اليسار المغربي أمام أسئلة الوحدة وضرورة إعادة التأسيس


اليسار المغربي أمام أسئلة الوحدة وضرورة إعادة التأسيس*



● محمد الوافي

مر لحد الان نصف قرن من الزمن على بروز الحركة الماركسية اللينينية المغربية، أي مند بداية السبعينات من القرن الماضي إلى حدود الآن، وهذه الفترة الزمنية التي ليست بالقصيرة، تطرح بالضرورة تساؤلات على ما تم انجازه انطلاقا من التصورات والمهام التي أخدتها على نفسها تنظيمات هذه الحركة، ليس فقط قضايا النضال من أجل نظام سياسي ديمقراطي، بل تتوق في أفقه إلى بناء مجتمع تسوده الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إنها ليست فترة قصيرة كذلك للوقوف على مدى التقدم في إنجاز المهام الأساسية المباشرة في إطار سيرورة بناء الاداة السياسية ليس بالمعنى الضيق، بل المستوعبة لنظرية التغيير الديمقراطي انطلاقا من دياليكتيك الملموس، والخط السياسي والبرنامجي الذي بإمكانه الفعل في دينامية الصراع الطبقي بكافة مستوياته، على الصعيد الوطني وتفاعله مع المحيط الجهوي والدولي. وفي قلب هذه المهام أن تكون هذه الأداة الحزبية وعاءا عريضا لكافة المناضلات والمناضلين اليساريين على اختلاف اجتهاداتهم، تجمعهم مباديء أساسية مشتركة وتضبطهم قواعد العمل الديمقراطي في تدبير الاختلاف وتعدد الآراء.

مما لاشك فيه أن بروز حركة اليسار الجديد بالمغرب بمختلف تنظيماتها (23 مارس، إلى الأمام، لنخدم الشعب) قد شكل إضافة نوعية في الممارسة السياسية، سواء من حيث اسهاماتها في تطوير الحس الدفاعي الجماهيري وابداع أساليب جديدة من حجم الصمود والتحدي والتضحية بأغلى ما في الوجود، أي الحياة دفاعا عن القناعات والحق في ابداء الرأي والتعبير عنه، او من حيث بلورة اطروحات فكرية وسياسية خلقت ديناميكية في الحقل السياسي الوطني بتكسير المسلمات والطابوهات المكبلة لعملية التغيير الديمقراطي،

لقد ناضلت تنظيمات حركة اليسار الجديد في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد، وبحكم التطورات المتسارعة التي عرفها المغرب في تلك المرحلة: الانقلابان العسكريان 1971/72، حركة 3 مارس المسلحة، فضية الصحراء، انفتاح النظام على القوى السياسية الوطنية وانطلاق ما سمي بالمسلسل الديمقراطي… ناهيك عن إصرار السلطة السياسية المخزنية على اجتثاث تنظيمات اليسار الجديد وتصفيتها السياسية من المعادلة بحملات من الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات الصورية، التي لا تتناسب والاحكام التي صدرت عنها مع ما مارسته الحركة كفعل سياسي، إضافة إلى ذلك تشجيع النظام لجماعة الإخوان المسلمين في ممارساتها الإرهابية اتجاه اليسار … كل هذه الوقائع والتحولات، رمت بثقلها على النقاشات التي عرفتها تنظيمات الحركة سواء في علاقاتها الداخلية أو في العلاقات ما بين التنظيمات. ولن يتسع المجال هنا لاستعادة مجموع السجالات التي عرفتها الحركة في التعاطي مع هذه المتغيرات، لكن ما يمكن التأكيد عليه هو أنه بالرغم من تباين التقييمات ما بين التنظيمات، فيبقى قاسمها المشترك هو أنها بقيت محكومة بنفس البنية الفكرية والسياسية التي لم تكن في مستوى الإمساك بدينامية التحولات الجارية وبلورة المعرفة العلمية والرؤى السياسية الكفيلة بالفعل في مجريات الصراع الطبقي بمختلف ابعاده، الشيء الذي كان يتطلب مراجعة نقدية جذرية للتصورات والمفاهيم والفلسفة التنظيمية وبالجملة الممارسات الخاطئة التي عرفتها تلك المرحلة.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن النقاشات والتقييمات التي شهدتها الحركة نهاية السبعينات كان محطة خصبة كان بامكانها أن تشكل بوادر نهوض جمعي، خاصة أنها كانت تخترق كل التنظيمات ومحيطها، إلا أن منطق إعادة البناء الفصائلي وغياب الثقافة الديمقراطية في النقاش والجنوح إلى التصنيفات المجانية حال دون ذلك، وفي اقصى الحالات ممارسة الأساليب الستالينية في حسم الصراعات بالتكفير والتخوين. ومن تم انفراط العلاقات البينية الرفاقية وولوج كل تنظيم مساره الخاص. ولقد عكست مجلة “آفاق” التي كانت تصدر في باريس جزءاً من تلك المساهمات التقييمية النقدية من داخل السجن وخارجه.

