الإمكانات المتاحة لليسار ومساحات فعله السياسي المتوقّعة ما بعد وباء كورونا


الإمكانات المتاحة لليسار ومساحات فعله السياسي المتوقّعة ما بعد وباء كورونا


• مقدّمة لا بدّ منها:

من المتوقّع أن حياة البشر لن تكون على نفس صورة الحياة ما قبل وباء كورونا، وأن النظم الاقتصادية وبُنى العلاقات الاجتماعية وأطرها وسياقاتها التواصليّة لن تستقرّ على حالها التقليدية المعتادة وأنّ وباء كورونا الذي هزّ العالم بسرعة انتشاره وتمكّنه وخلقه لاضطراب غير مسبوق في حياة البشر ووعيهم وقدرتهم على تمثل وفهم ما يحدث…، من المتوقع أن ذلك سيؤدي بلا شك إلى حدوث تغيرات حاسمة وفارقة ستضطرّ البشر لإعادة النظر والتفكير، تحت وقع الخطر وهاجس الخوف وفقدان الثّقة في نمط الحياة ذاته، وفي ما يمكن أن يكون مستقبل البشر على الأرض بعد وباء كورونا وما يتّصل بتداعياته.

في هذا السّياق قد تكون الأسئلة ذاتها جهدا مُربِكا على قدر عمقها ووجاهتها وامتدادا آخر لحرب غير معهودة يخوضها البشر لتثبيت حقّ البقاء أمام الخطر المميت، أسئلة تتعلّق بكلّ ما راكمته الإنسانية من مدنية ومعارف وقيم وتكنولوجيا ونظم اقتصادية واتصالية وأشكال تنظيم للحياة الاجتماعيّة. ومدار الأسئلة ها هنا هو حصيلة ما حقّقته البشرية على مرّ التاريخ من ناحية أولى والمنظومة الاقتصادية والقيميّة التي تحكم العالم من ناحية ثانية، وهي بالنّهاية أسئلة محرجة ومستفزّة ومخيفة في آنٍ قد تذهب بالعقل البشري إلى مداه الأقصى وقد تضع البشر في موضع التفكير في ما استقرّ في عقولهم بديهيّات وخيار نهائي للحياة البشرية.

• الأزمة المركّبة للنظام الرأسمالي المعولم وتداعيات وباء كورونا:

إن هذا النّسق التصاعدي الدّراماتيكي لوباء الكورونا وسرعة انتشاره في جغرافيا العالم من جهة والإفلاس التدريجي للنظام الرأسمالي المعلوم وعجزه عن إيجاد التّدابير الاقتصادية والمالية والصحيّة والسياسية بكل ما يملك من إمكانيات مالية وتقنية ورصيد تاريخي في صناعة الحرب وإدارتها واختيار اللحظة الملائمة لخوضها وحتى حسم نتائجها، يكشف للإنسانية في كل بقاع العالم أن الليبرالية المتوحّشة هي الوجه الأهم لهمجية العصر وهي الشر الأكبر الذي صنع فراغا قيميا وكرس الفردانية وباعد بين الدول والبشر وأمات الحسّ الإنساني. رأسمالية متوحشة تصنع الفقر والأوبئة والموت وتُفسِد البيئة بقدر مراكمتها للثّروة وتدجين الوعي وتزييفه وجعل التّفاهة ملاذا والوهم بديلا للحقيقة.

إنّ وباء كورونا الذي اكتسح العالم وتسبّب في وفاة عشرات الآلاف من البشر وفرض على مئات الملايين منهم وضع الحجر الصحّي وأدّى إلى حالة واسعة وقصرية من العطالة للعمّال والأجراء وأحدث حالة من الهلع والخوف والقلق الاجتماعي. إن هذا الوباء الذي أربك حياة البشر، مثّل دافعا موضوعيا لإعادة التفكير في الرأسمالية كنمط للإنتاج وتوزيع الثروة وسياسة لحكم البشر وتصريف الشأن العام وشرّع لطرح أسئلة جديدة/قديمة حول ما يمكن أن تقدِّمه الرأسمالية للبشر في عصرها الأكثر همجيّة وبربريّةٍ.

