موقف اليسار الماركسي المغربي من القضية الفلسطينية بقلم عبد الله الحريف

موقف اليسار الماركسي المغربي من القضية الفلسطينية

عبد الله الحريف

إن موقفنا من القضية الفلسطينية لا يتمثل في التضامن معها فقط، بل يتعداه إلى حد اعتبار أن معركة الشعب الفلسطيني هي معركتنا أيضا ومعركة كل شعوب العالم العربي من أجل تحررها من هيمنة الامبريالية الغربية بقيادة أمريكا ومن الأنظمة الرجعية المحلية التابعة لها. إن نضالنا من أجل نصرة الشعب الفلسطيني يتمثل، الآن وهنا، في التصدي للتطبيع مع الكيان الصهيوني والانخراط في كل المبادرات والحملات التي تهدف إلى عزله وإنزال العقوبات عليه وفضحه كنظام أخطر من نظام الميز العنصري لكونه يعمل على استئصال الشعب الفلسطيني من أرضه ومحو هويته. أن تكثيف نضالنا هذا يكتسي أهمية بالغة في مواجهة تسارع وتيرة تطبيع عدد من أنظمة المنطقة مع الكيان الصهيوني، بل انخراط أنظمة خليجية في تحالف استراتيجي معه تحت ذريعة مواجهة التوسع الإيراني في المنطقة، والتصدي للمؤامرات التي تحاك من أجل إقبار القضية الفلسطينية( صفقه القرن).
أشكر المنظمين على تكليفي بموضوع “فلسطين قضية وطنية” لأنها مناسبة لدحض بعض الأفكار التي بدأت تتسرب إلى اليسار بسبب تقاعسه في خوض الصراع الفكري ضد الفكر اللبرالي وفكر ما بعد الحداثة.
من الهام، في هذا الإطار، نقد الطرح الذي يسعى، عن حسن نية أو بوعي تام، إلى ترسيخ فكرة أن الموقف السديد من القضية الفلسطينية هو موقف التضامن، على غرار التضامن مع كل الشعوب الرازحة تحت نير الاستبداد والاستغلال والاضطهاد. ولعل خطورة هذا الطرح هي في كونه أصبح يخترق اليسار نفسه.
وعلى عكس هذا الطرح، اعتبرت الحركة الماركسية-اللينينية المغربية القضية الفلسطينية قضية وطنية. ولذلك حظيت باحتضان كبير من طرفها وانخرط مناضلوها ومناضلاتها بقوة وحماس في كل أشكال الدعم لها، بما في ذلك الانخراط في الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني والاستشهاد. والنهج الديمقراطي، كاستمرارية فكرية وسياسية للحركة الماركسية-اللينينية المغربية، يتبنى هذا الطرح الذي ينطلق من تحديد دقيق لخصوصية القضية الفلسطينية بالنسبة لمنطقتنا والعالم أجمع.
إن خصوصية القضية الفلسطينية، بالنسبة لمنطقتنا، تتمثل في الدور الذي يلعبه فيها الكيان الصهيوني. أما خصوصية القضية الفلسطينية، بالنسبة للعالم أجمع، فتكمن في طبيعة الكيان الصهيوني.
فالكيان الصهيوني جزء عضوي من الامبريالية وقاعدة أساسية للعدوان ضد شعوب الشرق الأوسط، وخاصة العالم العربي، لضمان هيمنة الإمبريالية الغربية على المنطقة وحرمانها من حقها في تقرير المصير. ولنذكر هنا بأهم محطات العدوان المستمر للكيان الصهيوني على منطقتنا: العدوان الثلاثي( بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر في 1956، حرب يونيو 1967 ضد مصر وسوريا والأردن، العدوان والغزو المتكرر للبنان، الاعتداءات على سوريا والعراق وتونس والاغتيالات المتعددة للقادة الفلسطينيين والمناهضين للامبريالية( المهدي بن بركة كمثال).
والكيان الصهيوني يدعم الأنظمة الرجعية في منطقتنا ويسعى إلى اختراق مجتمعاتنا وإضعافها وإبعادها عن محيطها الطبيعي من خلال تسعير التناقضات الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية.