ومن هنا يطرح السؤال ألا يمكن اعتبار أن منطق العلاقات العمودية دون العلاقات الأفقية بين التنظيمات تحول دون تحقيق الوحدة، وبالتالي فكل منظمة ترى في نفسها نواة الحزب الثوري المنشود؟

التجميع؟ محاولات وحدوية لم تكتمل

بعد المآلات التي عرفتها تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية في مسارها النضالي، من جراء الصراعات التي عرفتها وما نتج عنها من تشردم، سواء بالانسحابات من إلى الأمام او انقسامات 23 مارس ولاحقا الانشطار العمودي لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وخلق الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والناجمة عن الاختلافات في التصورات والبرامج، والملاحظة أن تلك الاختلافات انحصرت في قضايا الظرفية السياسية دون ان تطال الاهداف الاسترتيجية العامة، ولا الفئات والطبقات الاجتماعية المفترض الدفاع عنها والتعبير السياسي عن مصالحها والارتكاز عليها. ولا القضايا الايديولوجية العامة. فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن اليسار الجديد لا يمكن اختزاله فقط في تنظيماته حيث أصبح محيطا فكريا ونضاليا، يخترق جميع مجالات الحركة الجماهيرية، النقابية والثقافية والحقوقية وجمعيات المجتمع المدني، ولقد تبلور الوعي في تسعينات القرن الماضي، لذى العديد من المناضلين داخل هذه التنظيمات، بأن السبب الرئيسي لذلك النزيف يعود الى عدم التدبير الديمقراطي للخلافات، والحفاظ على الوحدة، كما لم تنجح مختلف التنظيمات في توحيد كافة مكونات اليسار الجديد، وهي التي طالما جعلت من شعار وحدة اليسار إحدى اولوياتها الكبرى.

وفي هذا السياق، ومع بوادر النهوض النضالي الذي عرفه عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث شهدت البلاد حركية سياسية من أجل تحقيق اصلاحات سياسية ودستورية من أجل تطوير النظام السياسي، في ظل تحولات كبرى تميزت بانهيار المعسكر الشرقي ومن ضمنه الاتحاد السوفياتي. والتحولات الديمقراطية في العديد من اقطار العالم، وانتشار خطاب وثقافة حقوق الإنسان، وانفراد الرأسمالية العالمية والإمبريالية الأمريكية بسيطرتها الاقتصادية والسياسية على العالم… كل هذه العوامل وغيرها شحذت عزائم المناضلين والمناضلات بنسج علاقات ولقاءات من أجل تنظيم فعلهم النضالي، ولقد عكست جراند الأفق، المواطن(ة) واليسار الديمقراطي هذه الدينامية، ففي يوليوز 1992 أصدرت مجموعة من مناضلات ومناضلي اليسار الجديد تشمل مختلف الحساسيات، “بيان من أجل الديمقراطية” لتكسير جدران الصمت والحصار في وقت كان لا مفر منه للتعبير عن الموقف بخصوص قضايا تهم مصير البلاد والشعب.

فقد عبروا عن تضامنهم مع ضحايا القمع والارهاب الذي استهدف المناضلين لخنق انفاسهم، وعن اهتمامهم بمبادرات التنسيق بين القوى الوطنية وخاصة إثر تاسيس “الكتلة الديمقراطية”، كما عبروا عن مواقفهم حول الشروط الضرورية، والقضايا التي حولها ينبغي فتح نقاش جماهيري واسع لصياغة الدستور، والمناخ اللازم توفيره مع الامكانيات التي بدونها تنعدم النزاهة فيما يتعلق بالانتخابات. كما اصدروا فيما بعد بيانا من أجل مقاطعة الاستفتاء على دستور 92.

