في تطور أزمة النظام المخزني


في تطور أزمة النظام المخزني*

1) يعيش حوالي ثلثي الشعب المغربي (22 مليون نسمة) في الفقر والهشاشة بسبب السياسات المتبعة من طرف الكتلة الطبقية السائدة. ومن سقط في مستنقع الفقر يصعب عليه الخروج منه ومن أفلس من المقاولين الصغار يقول عنه والي بنك المغرب “الذي يجب أن يموت، اتركه يموت”. هذه هي عقيدة الافتراس، عقيدة الرأسمالية الهمجية وقد عبر عنها صاحبنا بوضوح منقطع النظير.

2) وأغرق النظام البلاد والشعب في المديونية، ولا يبدو أمل في الخروج من دوامتها الفتاكة. فالدولة، مستمرة في نفس الاختيارات التبعة، متجاهلة دروس الجائحة ومتطلبات مواجهة التحديات التي تفرضها، بل استغلتها لتوطيد دعائم السيطرة الطبقية والاستبداد والتبعية. فتمويل مخطط الإقلاع الاقتصادي الذي يكثف هذه الاختيارات في اللحظة الحالية، يتطلب استدانة غلاف مالي يقدر بحوالي 107 مليار درهم، تنضاف إليه 77 مليار درهم خدمة الديون لهذه السنة. ويمثل الغلاف الأخير حوالي 20 في المائة من نفقات الدولة وثلث المداخيل الضريبية. وبدل الرفع من النفقات، ركزت الدولة على التحكم في عجز الميزانية متحاشية أي إصلاح ضريبي يقوم على إقرار ضريبة تصاعدية على الثروة وعلى الإرث. ذلك أن إقرار إصلاح ضريبي من هذا النوع مرفوض من طرف لوبيات الاحتكار والريع الذين يمثلون أهم الدائنين على الصعيد الداخلي (التأمينات والأبناك على وجه الخصوص). والآن يستحيل الحديث عن السيادة الوطنية في ظل مديونية تقدر ب 92 في المائة من الناتج الداخلي الخام. ومصير بلادنا وشعبنا في يد المؤسسات الدائنة الخارجية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والداخلية التي تمثل مصالح البرجوازية الكبيرة التابعة.

ونتيجة هذه الاختيارات يوجد المغرب في وضعية تبعية غذائية مطلقة يستحيل معها الحديث عن السيادة الغذائية. فالمغرب يستورد حوالي 60 في المائة من القمح و أزيد من 50 في المائة من السكر و98 في المائة من الزيوت النباتية.

3) ولامتصاص النقمة الشعبية وتجديد قاعدته الاجتماعية، أطلق النظام مشروع الحماية الاجتماعية، تصوره الدعاية الرسمية على أنه ثورة. والواقع فان تمويله سيتم من خلال تصفية صندوق المقاصة وعلى الأرجح من خلال الزيادة في الاقتطاعات وفي السن الأقصى للتقاعد. أما المستفيدون الرئيسيون من هذا المشروع فهم المركب الصناعي للأدوية والقطاع الخاص الصحي وكذلك عدد محدود من الشركات الكبرى المتحلقة حول القصر.

4) نحن الآن بصدد دولة بوليسية مكتملة المعالم والبنيان وقد انفرد الجناح الأمني بممارسة السلطة. قمع مسترسل يطال كل الفئات المناضلة من عمال وكادحي الأحياء الشعبية وفلاحين كادحين وسكان قبائل بأكملها ومعطلين. وبالنسبة للطبقة العاملة فيتكالب عليها قمع عصابات الباطرونا وكلابها المدربة والقمع المباشر لأعوان الدولة وجهازها القضائي الفاسد. وقمع ممنهج لكل الأصوات المعارضة من صحفيين ومدونين ومناضلي الحراكات الشعبية والحركات الاجتماعية ومناضلي القوى الحية التي تسند تلك النضالات. ومنع يطال عددا لا يحصى من الهيآت المناضلة الوطنية والمحلية من وصولات الإيداع ومن استعمال القاعات العمومية والولوج إلى الإعلام العمومي والخاص. وزاد منسوب الطغيان خلال فترة الحجر الصحي التي طال أمدها.

