ما بين نكبتين

ما بين نكبتين




وسام-زغبر ما بين نكبتين

بقلم وسام زغبر: مدير مكتب مجلة الحرية في قطاع غزة وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين





في الخامس عشر من أيار «مايو» يحيي الشعب الفلسطيني الذكرى السادسة والسبعين للنكبة الفلسطينية. حيث دمرت «إسرائيل» خلال النكبة الفلسطينية في العام 1948 أكثر من 500 بلدة وقرية فلسطينية وارتكبت عشرات المجازر بحق الشعب الفلسطيني ومارست بحقه جرائم الإبادة والاقتلاع وحرب التهجير من أرضهم لتحولهم إلى لاجئين في قطاع غزة والضفة الفلسطينية والقدس إلى جانب دول الجوار وفي المهاجر والمنافي.

ففي العام 1948 ارتكبت الحركة الصهيونية حرب إبادة بحق الشعب الفلسطيني بدعم وإسناد من عدد من الدول الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وفق خطة «دالت» المرعبة، والتي بموجبها وضع قادة الحركة الصهيونية المواد المتفجرة في أساسات البيوت لتدميرها حتى يفقد أصحابها أمل العودة إليها.

من الواضح أن النكبة الفلسطينية عام 1948 جرت في ظروف غير عادية، حيث استغل قادة الحركة الصهيونية نتائج الحرب العالمية الثانية وما آلت إليها وبكل ما حملت من مآسي وألام، ومجازر الوحش النازي لتمرير مخططاتهم في استعمار جزء كبير من أرض فلسطين.

وبالرغم من تباهي قادة الحركة الصهيونية بالمجازر وجرائم الإبادة والتطهير العرقي والترانسفير بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن قادة العالم والرأي العام العالمي لم يحركوا ساكناً ولم يدينوا هذا السلوك الإجرامي. حيث وجه دافيد بن غوريون رسالة للعصابات الصهيونية التي نفذت عشرات الجرائم ومنها مجزرة دير ياسين التي وقعت في التاسع من نيسان (إبريل) عام 1948، وصف فيها احتلال بلدة دير ياسين بالانجاز التاريخي، قائلاً «تقبلوا تهانينا بهذا النصر المدهش، انقلوا إلى الجميع، أفراداً وقادة، أننا نصافحهم ونفتخر بروحهم القتالية الغازية التي صنعت التاريخ في أرض إسرائيل، وإلى النصر، كما في دير ياسين كذلك في غيرها، سنقتحم ونبيد العدو، ربنا لقد اخترتنا للفتح»، فيما قال مناحيم بيغن «بدون دير ياسين ما كان ممكناً لإسرائيل أن تظهر للوجود»، فيما وصف اسحاق شامير المجزرة بأنها كانت «واجب إنساني».

رغم المجازر والجرائم الإسرائيلية التي جرت عام 1948 أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي، ورغم مشاهد وروايات التهجير القسري والصورة النمطية الراسخة في عقول الفلسطينيين، والتي أدت في نهاية المطاف إلى استعمار نحو 80% من أراضي فلسطين وإقامة دولة الاحتلال الاستعماري الكولونيالي الاستيطاني، إلا أن مجرمي الحرب الصهاينة بقوا دون حساب أو عقاب، ما دفعهم لاستمرار جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني.

ما أشبه اليوم بالبارحة، وإن كان ما يحدث اليوم في قطاع غزة ويعيش شعبنا الفلسطيني فصول نكبة فلسطينية جديدة بشكل أكبر وأكثر فظاعة وتقتيلاً وتدميراً ما جرى في العام 1948. حيث يواصل قادة الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين أول «أكتوبر» 2023 والتي أودت بحياة نحو 130 ألف فلسطيني من بينهم أكثر من 35 ألف شهيد وأكثر من 12 ألف مفقود وأكثر من 78 ألف جريح، إضافة لنحو 4000 معتقل يتعرضون للإخفاء القسري، إلى جانب مواصلة سياسات التقتيل والتهجير والتجويع والتعطيش والتدمير، وجعل قطاع غزة مكاناً غير آمن وغير صالح للسكن والعيش والحياة.

