تحديات التعليم العالي والبحث العلمي في ظل كورونا وما بعدها


كلية العلوم عين الشق الدارالبيضاء المكتب المحلي

ورقة مقدمة في إطار المائدة المستديرة عبر الإنترنت تحت عنوان

تحديات التعليم العالي والبحث العلمي في ظل كورونا وما بعدها

الثلاثاء 2 يونيو 2020

إن واقع التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب في ظل وباء كورونا تفاقمت أوضاعه المتأزمة أصلا منذ عدة عقود لكون الأزمة التي يعاني منها بنيوية ومعقدة وذات أبعاد متعددة. لكن الجديد في الأمر أن وباء كورونا COVID-19، الذي يعتبر حدثا استثنائيا يهدد التعليم بأزمة خطيرة ربما هي الأخطر في زماننا المعاصر، قد كشف المستور وأوضح بالملموس أن إخضاع القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والسكن والشغل لمنطق الربح والخسارة، واتِّباع السياسات النيوليبرالية المتوحشة، سيؤدي حتما إلى كوارث إنسانية يصعب التحكم فيها. فقد بينت هذه الجائحة أن الدول الإمبريالية لا يهمها الإنسان، بل كل ما يهمها هو مركمة الأرباح وإشعال التوترات والحروب للتنفيس عن أزماتها، حتى لو أدى ذلك إلى إبادة الإنسان. أما بالنسبة لدول التبعية كالمغرب، فالوضع جد معقد نظرا لاتِّباعها إملاءات الدوائر والمؤسسات الإمبريالية مما أدى إلى تخليها تدريجيا عن القطاعات الأساسية كالتعليم العمومي والصحة العمومية وتشجيع القطاع الخاص وتمكينه من الاستفادة من اقتصاد الريع، مما انعكس سلبا على أوضاع التكوين والبحث العلمي، ومما سيؤدي حتما إلى تخلي الجامعة عن أدوارها الريادية وتتحول إلى مؤسسة للتكوين المهني بدل أن تكون مؤسسة ذات مهام تربوية وعلمية وسياسية واقتصادية واجتماعية….

إن ما يُسمّى إصلاح التعليم لا يعكس ما يتطلبه الواقع المعيش، وما تطمح له مكونات الشعب المغربي من تغيير إيجابي، إنه بالأحرى تخريب للتعليم العمومي، بما فيه التعليم العالي العمومي والبحث العلمي الوطني الهادف والمنتج. فإذا حللنا جديا قانون الإطار واعتماد الباكالوريوس والهندسة البيداغوجية الجديدة في الجامعة نجدها تتلخص في التخلي عن الجامعة العمومية وإناطَتِها بمهمة تكوين يد عاملة مؤهلة وسلعة طيعة في خدمة الرأسمال الطفيلي والشركات المتعددة الجنسيات، وإعطاء الريادة للتعليم العالي الخاص لتكوين أطر مرتبطة بمصالحها.

فبهدف مكافحة انتشار جائحة كورونا Covid-19، وبعد حالة الطوارئ الصحية التي أعلن عنها، اتخذت الوزارة الوصية إجراءات وقائية وقررت إيقاف الدراسة والتكوين حضوريا في مختلف مؤسسات التعليم العالي مند 16 مارس 2020 واعتماد التعليم عن بعد. وجاء هذا في وقت نعاني فيه من أزمة تعليمية حادة: الكثير من الطلبة لا يتقنون المهارات الأساسية التي يحتاجونها في الحياة العملية، وقد تفضي هذه الجائحة إلى ازدياد تلك الأزمة سوءاً. ومن الآثار المباشرة التي تثير القلق والمخاوف في هذه المرحلة من الأزمة، ناهيك عن التأثير السلبي في جودة العملية التعليمية (الأعمال التطبيقية، الندوات والحلقات الدراسية، الخرَجات…) الذي سيرفع من معدلات الهدر، انعدامُ المساواة في النظم التعليمية، الذي يعاني منه معظم الطلبة؛ ولا شك أن تلك الآثار السلبية ستؤثر على الطلبة ذوي الدخل المحدود أكثر من غيرهم. ورغم أن الوزارة أدخلت لأكثر من عقد تعليم تكنولوجيا المعلوميات والاتصال لصالح الطلبة (وحدات تكنولوجيا المعلوميات والاتصال)، لم يستفد جل الأساتذة الباحثين من التدريب المستمر المقدم كجزء من استراتيجية تعميم هذه التكنولوجيا في التعليم العالي والبحث العلمي.

