمة المنتزع من العمل المأجور، ليربطوه بأتعاب الرأس المال النقدي المسلف وبنتائج “العرض والطلب”.

هنا سنحتاج لإضافة تعريفات أخرى تقسم الراس المال الإنتاجي الى قسمين: القسم القار في المعمل (بمعنى لا يذهب الى السوق ضمن السلعة المنتجة) ولا يحول للسلعة المنتجة الا جزء منه (الاهتلاك) ويسمى الراسمال الأساسي، والجزء المتبقي يسمى الراس المال الدائر بمعنى كونه متضمنا في السلعة المنتجة سواء كقيمة تبادلية كما هو الحال بالنسبة للمواد المساعدة (كهرباء، بترول، مواد كيماوية) وأجور العمال وفائض القيمة بالنسبة لقوة العمل، واهتلاك الراسمال الأساسي، وكقيمة استعمالية بالنسبة للمواد الأولية (الطماطم في العلب). مجموع هذه القيم يعطينا قيمة السلعة المنتجة ونرى ان كل المدخلات تحول قيمتها (تبادلية اواستعمالية) للسلع باستثناء قوة العمل التي زيادة عن قيمتها (أجور العمال) تضيف فائض القيمة وهي التي المرجع الأساسي للربح المحقق في مجال التداول.

في اخر هذه الفقرة نضيف تعريفا مهما اخر سنكون في حاجة اليه وهو زمن الدورة بمعنى الزمن الذي تستغرقه الدورة، لكي تتمكن بعدها من إعادة نفسها جريا وراء تحصيل الربح: نذكر بالدورة الإنتاجية:
راس مال نقدي – راس مال انتاجي (الراسمال الأساسي + الراسمال الدائر) – راسمال سلعي – راس مال نقدي

زمن الدورة ينقسم الى قسمين: زمن الإنتاج وزمن التداول. زمن الإنتاج هو الوقت المطلوب كي يتحول الراسمال الإنتاجي الى الراسمال السلعي، هذا التحويل يمر بعيدا عن الأنظار في أماكن مسيجة (معامل وضيعات….). زمن التداول يتشكل من الوقت المطلوب لتحويل الراس المال لنقدي الى الراس المال الإنتاجي يضاف اليه الوقت المطلوب لتحويل الراسمال السلعي الى الراسمال النقدي. بخلاف مجال الإنتاج الذي يستفرد به الراسمالي لوحده بعيدا عن المنتمين لطبقته وبعيدا عن اعين الجمهور فمجال التداول يفاجئ فيه الراسماليون بعضهم بعضا بما يقدمونه من سلع.

4- التوجه نحو الاحتكار في مجال الراسمال الإنتاجي

نذكر بان زمن دوران رأس المال هو الزمن الذي ينبغي خلاله ان يسلف (ان يسبّق) رأس المال (راس مال نقدي) كي تنمو قيمته ويعود الى صاحبه في شكله الأصلي. وكلما قّل زمن الدورة والا اصبح الامر مفيدا بالنسبة للراسمالي. نذكر بان زمن الدورة يتشكل من زمن الإنتاج وزمن التدوال…. زمن التداول يؤثر فيه مجموع الراسماليين بينما زمن الإنتاج يتحكم فيه الراسمالي المعني بالأساس. لهذا ينكب الاهتمام في تخفيض زمن الإنتاج. ماذا يعني تخفيض زمن الإنتاج؟ هذا يعني ان المنتوج يتضمن وقت عمل اقل. ووقت عمل اقل يعني قيمة اقل وقيمة اقل تعني ثمنا اقل، بمعنى ان الراسمالي الذي يخفض زمن الإنتاج يمكن ان يقدم للسوق سلعة بثمن اقل.

ليس من الصعب ان نتخيل ما سيحصل لمنافسيه الذين لم يستطيعوا تخفيض زمن انتاجهم، فارباحهم ان استطاعوا ان يحولوا كل راس مالهم السلعي الى راس مال نقدي ستكون اقل. هذا الوضع يشكل بوادر الاحتكار الحثمي في النظام الرأسمالي.

كيف يتم تخفيض زمن الإنتاج؟ في الوهلة الأولى يتبادر للدهن تكثيف استغلال قوة العمل بتشغيل الأطفال والاناث باجور اقل من الذكور، بمدد عمل تصل الى 12 ساعة في اليوم الواحد الخ…. كما كان عليه الحال في إنجلترا في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، المرحلة التي لا يتجاوز فيها معدل حياة العمال 30 سنة. لكن بفضل نضالات الطبقة العاملة واستحالة تجاوز سقف معين من نسبة الاستغلال لشروط فيزيولوجية تركز الاهتمام على تطوير أدوات الإنتاج (الالات) المساعدة على تكثيف الإنتاجية. أدوات الإنتاج هو ما سميناه الراسمال الأساسي في الحلقة السابقة.

