معاناة الأسرى الفلسطينيين مع المخاطر المستمرة في السجون

  • الإثنين 27 ابريل 2020 | 01:58 م

كشف تفشي وباء كورونا وانتشاره في مساحة واسعة من العالم وحجم الضحايا والإصابات الكبير، حجم المخاطر الواقعة على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، خصوصاً بعد إجراءات الاحتلال المفاجئة بمصادرة 140 صنف من الحاجات الأساسية للأسرى من الكانتينا وخصوصاً مواد التعقيم والنظافة، وتزامن معها استمرار في سياسة الإهمال الطبي خصوصاً لعشرات الأسرى المرضى وكبار السن الذين يعانون من ظروف صحية صعبة، وعدم اتخاذ إجراءات السلامة والوقاية الاحترازية من المرض داخل السجون، ما يؤكد وجود نية صهيونية ممنهجة ومبيتة بتنفيذ سياسة إعدام بطيئة بحق الأسرى.

ويعاني الأسرى في سجون الاحتلال من أوضاع معيشية صعبة، وحملة استهداف متواصلة من قبل إدارة مصلحة سجون الاحتلال ومخابراته، اشتملت حرمانهم من أبسط شروط الحياة، وسحب كل إلانجازات التي حققتها الحركة الأسيرة خلال معارك نضالية سابقة خاضتها مع الاحتلال. وتعتبر سياسة الإهمال الطبي التي يمارسها الاحتلال، من أكثر جرائم الاحتلال خطورة وتهديداً لحياة الأسرى، وخصوصاً في ظل الأزمة الراهنة، فضلاً عن سياسة الاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، والمداهمات الليلية للأقسام من قبل وحدات القمع الإرهابية، والمنع من الزيارة، فضلاً عن تصاعد سياسة التعذيب للأسرى داخل زنازين التحقيق.

بلغ مجموع أعداد الأسرى في آخر إحصائية أكثر من 5000 أسير، منهم حوالي 540 أسير من ذوي المحكوميات العالية، و 425 معتقل إداري، وحوالي 200 طفل، و45 أسيرة.

وتوضيحاً لما سبق، يمكن تلخيص أبرز عناوين الهجمة التي تشنها إدارة السجون خلال السنوات الأخيرة بالتالي:

أولاً/ سياسة العزل الانفرادي حيث يتواجد عشرات الأسرى داخل زنازين العزل الانفرادي في ظل ظروف حياتية مشددة، وهذا ما يجعل عنوان العزل أحد أهم المطالب الهامة الراهنة لعموم الأسرى. مع الإشارة إلى أن الأسير المعزول تُمنع الزيارة لعائلته أيضاً، مما يجعله في حالة انقطاع تام عن العالم الخارجي.

ثانياً الزيارات العائلية والتي يتم استهداف فيها عائلات الأسرى من أجل الضغط على أبنائهم، ومن ضمن الإجراءات التي يتعرضوا لها عدم إصدار تصاريح لعائلات الأسرى وتمزيق تصاريحهم على الحواجز، وهو إجراء أخير تصاعد خلال الأشهر الأخيرة وطال غالبية عائلات الأسرى، هذا إلى جانب قرار الصليب الأحمر بتقليص الزيارات من مرتين شهرين إلى واحدة، واستخدام سياسة منع الزيارات لإجراء عقابي ضد الأسرى، ومجمل هذه الإجراءات تعبّر عن سياسة تهدف إلى عزل الأسرى وقطع تواصلهم مع عائلاتهم ومحبيهم ومجتمعهم وتحويل الزيارات إلى فعل موسمي مرتبط بتصحيح أمني يصدر لأحد أبناء العائلات مرة واحدة.

ثالثاً/ المداهمات الليلية للغرف والأقسام بحجة التفتيش، ونقل أقسام كاملة كما حدث هذا العام بسجن (نفحة ورامون وإيشل ومجدو)، بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار لدى الأسرى، في ظل استمرار سياسة نقل الأسرى، فضلاً عن المداهمات الدائمة للغرف باستخدام وحدة القمع “الماتسادا” كما حدث في (نفحة وجلبوع) هذا العام.