وتواترت اللقاءات التشاورية وطنيا وجهوبا، عرفت عدة منعرجات من أجل خلق إطار سياسي موحد، لكن سيرورة النقاشات والتباينات ستفضى إلى ثلاث إطارات:

1_ الحركة من أجل الديمقراطية. كان منطلقها لقاء المحمدية في 5 نوفمبر 1995، وتضم في صفوفها مناضلين ومناضلات ينحدرون من مختلف التجارب النضالية: 23 مارس, إلى الأمام، لنخدم الشعب ومناضلين ديمقراطيين افرزتهم الحركة الجماهيرية. واعتبرت في اعلانها، أنها لا تنوب عن أحد، بل هي مبادرة ضمن مبادرات أخرى في اتجاه مؤتمر موحد لكل مكونات حركة اليسار الجديد حسب الصيغ التي ستتوفر من أجل توحيد التنظيم والفعل.

2_ النهج الديمقراطي، الذي تشكل كذلك بعد خطوة الحركة من أجل الديمقراطية نهاية 95، ويتشكل في اغلبيته من المناضلين والمناضلات المنحدربن من منظمة إلى الأمام ويعتبر استمرارا لها على المستوى السياسي والفكري.

3_ الديمقراطيون المستقلون، وبستوعب هذآ الإطار ما يعتبرونه امتدادا لمجموعات من حركة افرزت نفسها نهاية السبعينات (تجربة القاعديون في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) وهي من تجليات تأثيرات الحركة الماركسية اللينينية المغربية. وممارساتها كانت علنية جماهيرية.

رغم كل هذا فقد استمرت اللقاءات، وبلورة مشروع أرضية من طرف هذا الثلاثي مطروحة للمصادقة، إلا أن المستجد بعد وفاة الحسن الثاني واعتلاء محمد السادس العرش، هو انخراط ما سمي بالفعاليات اليسارية المتحلقة حول جريدة الميدان في هذه السيرورة (رغم أن اغلبهم اتخد مسافة من العمل السياسي، بل وعبروا قبل هذا التاريخ عن عدم رغبتهم المساهمة في هذه السيرورة) انطلاقا من رمزيتهم التي تؤهلهم من التواصل مع بعض رموز السلطة، بترديد مصطلحات تمتح من مقولة”العهد الجديد”، وقد كان حضوهم في لقاء بوزنيقة في 2001, الذي كان في الاصل يوما دراسيا للمكونات الثلاتة السالفة الذكر، نقطة تحول في تغيير اتجاه هذه السيرورة بتشكيل مختبر لامرئي لتسريع وتيرة الاندماج بين منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، الحركة من أجل الديمقراطية، الديمقراطيون المستقلون والفعاليات اليسارية بدون النهج الديمقراطي، وفق منطق سيتم العمل على تكريسه وهو “أن المهم هو التعبير عن إرادة الوحدة وأن المضامين السياسية لا تهم”.

وهكذا سيعقد المؤتمر الاندماجي لليسار الاشتراكي الموحد بعد عقد ندوة وطنية شكلية حول ورقتين سياسية وتنظيمية دون المستوى المطلوب ولم تؤخد بعين الاعتبار الملاحظات الجوهرية بشانهما. ناهيك عن تداعيات كل ذلك على الاطارات المساهمة وكان ابرزها انشطار الحركة من الديمقراطية إلى نصفين جزء مشارك وجزء غير مشارك والذي استمر بهذه التسمية إلى حدود 2005 وحلت نفسها وانخرط مناضلوها في الإطارات المحلية بعد اتصالات لحل هذآ الاشكال صونا للعلاقات الرفاقية والنظر إلى المستقبل. كما عرفت حركة الديمقراطيين المستقلين قبيل الاندماج انسحابات في صفوفهم وانتظامهم في “الخيار اليساري الديمقراطي القاعدي”