تخفيض دورة الإنتاج يتطلب بالضرورة استثمارات في الراس المال الأساسي. لكن زمن دورة الراسمال الأساسي اكبر بكثير من زمن دورة الراسمال الدائر بمعنى ان الراسمالي لا يسترد استثماراته في الراسمال الأساسي الا بعد مدة طويلة، الى ان يهتلك كليا ووجب استبداله. في نهاية كل دورة للراسمال الدائر لا يسترد الراسمالي الا قسطا (هو ما سميناه أعلاه بالاهتلاك ) من استثماراته في الراسمال الأساسي.

نفهم ان المبتغى من ادخال الراسمال الأساسي في دائرة الإنتاج هو الحصول على نفس الكمية من السلعة (الراس المال السلعي) لكن في زمن اقل. بما ان جزء من قيمة الراسمال الأساسي (الاهتلاك) متضمن في السلعة المنتجة، هذا يعني بالضرورة الاستغناء عن مقدار معين من قوة العمل والا ارتفع ثمن السلعة ولن تتوفر لديها مقومات المنافسة في السوق ويصبح الراس المال الأساسي المدمج في دائرة الإنتاج بدون مردودية.

ما هو الشرط الذي يجعل من الة معينة راسمالا أساسيا مفيدا؟ اذا كانت قيمة الاهتلاك اقل من قيمة قوة العمل المستغنى عنها خلال دورة انتاجية. بمعنى ان الة معينة ستعتبر راسمال أساسي اذا كانت قيمتها (وقت العمل المتضمن فيها) اقل من قيمة قوة العمل التي يمكن الاستغناء عنها طوال مدة استعمال تلك الالة، هنا تبرز حتمية المنافسة فيما بين المنتجين للراسمال الأساسي، بمعنى ان الاحتكار لا يهم قطاعا انتاجيا معينا بل يشمل كل القطاعات الإنتاجية للسلع.

على هذا المستوى تبرز إشكالية أخرى تستحق الانتباه، فاذا تم الاستغناء عن قوة العمل بإدخال الالات فقيمة فائض القيمة ربما ستنخفض؟ هنا يجب ن نتذكر بان زمن دورة الراس المال يتشكل من زمن الإنتاج وزمن التداول. فاذا بقي زمن التداول دون تغيير ففائض القيمة سيرتفع رغم الاستغناء عن قسط من قوة العمل. لكن لا شيء يضمن بان زمن التداول لن يتمدد خاصة ان تسريع وثيرة الإنتاج في قطاع معين سيغرق السوق بالسلع ويصعب نفادها ما سيمدد من زمن التداول بمعنى تمديد الوقت المطلوب فيه تحقيق فائض القيمة، بمعنى ان الاستثمارات في الراس المال الأساسي لتخفيض زمن الإنتاج ستبقى دون مردودية. إن هذه الإشكالية يفترض ان تتسبب في تمديد المدة المطلوبة لاستخلاص الربح في ظل نظام راسمالي مبني على “التبادل الحر”. لكن المثير في الامر هو كون تطوير الراس المال الأساسي يحد من مفعول ما يسمى “السوق الحرة” و”التبادل الحر” بتشكيل احتكارات كبرى مهيمنة تتحكم في دواليب الإنتاج والتداول على المستوى العالمي. ظهر هذا التوجه ابتداء من ولوج الولايات المتحدة وألمانيا نادي الدول الصناعية في أواخر القرن 19. هذه الاحتكارات تعمل على خلق حاجيات اجتماعية جديدة بتوظيف راس المال الأساسي في ابتكار سلع جديدة تساهم في تحقيق معدلات للارباح جيدة تحقق في اجال معقولة.

هذه الاحتكارات تتميز براسمال أساسي هائل بمعنى براسمال نقدي استثمر في الإنتاج لكن لا يسترد الا بعد مدد طويلة. السؤال المطروح الان هو مصدر التمويل بالنسبة للراسمال الأساسي؟

5- التوجه نحو تمركز الراسمال النقدي

لفهم الموضوع، نعود من جديد الى دورة الإنتاج. في نهاية الدورة تسترد قيمة قوة العمل والمواد الأساسية والمواد المساعدة وقيمة اهتلاك الراسمال الاساسي والربح المحقق لفائض القيمة… الربح وقيمة الاهتلاك تكتنز في البنوك على راس كل دورة هذا ما يجعل البنوك بالمام تام بالراسمال الإنتاجي الكلي (الاجتماعي). بمعنى ان البنوك بدراية اجمالية بوضعيه الشركات، نقط ضعفها ومجالات قوتها. هذه الشركات دورها لا يقتصر على الاكتناز في البنوك بل هي في حاجة اليها لمواصلة دورة انتاجها.