إن ما يمارسه ويخطط له قادة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني هو «خطة دالت» بصيغة جديدة أكثر رعباً وترهيباً بتدمير المنازل والبيوت والمصانع والبنى التحتية والجامعات والمدارس والجامعات ودور العبادة سواء بوضع المتفجرات أسفلها أو قصفها من الطائرات الحربية والمدفعية الإسرائيلية لتسويتها بالأرض أو حرقها، حتى يفقد أصحابها أمل العودة إلى بيوتهم رغم منع قوات الاحتلال أبناء شعبنا من النازحين في جنوب ووسط قطاع غزة من العودة إلى منازلهم في شمال القطاع.

ورغم شواهد النكبة الفلسطينية الجديدة، وعدم انصياع «إسرائيل» الدولة القائمة بالاحتلال للأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية والتي دعت لوقف لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، والتهديدات التي طالت المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام كريم خان بعد ورود معلومات عن نية المحكمة اصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة حربه، والتي تعد بلطجة إسرائيلية واستهتار بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، إلا أن شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة ما زال صامداً في قطاع غزة يقاتل بكافة الأشكال متصدياً للعدوان الإسرائيلي الغاشم وجرائم الإبادة والتطهير العرقي رافضاً مشاريع التهجير والاقتلاع، متجذراً بأرضه وحقوقه الوطنية المشروعة بما فيها حقه في تقرير المصير وعودته إلى دياره وديار آباءه وأجداده التي هُجر منها في العام 1948، مدحضاً المقولة الإسرائيلية «الكبار يموتون والصغار ينسون».

هذا الصمود والنضال الفلسطيني المبهر الذي يصل إلى درجة الاعجاز ما كان له أن يتحقق لولا تضافر جهود وتضحيات ثالوث المقاومة ووحدة الشعب وصمود المجتمع، ولكن دعم وإسناد هذا الصمود والنضال الفلسطيني نحو النصر المؤزر وتحويل فشل العدو في إنجاز أي من مخططاته إلى هزيمة، بات معلقاً على تقدمنا نحو انجاز شرطين متلازمين هما «الوحدة والمقاومة» أي الوحدة الداخلية على قاعدة مشتركة لحركة التحرر الوطني واضحة المعالم مؤسسياً ومحددة الأهداف برنامجيًا، واستمرار المقاومة وتصعيدها بكل الأشكال والصيغ المتاحة. فما نحن بصدده هي حرب متدحرجة إن توقفت لفترة فسوف تستأنف وإن دارت رحاها في مكان ستنتقل إلى أماكن أخرى.

إن فشل مشاريع الاقتلاع والتهجير وتحرك الرأي العام العالمي في العواصم الغربية وفي الجامعات الأوروبية والأميركية ضد جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، دفع الدوائر الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لطرح عدد من السيناريوهات والمشاريع لما يسمى «اليوم التالي للحرب» بناءً على افتراض هزيمة المقاومة وتسليم سلاحها ونفي قادتها وقادة الحركة الوطنية إلى خارج قطاع غزة، وسقوط خيار الصمود وتركيع الشعب الفلسطيني وتدمير إرادته الوطنية، ومنها السيناريو الإسرائيلي الذي توزع ما بين احتلال إسرائيلي دائم في قطاع غزة وإقامة المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، أو إعادة انتشار القوات الإسرائيلية الغازية في حزام أمني يستقطع أجزاء واسعة على طول الحدود الشمالية والشرقية للقطاع واستمرار فصل شمال القطاع عن جنوبه ووسطه مع استمرار الحصار البحري والرقابة الجوية، إلى جانب تداول الدوائر الغربية مشروع إعادة الانتداب الاستعماري أو فرض الوصاية الغربية أو العربية على قطاع غزة، لذلك إن مستقبل غزة وآية بقعة من أرض فلسطين تحدده المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.