وفي نفس السنة أي 2005 سيحصل الاندماج الثاني بتجميع الهياكل التنظيمية مع جمعية الوفاء للديمقراطية (المنحدرة من الاتحاد الاشتراكي)، ووثائق كلا التنظيمين. والاساسي في هذا المؤتمر هو تغيير الاسم إذ أصبح الحزب الاشتراكي الموحد.
خلاصة القول هو أن نفس الممارسات الخاطئة التي من المفروض تجاوزها ما زالت تفعل فعلها وبالاخص تغليب المقاربة التنظيموية وتغييب الجانب الفكري والسياسي، بحيت عرف الحزب عبر عدة مراحل انسحابات غير معلنة كما أنسحب بشكل معلن أغلب المناضلين المعروفين برفاق “الثورة الهادئة” بعد عشر سنوات من العمل المضني والجهد المضاعف على عدة مستويات، تبين من خلالها خرق الالتزام بالقيم الرفاقية في العلاقات المبنية على الاحترام المتبادل والالتزام بقواعد الشرعية والمشروعية. كما بينت التجربة اشتغال الحزب بمنطق التكتلات السابقة عن الاندماج. وما يسمى بالاقرار بمبدا التيارات لا علاقة له بالواقع، ما يشكل عائقا أمام التطور الطبيعي المبني على صراع الافكار والبرامج.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المنسحبين منهم من شكل حزب اليسار الاخضر ومنهم من انخراط في حزب الأصالة والمعاصرة ومنهم من تقلد مهاما رسمية، مما يطرح اكثر من علامات الاستفهام حول الطريقة التي تمت بها عملية الاندماج.

فيدرالية اليسار الديمقراطي والاندماج المؤجل.

بداية تجدر الإشارة أنه تم التوقيع على ميثاق تأسيس تجمع اليسار الديمقراطي في يناير 2005 والذي يضم المؤتمر الوطني الاتحادي، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، اليسار الاشتراكي الموحد، النهج الديمقراطي والوفاء للديمقراطية، وفي 2007 قبيل الانتخابات سيتشكل تحالف اليسار الديمقراطي بين الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي، وسيتطور هذآ التحالف إلى مستوى فيدرالية اليسار الديمقراطي في يناير 2014 بعد المصادقة على وثائقه المرجعية المتمثلة في الورقة السياسية والقانون التنظيمي حيت تنفرد الفيدرالية بالتقرير في ثلاثة قضايا: مسألة الوحدة الترابية، المسألة الدستورية والانتخابات مع احتفاظ كل حزب باستقلاليته التنظيمية ووضعيته القانونية.

وتتكون الهيكلة التنظيمية للفيدرالة من الهيأة التنفيذية والهياة التقريرية والمجالس الجهوية بتمثيلية متساوية، وعلى الرغم من الملاحظات التي تم التعبير عنها في جولات النقاشات التي عاشتها هيئات كل حزب على حدة وعلى مستوى اللقاءات الجهوية والهيأة التقريرية للفيدرالة، إلا أنه لم تؤخذ بعين الاعتبار في الصياغة النهائية للوثائق المرجعية، وبقيت انعكاساتها تعبر عن نفسها ببعض التوثرات بين مكوناتها. كما أنه قد تم التأكيد على مدة زمنية لعملية الاندماج، لكن هذا الالتزام سيخلق توثرات وصراعات حادة حول زمن الاندماج ماقبل أو ما بعد انتخابات 2021.

يبقى أن هذه الجهود المبذولة على امتداد سنوات لم يواكبها فعل ميداني متواصل لخلق جسور التواصل بين المناضلين لاكتساب الثقة المتبادلة وتبادل الخبرات للاجابة على القضايا التي يفرزها الواقع. والمعضلة الأساسية والمسكوت عنه هو عدم مباشرة النقاشات حول القضايا الخلافية الايديولوجية والسياسية والفلسفة التنظيمية… ومن تم تبقى الخلفيات في ظل هذه الوضعية محكومة بصراع المواقع. على أن العملية الإندماجية لا يمكن ان تستقيم أذا بقي كل تنظيم حبيس تجربته الخاصة وهذا يتطلب اطلاق النقاش على مصراعيه عموديا وأفقيا حول القضايا التأسيسية الفكرية والسياسية والبرنامجية، للتمكن من تحديد مساحة ونسبة المتفق حوله وحجم الاختلافات.