رابعاً/ سياسة الإهمال الطبي المتعمد وبالأخص ضد الأسرى المرضى المتواجدين فيما يُسمى عيادة سجن الرملة، والمعزولين فعلياً عن باقي الأسرى يعانون من ظروف حياتية صعبة، بالإضافة إلى اهمال العلاج وإجراء العمليات وعدم السماح بأطباء مختصين من خارج جهاز إدارة السجون بمعالجة الأسرى، ورفض مطلب الأسرى بنقل المسؤولية عن الجهاز الطبي لوزارة الصحة، والتعامل مع هذا الملف على أساس الموازنة والتوفير، وازدياد عدد الأسرى الذين يعانون من أمراض مزمنة، وإصرار إدارة السجون على إبقاء أجهزة التشويش التي تحيط بالأقسام المتواجد لها الأسرى بحجة وجود هواتف خلوية وما تلحقه الموجات الصادرة من الأجهزة من ضرر صحي. وفي الآونة الأخيرة، وبعد تفشي مرض كورونا في العالم أجمع، يماطل الاحتلال في اتخاذ الإجراءات الاحترازية لحماية الأسرى من المرض، خاصة المرضى ما يعرض حياتهم للخطر.

خامساً: استمرار تركيب أجهزة التشويش وأضرارها الخطيرة على أوضاع الأسرى الصحية، فضلاً عن رفض السماح للأسرى باستخدام الهاتف، حيث المطلب الدائم للأسرى هو تركيب هواتف عمومية تكون تحت مراقبة إدارة السجون للأسرى، حتى يتمكنوا من التواصل مع أبناء عائلاتهم، وبالأخص أن المسموح لهم بزيارة الأسير حالة إصدار تصريح له هو قريب درجة أولى فقط، ومنذ سنوات إدارة السجون تتحدث عن نظام تلفوني جديد تحت التجربة ويمكن مراقبته أكثر. وخلال الفترة الأخيرة كانت ردودهم واضحة أن هذا الموضوع يبحث على المستوى الحكومي، وبعد ذلك رفضته نهائياً، ورغم تحقق هذا الطلب في الإضراب الأخير إلا أنه لم ينجز حتى الآن.

سادساً/ البوسطات والعذاب اليومي الذي يتعرض له الأسرى أثناء النقل بين السجون، من وإلى المحاكم والمستشفيات، حيث يخوض الأسير رحلة من الجحيم لساعات طويلة، وترفض إدارة السجن تحسين البوسطة وتقييد مصالح هذا عدا عن الاعتداءات المتواصلة من وحدة النحشون على الأسرى الذي يجري نقلهم في هذه البوسطة.

سابعاً/ عذابات الحياة اليومية للأسرى، حيث تطالهم جوانب عدة من الممارسات والإهمال سواء لظروف معيشتهم داخل الغرف، ما يستوجب توفير شروط صحية ملاءمة بالحد الأدنى لهم.

ثامناً/ الكانتينة والسرقة والاستغلال الذي يتعرض له الأسرى من خلال أسعار المواد الغذائية السياحية، وتحويل كل الأساسيات التي يحتاجها الأسير إلى مواد تتم شراؤها عبر الكانتينة من (أحذية ومواد تنظيف وغيرها …)، بعد توقف إدارة السجون عن تحمّل مسؤولية توفير المواد الأساسية للأسرى منذ عام 2004، وتسليم كانتينة السجون منذ سنوات لشركة تمويل خاصة، بمعنى جعل الأسير أيضاً مستغلاً عبر شركات الاقتصاد والسوق. وفي الأيام الأخيرة، قامت إدارة مصلحة السجون بمصادرة 140 صنف من الاحتياجات الأساسية من الكانتينا، وفي المقدمة منها مواد غذائية أساسية مثل اللحوم والأسماك والخضار والفواكه، فضلاً عن مواد التعقيم والتنظيف.