فالراسمالي انتاجه لا يتوقف بمعنى انه عندما ينتهي من مرحلة الإنتاج لا ينتظر تحويل راس ماله السلعي الى راس ماله النقدي كي يبتدا الدورة من جديد. لنفرض ان زمن الإنتاج يساوي زمن التداول، في هذه الحالة هو في حاجة الى ضعف راسماله الدائر لمواصلة الإنتاج دون توقف، بمعنى انه سيلجا الى قروض بنكية قصيرة الأمد. كما ان المنافسة تطلب منه ان يوسع انتاجه بمعنى ان يزيد من راس ماله الدائر. هذا ما يوطد العلاقة بين البنوك والقطاع الإنتاجي لكن العلاقة ليست متساوية لكون البنوك تعرف جيدا وضعية الشركات ويمكنها ان تسهل او تصعب الحصول على القروض. فكلما توسع نفود بنك معين على منطقة جغرافية توطد نفوده على المجال الانتاجي وهذا يدفع الى تشكيل بنوك كبرى لتمركز الراس المال. هذه البنوك الكبرى هي وحدها المتوفرة على مرتكز مالي-نقدي يضمن لها نجاح المجازفة في الاستثمارات الطويلة الأمد في الراس المال الأساسي للاحتكارات الكبرى. هذه الاستثمارات تتم بواسطة راسمال افتراضي تصدره البنوك على شكل اسهم يعطي لمالكيها الحق في جزء من الأرباح التي ستحصل مستقبلا (على راس سنة مثلا) من طرف الشركات الكبرى المساهمة.

القضية الأساس تتشكل في كون تلك الأسهم تصبح منفصلة عن الراسمال الإنتاجي، ويقوم بدورتها الخاصة بها (سهم – نقد – سهم) بتداولها في أسواق البرصة، هكذا نشأ الرأسمال المالي.

6- أخيرا، الامبريالية

الاحتكارات المندمجة بالبنوك والمؤسسات المالية الاستثمارية الكبرى أصبحت تفرض على الدولة الراسمالية حماية مجالات نفودها بما يضمن هيمنتها التي تحقق ما وقف الأرباح (surprofit) وعندما تقرض هذه البنوك دولة معينة تفرض عليها ان تتعامل مع الاحتكارات التي تستثمر فيها هكذا انتقلت الراسمالية من شعارات “التبادل الحر” والسوق الحرة” و “حياد الدولة” الى توظيف الدولة من اجل الهيمنة. فالحرب العالمية الأولى مصدرها الصراع بين الاحتكارات الكبرى للسيطرة على العالم بعد معاهدة برلين لسنة 1885. فاستعمار المغرب بدأت به بنك باريس والأراضي المنخفضة التي اشترت ديون البنوك الاسبانية والألمانية تجاه المغرب وانسجت اتفاقا توفد بموجبه ممثليها الى المغرب في الموائي وعلى الحدود مع الجزائر لجني الضرائب بهدف استرداد فوائد القروض المستحقة على الدولة المخزنية، وعمل نبك باريس والأراضي المنخفضة على تاسيس بنك الدولة المغربية (BEM) لهذا الغرض، بعدها فتح الباب للجيوش الاستعمارية. نفس الشيء حصل بجل دول المعمور ومن استثني فرض عليه الحصار المشترك للبوارج العسكرية الامبريالية كما الصين. مفهوم الامبريالية ادخله الاقتصادي الإنجليزي اتكنسون هوبسون في 1902 وربطه هيلفيردينغ بالراسمال المالي. ووضع لينين البرنامج الثوري الذي يميز الفترة المتميزة بهيمنة الامبريالية كاعلى مراحل الراسمالية.

هل تغير ت الامبريالية؟ من وجهة نظري لم تتغير أساسها يبقى هو الراس المال المالي الذي وصل الى مستوى من المضاربة والتعفن والهمجية في التعامل مع الشعوب من اجل السيطرة على خيراتها. هذا ما افقد للدول الغربية التي تنتسب اليها البنوك والمؤسسات المالية المضاربة، ادنى الاخلاق.