إن الكيان الصهيوني عدو لتحررنا الوطني من السيطرة الإمبريالية الغربية. إنه عدو لشعوب المنطقة كلها وليس عدو الشعب الفلسطيني وحده. ولذلك، فإن نضال الشعب المغربي من أجل التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والاشتراكية هو نضال ضد الرجعية والإمبريالية والصهيونية التي تشكل أحد أهم أدوات السيطرة الإمبريالية الغربية على منطقتنا. إن نضالنا ضد الكيان الصهيوني هو نضال ضد عدو مشترك: الإمبريالية والرجعية العربية والصهيونية. ولذلك، نعتبر، على غرار الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، أن القضية الفلسطينية قضية وطنية.
إن ما سبق يعني أن تحرير فلسطين، أي تحريرها من الصهيونية كأهم أداة للإمبريالية في المنطقة، ليس منوطا بالفلسطينيين وحدهم بل يقع على عاتق شعوب المنطقة كافة. لذلك فإن نضالنا ضد الصهيونية جزء من نضالنا من أجل التحرر الوطني من الإمبريالية. ولا تحرر لأوطاننا بدون دحر الصهيونية.
ولذلك أيضا، فإن توحيد شعوب العالم العربي ليس شعارا عاطفيا بل هو ضرورة تاريخية تمليها، ليس بالأساس الجغرافيا والتاريخ و اللغة و الثقافة المشتركين، بل النضال ضد نفس الأعداء: الإمبريالية الغربية و الصهيونية والرجعية المحلية. فالإمبريالية الغربية تسعى بكل الوسائل إلى تأبيد سيطرتها على العالم العربي، إما بالتدخل العسكري المباشر و/أو باستعمال الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة و ذراع عسكري لها و/أو الأنظمة الرجعية المحلية كاحتياطي سياسي و عسكري و حتى مالي بالنسبة للأنظمة النفطية الخليجية. كما أن وضع القضية الفلسطينية في قلب صراع شعوب العالم العربي من أجل التحرر الوطني لم يكن اعتباطيا أو عاطفيا بل هو تعبير عن وعي عميق بالدور الذي يلعبه الكيان الصهيوني في إستراتيجية الإمبريالية الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية، في الشرق الأوسط بشكل عام و العالم العربي بشكل خاص. فهذا الكيان جزء من قوى العولمة الرأسمالية و من قوى الحرب و السيطرة و الاحتلال الموجهة ضد شعوب الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي. فهو إذن عدو هذه الشعوب كلها و ليس الشعب الفلسطيني وحده. و لهذا السبب لا يمكن اختزال علاقة هذه الشعوب بالقضية الفلسطينية في التضامن مع الشعب الفلسطيني- كما يسعى البعض، بما في ذلك وسط اليسار في العالم العربي، إلى تكريسه- بل يتعداه إلى النضال ضد عدو مشترك و هو الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى استئصال الشعب الفلسطيني و يعمل كأداة للإمبريالية الغربية و بمساعدة الرجعية المحلية من أجل حرمان شعوب العالم العربي من حقها في تقرير المصير والإنعتاق من الاستبداد و الاستغلال. إن توحيد العالم العربي ضرورة تفرضها، إضافة إلى الجغرافيا والتاريخ واللغة، تشكيل أكبر قوة ممكنة لمواجهة نفس الأعداء ة وتغيير ميزان القوى المختل لصالح الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية. إن بناء المغرب الكبير، الذي يشكل خطوة جبارة في هذا الاتجاه، وتحرر شعوبه من هيمنة الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية مسيرة واحدة. واهم من يظن أن الامبريالية التي تتفنن في تفتيت وحدة الشعوب، خاصة بواسطة التضخيم من الصراع حول الهوية على حساب الصراع الطبقي، في مصلحتها بناء المغرب الكبير، ولو كان تابعا لها.