تاسعاً/ سياسة الاعتقال الإداري، والتي تستهدف مئات الأسرى، وهناك خطر أن يتم تحويل الأسرى إلى الاعتقال الإداري بعد انتهاء فترة محكوميتهم، كما حدث مع عشرات الأسرى بعد انتهاء مدة محكوميتهم، حيث أصبح الاعتقال الإداري أحد العناوين المتعلقة بالمواجهة.

عاشراً/ أوضاع الأسرى الأشبال وما يتعرضون له من تضييق وعقوبات وحملة تنقلات متواصلة تسارعت وتيرتها في الأيام الأخيرة.

الحادي عشر/ استمرار اعتقال عشرات الأسيرات في ظروف اعتقالية صعبة، وحرمان عدد منهن من الأمومة أو من التعليم، فضلاً عن تكريس سياسة الإهمال الطبي بحقهن وعدم توفير الرعاية الضحية اللازمة لهن، فضلاً عن جريمة تركيب كاميرات في أقسامهن، في اعتداء إجرامي ووقح على خصوصيتهن.

الثاني عشر/ استمرار العقوبات المفروضة عن جزء من الأسرى منذ العدوان على غزة عام 2014، وحرمانهم من الزيارات وتحديد محطات التلفاز.

الثالث عشر/ قطع السلطة الفلسطينية رواتب عدد من الأسرى من أبناء قطاع غزة، ألقى بظلاله السوداء على الأوضاع داخل السجون.

الرابع عشر/ في انتهاك واضح للقوانين الدولي، ما زال الاحتلال يواصل ملاحقته واعتقاله للنواب الفلسطينيين، حيث يعتقل العشرات منهم وفي مقدمتهم القادة أحمد سعدات ومروان البرغوثي وخالدة جرار.

الخامس عشر/ جرائم التعذيب في التحقيق، حيث تستخدم سلطات الاحتلال أساليب عدة في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين نفسياً وجسدياً، كالهزّ العنيف، والشبح على الكرسي الصغير، وضع الكيس على الرأس، الموسيقى الصاخبة، بالإضافة إلى قلع الأظافر، وحرمان من النوم وزيارة المحامي، وغيرها. وقد تصاعدت جرائم التعذيب في الأشهر الأخيرة وخصوصاً بحق قيادات وكوادر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . وتشير معطيات إلى أن 95% من المعتقلين يتعرضون للتعذيب، منذ لحظة الاعتقال، ويمتد ذلك في التحقيق، وحتى بعد نقلهم للمعتقلات العامة. ووفقاً لهذه المعطيات فإن 73 شهيدا ارتقوا في زنازين التحقيق منذ العام 1967 نتيجة للتعذيب الذي تعرضوا له خلال فترة التحقيق، من أصل 222 شهيداً سقطوا داخل سجون الاحتلال بذات الفترة. إن التعذيب المستمر في مراكز التحقيق وسجون الاحتلال يتم بشرعية من القضاء الإسرائيلي.

السادس عشر/ سياسة هدم بيوت الأسرى، حيث شرع الاحتلال الصهيوني بتنفيذ جريمة هدم البيوت كسياسة عقاب جماعي بحق أبناء شعبنا منذ احتلاله لفلسطين وتوسعت في بداية الاحتلال العسكري عام 1967، تزامناً مع أساليبه الإجرامية المتنوعة من قتل واعتقال وتهجير، وما زال يمارس هذه السياسة من أجل الضغط على أبناء شعبنا وفي محاولة منه لمنع تصاعد عمليات المقاومة، ظاناً أن إقدامه على هدم بيوت المقاومين سيكسر من إرادتهم وسيجهض مقاومتهم. وقد عمل برلمان العدو ومحاكم الاحتلال على الدوام على سن قوانين إجرامية عقابية بحق المناضلين ويقع على رأسها قرار هدم بيوت منفذي العمليات أو قادة المقاومة، ولم يقتصر الأمر على الهدم لمرة واحدة، بل في الكثير من الأحيان تم هدم المنزل مرة أخرى بعد إعادة بنائه، فضلاً عن إصدار محاكم الاحتلال بعض القرارات تحظر البناء النهائي، وصولاً لمصادرة جميع الممتلكات، والطرد والترحيل القسري للعائلات، وخصوصاً لأسر المناضلين في القدس ، وسحب تصاريح العمل لكل من يحمل اسم عائلة المناضل.