تتوفر جامعتنا على منصة رقمية خاصة بها على عِلّاتها؛ ومنذ بداية الأزمة أصبح جل الطلبة اليوم يتوفرون على حساب مؤسسي يسمح للبعض منهم بالوصول إلى هذه المنصة لتبادل المعلومات والاطّلاع على بعض المستندات: يتعرف الطلبة نسبيًا على هذا النوع من الأنظمة الأساسية مثل “مودل” أو “كلاسروم غوغل” أو “ميتْ” أو “بيغ بلو بوتون” أو “زوم” ( Moodle, Google Classroom, Meet, Big Blue Button, Zoom). إننا ندرك أنه لا تزال هناك جهود كبيرة يجب بذلها في هذا الاتجاه لأن عدد كثير من الطلبة وبعض الأساتذة لم يشاركوا بعد في هذا النمط الجديد من التدريس. وتجدر الإشارة إلى أن إحدى مزايا هذا الوباء تعبئةُ عدد كبير من الأساتذة وبعض الطلبة وانخراطهم في هذا التعليم عن بعد.

لقد بذل العديد من الفاعلين البيداغوجيين جهودًا عديدة للتغلب على هذه الأزمة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، ولاحظنا العديد من المبادرات بهدف مساعدة الطلبة على الاستفادة من التعلم عن بعد. وكما شوهد في حالات طوارئ صحية سابقة، فمن المرجح أن اضطراب التعليم بسبب فيروس كورونا الجديد سيكون تأثيره على التعليم أكثر تدميرًا وسترتفع لا محالة معدلات الهدر في التعليم. على الرغم من كون إغلاق المؤسسات يمثل حلًا منطقيًا لفرض التباعد الاجتماعي، فإن إغلاقها لمدة طويلة سيكون له تأثير سلبي على الطلبة الأكثر هشاشة. فهؤلاء الطلبة لديهم فرص أقل للتعلم في المنزل، وقد يمثل الوقت الذي يقضونه خارج المؤسسات أعباءً اقتصادية على كاهلهم ويواجهون تحديات في استعمال وتحمل تكاليف وسائل التواصل عن بعد. كما سيؤدي التأخر في بدء الموسم الجامعي أو انقطاعه إلى حدوث اضطراب كامل في حياة العديد من الطلبة وأساتذتهم.

إن الكثير من المهتمين والمتتبعين للتعليم ينتابهم قلق الاعتماد على الإنترنت بشكل كبير دون غيره، وبالتالي لا يجني ثمرتها إلا أبناء الأسر الميسورة. ولذلك وجب استخدام جميع الوسائل الممكنة لإيصال مذكرات ومخططات الدروس، ومقاطع الفيديو لأكبر عدد من الطلبة. كما ينبغي أيضاً الاستعانة بالمدونات والتسجيلات الصوتية والموارد الأخرى التي تستهلك قدراً أقل من البيانات. وينبغي إلزام شركات الاتصالات والإنترنت على تطبيق سياسات تعفي المستعملين من الرسوم وتوفير أجهزة وبرامج وشبكات تقنية توفر خدمات تفاعلية عالية السرعة والصبيب لضمان التواصل بفعالية بين الطلبة والأساتذة من جهة والتواصل مع المصالح الإدارية من جهة أخرى وتيسير تنزيل مواد التعلُّم واستعمالها على الهواتف الذكية وعن بعد، والاستفادة من الميزات التي توفرها شبكات التواصل الاجتماعي، مثل البريد الإلكتروني أو واتساب أو الرسائل النصية القصيرة، والمحتوى البيداغوجي المقدم عبر الإذاعة أو التلفزيون. فلا يقتصر التعلُّم عن بعد على استخدام الإنترنت فقط، ولكنه ينطوي على تعلُّم يعتمد على مجموعة متنوعة من الوسائط التي تكفل وصوله إلى أكبر عدد ممكن من الطلبة والأساتذة.