كما أن الخطاب المسيطر حول الاندماج هو التبشير ببناء الحزب الاشتراكي الكبير (استنساخا لتجربة الحزب الاشتراكي الفرنسي!! إذ لا قياس مع وجود الفارق) وبالاستتباع توجيه هذا الخطاب لما يسمى بالطبقة الوسطى والغاضبين والمنسحبين من بعض الاحزاب الديمقراطية، ليس من شأنه إلا أن يندرج في منطق التجميع المحكوم بعقلية حسابية والذي لا يتعض من الاخفاقات السابقة، ناهيك وفق هذا الخطاب عن مطبات السقوط في اوهام التضخم الذاتي وبناء المشروع على انقاض الآخرين، وقد يكون هذا المنحى من بين القضايا الخلافية.

وعلى مستوى علاقة الفيدرالية بالنهج الديمقراطي، فتبقى في حدود التنسيق حول القضايا الحقوقية والاجتماعية، دون أن ترقى لمستوى التنسيق السياسي بدعوى تباعد المقاربات حول القضايا الثلاث التي تلتف حولها الفيدرالية.

النهج الديمقراطي وحوارات الماركسيين.

انطلاقا من المآلات التي عرفتها وتعرفها محاولات التجميع والاندماج بين بعض مكونات اليسار ومجريات الصراع السياسي والتحولات الجارية في المغرب، وبحكم العلاقات الرفاقية التي خبرتها المعارك الميدانية، تم تدشين حوارات وموائد مستديرة بين النهج الديمقراطي ومجموعات مناضلين ماركسيين، حول الضرورة الملحة لبناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين، باعتبار هذه المهمة كانت ضمن الأولويات التي تأسست من أجلها الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ومن ناحية أخرى فإن غياب التعبير السياسي للطبقة العاملة في واقع اليوم يجعل مآلات النضالات الشعبية رغم زخمها وطول نفسها، تنتهي إما الى الاحتواء من قبل السلطة السياسية، أو التوظيف السياسي من طرف الأحزاب في توافقاتها الفوقية مع هذه الأخيرة.

هذه المبادرة تطمح أن تكون شأنا لعموم الماركسيين المغاربة، والنقاش في إطارها يشمل عدة قضايا سواء تعلق الأمر بالمراجعة النقدية للتجارب السابقة، أو قضايا نظرية وسياسية، ومجريات الصراع الطبقي ببلادنا والتحولات الجارية عالميا وجهويا. مع الحرص على تعايش المقاربات المختلفة وتفاعلها، باختلاف وتعدد مقارباتها التكتيكية بتكريس الثقة المتبادلة وتلازم السياسة بالاخلاق، انطلاقا من الارتكاز الى بلورة مشروع التغيير الديمقراطي ذي الأفق الاشتراكي.

خلاصات نقدية.

ليس من المبالغة القول بأن أهمية المقاربات النقدية لتجربة خمسين سنة بعد بروز الحركة الماركسية اللينينية، تكمن في رصد مسار هذه التجربة بنجاحاتها واخفاقاتها، كما أنها تسلح الاجيال الصاعدة بالوعي النقدي لتلافي السقوط في نفس الاخطاء وتراكم الخبرات، وفي هذا السياق تندرج رؤوس أقلام هذه المساهمة مع العلم أن ملامسة هذه التجربة واسعة ومتشعبة ومن شأن هذه المراجعات النقدية أن تحفز قوى اليسار المساهمة المسؤولة في هذا الورش الذي يفرض نفسه على الجميع في أفق تملك وعي جمعي يحدث قطيعة مع الاخطاء النظرية والسياسية التي ما زالت تشكل عائقا لتصحيح الممارسة العملية المنتجة والفاعلة.

وليخطيء ظن من يعتقد أن المسار النضالي لهذه التجربة/الحركة الممتدة قد انتهى بفعل الضربات المتلاحقة التي سددها النظام الاستبدادي لتنظيماتها، فبفعل تجاوز تلك الضربات والصمود والروح الكفاحية لمناضليها ومناضلاتها في ارتباط مع باقي القوى الديمقراطية، تمكن المغرب من تحقيق العديد من المكتسبات وإقرار العديد من الحقوق وتوسيع مجالات الفعل النضالي.