5) ولترميم الواجهة الديمقراطية يستعد النظام لإجراء الانتخابات الجماعية والبرلمانية. وعند كل محطة تكرر الأمور نفسها في شكل مهزلة أحط من سابقاتها. وهذه المرة اكتشف منظرو البلاط فكرة القاسم الانتخابي القائم على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس الأصوات الصحيحة وهو إجراء موجه ضد حزب العدالة والتنمية. في جميع الأحوال أحرق المخزن كل أوراقه. فالعدالة والتنمية سواء ترأس الحكومة المقبلة أو كان مشاركا فيها أو في المعارضة الرسمية فقد اندمج كليا وفقد شعبيته بسبب سياسات التقشف التي ساهم فيها بحماس وبسبب التوقيع على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني ودفاعه عنها. والتجمع الوطني للأحرار يتزعمه ملياردير ضعيف الخبرة السياسية وقد تلقى صفعة قوية في حملة المقاطعة الشعبية لشركات إفريقيا ودانون وسيدي علي. وعموما كل الأحزاب الملتفة حول القصر ضعيفة لدرجة الهزال وليس لها أي اعتبار لدى الشعب المغربي. لذا فان مقاطعة الانتخابات ستكون بالفعل عارمة، وما سيتمخض عنها سيكون من دون شك فأرا.

6) لا زال النظام يغرق في رمال قضية الصحراء ولم يغير في شيء التحاقه بالاتحاد الإفريقي كما لم ينفع في شيء اعتراف ترامب بسيادة المغرب عليها. فالرئيس بايدن لم يلغي قرار سلفه ولكن لا يتصرف على ضوئه. والأمم المتحدة تعتبر الصحراء الغربية منطقة في طور تصفية الاستعمار والدولة تدخل في مشاحنات وأساليب بلطجية مع دول كبرى مثل اسبانيا وألمانيا كالتشجيع على الهجرة الجماعية دون أن تربح ملفا واحدا. والمجهود المخصص لهذا الملف يكلف بلادنا الكثير: 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام لارشاء النخب المحلية والدولية و 3 في المائة نتيجة إغلاق الحدود مع الجزائر و 5 في المائة كلفة الجيش بينما متوسط هذه الكلفة عالميا هو 3 في المائة أي في الإجمال يكلف هذا الملف بلادنا على الأقل 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا.

7) استأسد النظام المخزني واختار تخليد اليوم العالمي لحقوق الإنسان بتوقيع اتفاقية التطبيع مع العدو الصهيوني يوم 10 دجنبر 2020. ومن سوء حظه تأسست الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع كفرز وسط الحركة الداعمة للشعب الفلسطيني، ومن سوء حظه أيضا اندلعت الهبة الفلسطينية من القدس لتشمل كل مكونات الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده واشتعلت المقاومة المسلحة التي أبانت عن مقدرات نوعية جديدة واندلعت مظاهرات حاشدة في مختلف بقاع العالم وفي بلادنا ضد الصهيونية وضد التطبيع لم يقدر القمع على صدها نظرا لحجمها وتصميم المشاركين فيها ونديتهم، ليتضح للجميع أن التضامن مع الشعب الفلسطيني اليوم، يصب مباشرة في مواجهة المخزن والرأسمال المحلي الكبير الذي يطمح للدخول في شراكة من موقع التابع مع الرأسمال الصهيوني والخليجي ولكن فوائد ذلك على الاقتصاد المغربي ستكون هزيلة للغاية عكس ما تروج له الدعاية الرجعية.

8) خلاصة القول هو أننا نتجه في الإجمال نحو أزمة ثورية بالنظر 1) لتفشي حالة البؤس وسط الشعب و 2) نضالات واسعة لكل الفئات الشعبية التي ما عادت تقبل العيش في مثل هذه الشروط و لكن 3) التناقضات في القمة لازالت مستقرة ومن شأن توسع وتوحيد النضالات الشعبية مفاقمتها و4) غياب لحد الآن قيادة موحدة وحازمة للنضال الشعبي لإسقاط المخزن وبناء نظام ديمقراطي ولكنها في نظري مسألة وقت قبل زحف الربيع.

* معاد الجحري (نشر في جريدة النهج الديمقراطي عدد 411)
19 ماي 2021.

  •  
  •  
  •  
  •