من الأمور البالغة الأهمية، الإبقاء على حماس الطلبة للمشاركة وارتباطهم بمؤسساتهم الجامعية لكون معدلات الهدر مرتفعة جداً في بلادنا، ومن شأن انقطاعهم عن التعلُّم لمدة طويلة أن يعمق المشكل. كما يجب الانتباه إلى أن الطالب لا يذهب إلى المؤسسة الجامعية لتعلم العلوم وحسب، لكنه يذهب ليقيم علاقات اجتماعية ويتعامل مع أقرانه، ويتعلم كيف يكون مواطناً، ويطور من مهاراته الاجتماعية. ولهذا، فإنه من الضروري الحفاظ على التواصل مع مرافق مؤسسات التعليم العالي بأي وسيلة لأنها تعتبر بالنسبة لجميع الطالبات والطلبة فضاء يؤهلهم لتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وتعلُّم المزيد حول كيفية الإسهام كمواطنين في تطوير بلادهم ومجتمعهم.

بما أنه من المرجح حدوث موجة ثانية من الجائحة، ففي مثل هذه الأجواء من انعدام اليقين، ربما يكون من الأفضل اتخاذ القرار بناءً على سيناريو يفترض أن الجائحة ستأخذ وقتاً أطول، ليس القصير. أما الجانب الإيجابي في الأمر، فيكمن في أن العديد من التحسينات، والمبادرات، والاستثمارات سيكون لها أثر إيجابي طويل المدى. نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، زيادة المهارات الرقمية لدى الأساتذة والطلبة. كذلك يجب على محطات الإذاعة والتليفزيون أن تدرك الدور المحوري المنوط بها في مساندة الأهداف التعليمية – ومن ثم الدفع باتجاه تحسين جودة برامجها، مع استيعابها لما يناط بها من مسؤولية اجتماعية كبيرة، وبهذا ستزداد مشاركة المواطنين في العملية التعليمية لأبنائهم، وستمكن المسؤولين على التعليم بشكل عام والتعليم العالي والبحث العلمي بشكل خاص من فهمٍ أوضح للفجوات والتحديات المعيقة لاستخدام التكنولوجيا الحديثة بفعالية، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال ذلك (في إمكانية الاتصال، والمعدات، ودمج الأدوات الرقمية في المناهج الدراسية، وجاهزية الأساتذة والطلبة).

يتحتم علينا جميعا اليوم، كلٌّ مِن موقعه، التركيز على مهمة واحدة، ألا وهي التغلب على أزمات التعليم العالي والبحث العلمي التي تراكمت وتفاقَمت مع ما نشهد حالياً، والتصدي للجائحة. ويتلخَّص التحدي الماثل اليوم في الحد من الآثار السلبية لهذه الجائحة على التعليم العالي والبحث العلمي ما أمكن، والاستفادة من هذه التجربة لتحسين المنظومة بوتيرة أسرع، كما يجب على كل الفاعلين مثلما يفكرون في التصدي لهذه الأزمة، أن يفكروا أيضاً في كيفية الخروج منها والمنظومة أقوى من ذي قبل.

ونستخلص من تفشي جائحة كورونا أن الفيروس الشرس، بكل ما سببه من المآسي ومن ضرورة إعادة النظر في الكثير من البديهيات، قد وضع العالم أمام حقيقة أساسية: لا نهاية للبحث العلمي في مجال مقاومة الأمراض والأوبئة وتطوير طب نظم المناعة البشرية، إذ كلما تقدم الطب، كلما طورت الفيروسات نفسها. لذلك يجب تطوير البحث العلمي باستمرار، ويكون هدفه الأسمى هو خدمة الإنسان وتأهيل الجامعة العمومية للقيام بمهامها الأساسية على أحسن وجه (نشر المعرفة، إشاعة الفكر النقدي والعقلانية، تشجيع البحث العلمي والابتكار والتكوين المعرفي الجيد…). كما وجب تحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية المزرية للأساتذة الباحثين والطلبة على حد سواء. إن عدم توفير التربة الملائمة للأساتذة الباحثين والأطباء والمهندسين ودفع عدد كبير منهم إلى الهجرة قد أثر سلبا على المردودية الإبداعية للجامعة في شتى المجالات. وللخروج من هذا الوضع لابد من النضال من أجل تعليم ديمقراطي شعبي عمومي جيد وموحد للجميع، ومن أجل بحث علمي يخدم الإنسانية ويساهم في تطوير البلاد ونموها وازدهارها. إن جائحة كورونا بينت أن التخلي عن قطاعيْ التعليم والصحة العموميين جريمة ضد الإنسانية يَجبُ التصدي لها.

  •  
  •  
  •  
  •