لكن اليوم لا يمكننا أن نتجاهل أن العالم يعيش تحولات كبرى، والزمن السياسي يسير بسرعة، بفعل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، بما يعني أن زمن الالفية الثالثة يتطلب برنامجا جديدا وأدوات تنظيمية جديدة تتلاءم مع هذه التحولات الكبرى.
في هذا السياق تطرح القضايا التالية:

1_ إذا كان التعاطي مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان حقوقيا، وأفضى إلى بعض المكتسبات، فإن جوهر طي هذه الصفحة بعد إجلاء الحقيقة، مسألة سياسية بالدرجة الأولى، ما يتطلب محاكمة سياسية وأخلاقية لتلك المرحلة، لوضع حد لإعادة انتاجها بلبوس جديدة ، بما يعني حل إشكالية السلطة السياسية المتمحورة حول الملك. لكي يصبح التداول على السلطة وفصل السلط واقعا فعليا، عوض التناوب على التدبير الحكومي دون سلطة سياسية الجاري به العمل. أي وضع حد للاستبداد والفساد المخزني.

2_ لقد اصبحت الحراكات الشعبية واقعا جديدا، بدءا بحركة 20 فبراير وامتداداتها المجالية في العديد من مناطق ربوع الوطن وفي مقدمتها الحراك الشعبي بالريف، والحركات الاجتماعية (التنسيقيات الفئوية بمختلف مجالاتها، تنسيقيات “أكال” دفاعا عن الارض والثروة في منطقة سوس …), ولقد افرزت هذه السيرورات اصطفافين أو قطبين، الأول يتمثل في دينامية هذه الحراكات الشعبية والقوى المنخرطة فيها، والثاني يتشكل من القوى المنخرطة في النسق المخزني، وبالتالي فبرنامج التغيير الديمقراطي لا يمكن أن يتبلور إلا بالتمفصل مع هذه الحراكات الشعبية وتوحيدها حتى تتحول الى كتلة جماهيرية شعبية حاملة لمشروع التغيير الديمقراطي بتعبيراته السياسية.

3_ بارتباط مع ما سبق تطرح عدة تساؤلات حول العمليات الانتخابية، في وقت فقدت فيه المجالس المنتخبة مصداقيتها لذى المواطنين والمواطنات، باعتبارها اصبحت مرتعا للربع والفساد، وبالتالي اتساع نسبة العزوف عن المشاركة في الانتخابات. وهذا يطرح بالضرورة شرطا لا غنى عنه وذو ملحاحية ضاغطة، أي الاصلاح السياسي والدستوري بشكل مختلف جدريا عن التجارب السابقة.

4_ الأزمة العامة للنظام الراسمالي العالمي، وازدياد حدتها مع تفشي جائحة فيروس كورونا، وتداعياتها القيمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية… تؤشر بملامح تغييرات على الصعيد العالمي في كافة المجالات، وتفتح امكانيات للدول والشعوب للتحرر من الهيمنة والسيطرة الأمريكية وحلفائها، هذه الامكانيات لن تكون سهلة التحقق إلا بعد مخاض عسير.
5_ إن التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية على مر التاريخ، تاتي من صلب الازمات الكبرى، وفي هذا السياق يتطلب الأمر القيام بثلاث ثورات متمفصلة فيما بينها للمساهمة في هذه التحولات: ثورة سياسية، ثورة فكرية/ثقافية وثورة اجتماعية/اقتصادية. من هذا المنظور تتم عملية إعادة التأسيس بكافة ابعادها.

إنه خيار صعب، لكنه ليس بالمستحيل، بهذا المعنى يمكن النظر لما بعد خمسين سنة لبروز اليسار الجديد…

21 يوليوز 2020
محمد الوافي


* مساهمة ضمن ملف مجلة النهضة، عدد خاص، خريف 2020، شتاء 2021. حول:
اليسار الجديد في المغرب: قراءة في نصف قرن من التجربة.

النهج الديمقراطي: إستمرار وتطوير للحركة الماركسية-اللينينية المغربية

 

  •  
  •  
  •  
  •