وبِصرْف النظر عن البلدان التي يحكمها نظام رأسمالية الدولة على مستوى هيكلة الاقتصاد ونظام الملكية وتصريف الخدمات الاجتماعية (وهي الأنظمة التي أثبت نجاعة أكبر في التّعاطي الصحّي والوقائي مع وباء كورونا، إلى جانب ما يصنّف أنظمة اشتراكية مثل كوبا أو ديمقراطية اجتماعية…)، وبصرف النظر عن الإجراءات الاستثنائيّة التي بموجبها تمّ تحويل جزء من الجهد الإنتاجي الصناعي للشرّكات الكبرى لتوفير مستلزمات العلاج والوقاية كما هي الحال بالنسبة لجنرال موتورز في الولايات المتحدة الأمريكية أو بيجو ورينو في فرنسا إضافة إلى تأميم الخدمات الصحّية في بعض بلدان العالم، بصرف النظر عن كلّ ذلك، فإن التداعيات الاجتماعية والنفسية لهذا الوباء إلى حد الآن كشفت عن تدنّي الخدمات الصحّية وفقدانها النّجاعة المطلوبة في مواجهة الوباء. كما أنها كشفت من جهة أخرى عن حالة السّقوط الأخلاقي لبعض الأنظمة والتجائها إلى قرصنة مواد صحّية موجّهة إلى دول أخرى.

هذه الأزمة مركّبة لأنها تصل بين أبعاد متنوّعة سابقة لوباء كورونا من جهة (تجذّر الحركات الاحتجاجية الاجتماعية المقاومة، الصّراعات الإقليميّة على مصادر الطاقة ومراكز النّفوذ الامبريالي وتصريف منتجات الصناعات الحربية، مخاطر الإرهاب والأصوليّات الدينية، مشكلات البيئة وما يرتبط بها من عبث بالطبيعة…) وعجز عن التعامل مع الأزمة التي خلقها الوباء بما يعنيه ذلك من فقدان المنظومة الرأسمالية المُعولمة لشروط استمرارها وقدرتها على إدارة الأزمة واحتواء استتباعاتها الكارثيّة المتوقعة.

• مساحات الفعل السياسي المتاحة لقوى اليسار الوطني والعالمي ما بعد وباء كورونا:

إن اليسار العالمي في الألفيّة الجديدة، على تنوّع مرجعيّاته وأطره الفكرية والأيديولوجية ورصيده من تجارب الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي والبيئي، لن يكون في وضعيّة أفضل وأكثر ملائمة لاختبار نجاعة تصوّراته وبدائله الاقتصادية والاجتماعية أكثر ممّا هو متاحا له راهنا. وإن كان ثمة بديلا ممكنا لإنقاذ البشرية من توحّش الرأسمالية فلن يكون هذا البديل غير الاشتراكية التي تكرِّس ديمقراطية شعبيّة واسعة لحقوق الإنسان وتعدّل في توزيع الثروة بين البشر وتحافظ على سلامة البيئة وتحترم التنوّع العرقي والإثني والثقافي وتحقّق تضامنا إنسانيا أمميا.

إن الإنسانية، كما اليسار، مطالبان بتمثّل ما قالته روزا لكسمبورغ “إمّا الاشتراكية أو البربرية” قولا وفعلا وبرنامجا وسلوكا في مساحات اجتماعية واسعة للفعل السياسي اليوميّ وضمن ديناميكية مقاومة متنوّعة الأبعاد والأطر والأهداف والجبهات التقدّمية المحلية والإقليمية والعالمية تستفيد من أزمة الرأسمالية وتجْبِر النظام الرأسمالي على تقديم أكثر ما يمكن من التّنازلات لمراكمة الانتصارات.