تُمثل هذه السياسة انتهاك خطير للقانون الدولي وتحديداً للقانون الدولي الإنساني( اتفاقية جنيف الرابعة) والقانون الدولي العرفي، والتي تؤكد على ممارسة الكيان الصهيوني عقوبات جماعية ضد الفلسطينيين من خلال هذه السياسة، والتي تستوجب الملاحقة والمحاكمة وإحالة هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية. وقد تصاعدت هذه السياسة منذ عام 2015، خاصة في القدس في الضفة، كما وينتهجها الاحتلال بشكل متواصل في قطاع غزة، حيث دمر الاحتلال في أكثر من عدوان على القطاع آلاف البيوت بشكل كلي أو جزئي، وأحياناً على ساكنيها.

إن مجمل ما ذُكر وغيره من إجراءات منظمة وسياسة ممنهجة تعتمدها إدارة السجون لاستهداف الأسيرات والأسرى داخل السجون وزاد الطين بلة إجراءات السلطة بحق الحركة الأسيرة أنتج واقعاً يتطلب التصدي له، لكن هذه المهمة على صعيد الأسرى ليست بالأمر الهين وتحتاج إلى جهد لتجاوز التعارضات ومواجهة واقع التكلس على مدار سنوات التي تعاني منها الحركة الأسيرة، وإن إعادة الاعتبار للقيم والمفاهيم النضالية بحاجة إلى إعادة اعتبار. ولكن المطلوب من أحرار العالم، وخاصة القوى اليسارية والتقدمية وفي ظل الأزمة العالمية الراهنة، هو مغادرة مربعات الانتظار، والتحرك بشكل واسع من أجل نصرة الأسرى الفلسطينيين باعتبارهم مناضلي من أجل الحرية، وأسرى حرب يجب أن يتم إطلاق سراحهم فوراً وفقاً للقوانين الشرعية، ويمكن تلخيص الجهود الدولية لإنهاء معاناة الأسرى، بالخطوات التالية:

يقع على عاتق هذه القوى التقدمية التحرك بشكل عاجل للتحقيق في الجرائم التي ترتكب بحق الأسرى والمسئولين عنها وملاحقاتهم قضائياً على المستوى الدولي، فهؤلاء المجرمون إضافة إلى ضباط المخابرات يصولون ويجولون في العالم دون ملاحقة إعلامية أو حملات تكشف جرائمهم، وبهذا الإطار فإن تكليف جهة مختصة بهذه المهمة حاجة ملحة ولا تحتاج بانتظار قرار المبادرة للتنفيذ فوراً.
التوجه إلى المؤسسات الدوّلية وإطلاق أوسع حملات اعلامية وتنظيم تحركات جادة على كافة الصعد، وهذا يساهم جدياً في تهيئة ظروف مناسبة وحماسة لدى الأسرى للاستمرار في معركتهم.
ضرورة الضغط من أجل إرسال لجنة تقصي حقائق دولية، للتحقيق في انتهاكات الاحتلال بحق الأسرى خصوصاً سياسة الإهمال الطبي، واعتقال الأطفال، وسياسة الاعتقال الإداري. والضغط على مصلحة السجون من أجل اتخاذ كل الإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا.
إن أسرى الحرية بحاجة إلى من يرفع الراية ويبادر ويعمل ويؤثر، فالقادم ضد الأسرى خطير وإذا لم يتم التحرك فلسطينياً وعربياً ودولياً من خلال العمل الضاغط الميداني من أجلهم، فإن معاناتهم ستتفاقم أكثر فأكثر.


عن بوابة الهدف

  •  
  •  
  •  
  •