لقد فشلت حركات التحرر الوطني في العالم العربي في تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجلها الشعوب وهي التحرر من هيمنة الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية( الإقطاع و الكمبرادور) و بناء الديمقراطية و توحيد شعوب المنطقة.
و لعل ما يفسر هذا الفشل هو الطبيعة البرجوازية لقيادات حركات التحرر الوطني في المنطقة، بما في ذلك في فلسطين، والتي جعلتها تبحث عن الاندماج في النظام الرأسمالي، من موقع التابع، و بالتالي تكرس الهيمنة الإمبريالية على المنطقة. كما أدى خوفها من الطبقة العاملة و عموم الكادحين، إما إلى البحث عن توافقات مع الكمبرادور والإقطاع تكون، في الغالب، لصالح هؤلاء المدعومين من طرف الإمبريالية والصهيونية، أو اللجوء إلى الانقلابات، أي أن هذه القيادات رسخت التبعية والاستبداد والطغيان عوض الحرية والديمقراطية. وأخيرا، فإنها، كبرجوازيات قطرية، لا يهمها توحيد شعوب المنطقة بقدر ما تسعى كل واحدة منها إلى الهيمنة عليها، وبالتالي التحكم في أسواق وخيرات المنطقة كلها لتحسين موقعها في النظام الرأسمالي. وتدخل هذه البرجوازيات بالنتيجة في صراع فيما بينها. فهي إذن عامل تفرقة وليست عامل توحيد شعوب العالم العربي. إن العمال والفلاحين الصغار والمعدمين وكادحو الأحياء الشعبية هم القوة الاجتماعية القادرة على دحر الامبريالية والرجعية والصهيونية وبناء وحدة العالم العربي على أساس ديمقراطي ينبذ الاستعلاء والإلحاق والإقصاء ويقر بالتعددية في إطار الوحدة، ويضمن للشعوب المختلفة المكونة للمنطقة حقها في تقرير مصيرها وازدهارها على كل المستويات، مشروع منفتح على الأفق الاشتراكي انطلاقا من تقييم دقيق ومتأن لفشل تجارب بناء الاشتراكية ومن الانخراط الفاعل في المجهود من أجل تطوير الفكر التقدمي المنحاز إلى مصالح الطبقة العاملة وكافة الكادحين. ولذلك،أصبحت مهمة بناء أحزاب الطبقة العاملة وعموم الكادحين ملحة، أكثر من أي وقت مضى، مع استسلام أغلبية الانظمة في المنطقة للعدو الصهيوني الذي ترسمه تسارع تطبيعها معه.
أما خصوصية القضية الفلسطينية، مقارنة بالشعوب المضطهدة الأخرى، فتتمثل في كون الشعب الفلسطيني مهدد في وجوده وهويته. فهو يتعرض لاحتلال استئصالي ولأبارتهيد يختلف عن الإحتلالات السابقة، بما في ذالك نظام الميز العنصري البائد في جنوب إفريقيا -ما عدا احتلال أمريكا الشمالية من طرف الأوروبيين الذي أدى إلى إبادة الهنود الحمر. الكيان الصهيوني يستولي، شيئا فشيئا، على كامل الأرض الفلسطينية( إقامة المستعمرات في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع العلم أنها لا تمثل سوى جزء بسيط من الأرض الفلسطينية) ويسعى جاهدا إلى تهويد فلسطين. إن المشروع الصهيوني، بطبيعته، مشروع عنصري نقيض للوجود والهوية الفلسطينيين. لذلك، فموقف شعوب العالم من القضية الفلسطينية يجب أن يختلف جذريا عن التضامن مع شعوب مضطهدة تعاني من الاستبداد والقهر لكنها لا تتعرض للاستئصال من أرضها وضرب هويتها. إن الموقف التضامني الحقيقي مع القضية الفلسطينية يجب أن يتمثل في النضال من أجل هزم الصهيونية وبناء الدولة الديمقراطية العلمانية التي يتعايش فيها الجميع: اليهود والمسلمون والمسيحيون وغيرهم، مهما كانت معتقداتهم.

  •  
  •  
  •  
  •