بعيدا عن الأحكام الأيديولوجية القطعية/الصارمة على ما يمكن أن يصنع مستقبل البشرية، ما بعد وباء كورونا، وفي ضوء الأزمات المتلاحقة للرأسمالية وعجزها الملحوظ عن إيجاد الحلول لإدارة أزماتها إلى ما لانهاية، وأخذا بعين الاعتبار تنامي الوعي الجماهيري وتمترسه في سياق مقاوم (على مدى العالم) للمنظومة الرأسمالية لخدمات صحّية غير عادلة بين البشر وتكريسا لحقّ الإنسان في الحياة أينما كان وأيّا كان موقعه الطبقي، فإن مستقبل البشرية سيكون في ارتباط جدلي/مفصليّ بتحوّلات جذريّة يجب أن تمسّ اليسار فكرا وممارسة، تحوّلات تنقذه من انغلاقه السّياسي والاجتماعي والتنظيمي ومن تسيّد الممارسة الفوضوية والشعبوية والبرجوازية الصغيرة الانتهازية اليسراوية المغامِرة، التي طغت لوقت طويل على الفعل السياسي اليساري وأدّت بالمحصلة دورا مركزيّا في إضعاف دوره و وقدرته على إنجاز مهمّاته التاريخية.

إنّ اضطلاع اليسار العالمي بمهمّات التّغيير الاجتماعي وتحوّله التدريجي إلى بديل واقعيٍّ مالك لشروط فعله واستمراره يفترض مجموعة من الشّروط الأساسية التي تشكّل في مجموعها المرتكزات الموضوعية والذاتية لتغيير موازين القوى الطبقيّة والسياسية في خارطة العالم وإعادة تموقع اليسار بأكثر نجاعة. ومن ضمن هذه الشروط:

– مراجعات نقدية سياسية تنتهي إلى وضع ضوابط نظرية وقيمية صارمة للممارسة السّياسية الديمقراطية التشاركية تقطع مع الانغلاق والدوغمائيّة والممارسة الشّمولية.
– مراجعات لأشكال التنظّم والتنظيم الحزبي وصيغ التّنسيق الإقليمي، القومي والأمميّ لحضور اليسار محلّيا وعالميا تجعله أكثر انغراسا وانتشارا جماهيريا وقُرْبا من المواطنين وتعبيرا عن مصالحهم الطبقية الآنية والإستراتيجيّة.
– القطع مع الأطروحات التي تقوم على ثنائيّة المركز والأطراف وتسيد فكرة النموذج المركز/المرجع (كالأورو-شيوعيّة…) بما يعنيه ذلك من التأسيس لفكرٍ يساريٍّ متنوّعَ الرّوافد يقوم على التفاعل المتكافئ بين التجارب اليسارية المختلّفة خارج تحديدات التّمايز والتّفاضل والاستنقاص من قيمة التّجارب اليسارية المختلفة.
– توسيع مجال الفعل السياسي الاجتماعي اليساري اليوميّ وتنويع مجالاته وأطره (ثقافة، بيئة، فنون، آداب…) في جهدٍ منسّق ومراكمة فكرية وعملية وضمن استراتيجيّة بناء ومقاومة كفاحيّة تشاركيّة تطرح البدائل وتفعّلها بآليّات ملائمة وأكثر نجاعة.
– الاستفادة من ثورة الاتّصالات والمنظومة الرقمية الافتراضية والتدفّق اللامتناهي للمعلومات والمعطيات ضمن استراتيجية موجّهة لتشبيك العلاقات وتطوير السياسة الاتّصالية لليسار ونفاذ خطابه وأفكاره وبدائله إلى أغلب البشر.
– تبسيط الخطاب السّياسي في لغة مفهومة وقابلة للاستساغة والتمثّل والفهم والتداول دون تسطيح أو ابتذال.
– إنشاء مراكز دراسات ومخابر بحث في الاختصاصات المتنوعة (اقتصاد، سياسة، أدب نظري وسياسي، علوم الاتصال، فنون، تراث تنويري…) ذات علاقة بالتوجّهات السياسية.
– خلق جبهات نضال واسعة للقوى التقدمية (اليسار بمختلف تشكيلاته ورؤاه الاقتصادية والاجتماعية، اليسار البيئي، اليسار الديمقراطي الاجتماعي، القوى القومية، الأقليات العرقية والثقافية…) ذات مهام محددة وأهداف معلومة تضع في طليعة أولويّاتها إنقاذ الشّعوب والإنسانية عامة من كلّ الأخطار التي تتهدّد وجودها.

سيتبع هذا المقال لاحقا بمقال آخر حول مهمّات اليسار التونسي ما بعد وباء كورونا.

علي بنجدو/ناشط يساري مستقل


  •  
  •  
  •  
  •