الجبهة الاجتماعية المغربية كاداة لتوحيد النضالات الشعبية

معاد الجحري

الجبهة الاجتماعية المغربية كاداة لتوحيد النضالات الشعبية*

أولا: ما هي دواعي تأسيس الجبهة الاجتماعية المغربية؟

تأسست الجبهة الاجتماعية المغربية  في 28 دجنبر 2019 من طرف عدد هام من الهيآت الديمقراطية منها المكونات الثلاث  لفيدرالية اليسار الديمقراطي آنذاك والنهج الديمقراطي والكنفدرالية الديمقراطية للشغل والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والجامعة الوطنية للتعليم/ت.د وحركات اجتماعية مثل التنسيقية الوطنية للاساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وجبهة الدفاع عن لاسمير وعدد من الهيآت المدنية الديمقراطية.
وتمت المصادقة على ميثاق تاسيسي وبرنامج للمبادرات النضالية المشتركة ووثيقة حول الهيكلة التنظيمية.

لقد تاسست الجبهة في ظل وضعية تتسم من جهة أولى بهجوم النظام المخزني على الشعب المغربي على ثلاث واجهات مترابطة وهي:

– الهجوم على ابسط الحقوق والمكتسبات وقوت الجماهير الشعبية في إطار السياسات الراسمالية التبعية والمتوحشة.

– القمع الممنهج بجميع أشكاله والهجوم على سائر أصناف الحريات وعلى رأسها الحريات النقابية لدرجة أصبح العمل النقابي عمليا ممنوعا في القطاع الخاص. ويطال القمع الفئات والقوى المناضلة معا بهدف فك الارتباط بينها.

– تزوير الارادة الشعبية والتلاعب بها في مختلف المحطات الانتخابية لتجديد الواجهة الديمقراطية.

ومن جهة ثانية كانت الوضعية وقتها تتسم ولا زالت، بوجود نضالات كثيرة منها نضالات عمالية وشعبية بصفة عامة لها مطالب واضحة وتتميز بالجرأة ومستوى متقدم من التنظيم وتقودها طاقات شابة لها وعي واطلاع ملفت للنظر وتحسن استعمال وسائل التواصل الاجتماعي مع مشاركة متميزة للمرأة. ولكنها نضالات مشتتة ودفاعية وليس لها شعار اجتماعي يلف كل مكوناتها فبالاحري أفق  سياسي يوحدها.
وعن الأهداف التي تأسست من أجلها الجبهة الاجتماعية المغربية فإن الجبهة تقدم نفسها، من خلال ميثاقها التاسيسي، على أنها جواب على حاجة موضوعية لاطار جامع وموحد وموجه لهذه النضالات بهدف تطويرها ونقلها من دائرة المطالب الجزئية الى مطالب اجتماعية شاملة.

الحقيقة أنه هناك أيضا دواعي سياسية أو ذات طابع سياسي بالنسبة لكل مكون من المكونات. بالنسبة لنا في النهج الديمقراطي نعمل، ضمن اربع سيرورات مترابطة، على بناء جبهة شعبية موحدة أو للدقة جبهة الطبقات الشعبية ونعتبرها من الأدوات الأساسية الى جانب الحزب المستقل للطبقة العاملة من أجل التحرر الوطني والاجتماعي واحداث تغيير مجتمعي عميق الجذور. غير أننا كنا على وعي تام بأن هذه الجبهة لن تبنى دفعة واحدة كما أنها لن تبنى خارج النضال.

ولهذا طرحنا منذ مدة جبهة ميدانية تضم كل القوى الحية المناهضة للمخزن (طبعا القوى غير الإرهابية وغير العميلة للخارج)،  اليسارية والاسلامية، والجبهة الديمقراطية المشكلة من القوى اليسارية والديمقراطية.

ونظرا لتفكيك تجمع اليسار قبيل انتخابات 2007 وتشكيل تحالف الرسالة (=تحالف اليسار الديمقراطي) ورفض مكونات فيدرالية اليسار العمل السياسي المشترك مع النهج الديمقراطي طرحنا فكرة الجبهة الاجتماعية المغربية. وطرحناها بمنهجية الهجوم الوحدوي التي نعتز بها، اذا النضال من أجل الوحدة هو نضال ضد منطق التفرقة وليس استجداء.

نحن نؤمن بالتحالفات بما في ذلك التحالفات الظرفية لأنها ضرورية لعزل المخزن والاعداء الطبقيين لشعبنا.

والحق، لا ينص الميثاق التأسيسي للجبهة، صراحة على أن الجبهة تسير في الاتجاه المشار اليه أي أنها قنطرة للعبور الى جبهة ديمقراطية ولكنه لا يغلقه بحيث هناك نقط تدفع في هذا الافق وهي على الخصوص:
– محاربة الاستبداد والفساد والاحتكار والريع.

– خوض معركة الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة ومواجهة كل أشكال تزوير ارادة المواطنين.
– مناهضة الامبريالية والراسمالية المتوحشة.

اعتبر أن هذه النقط الثلاث هي من صلب الجبهة الديمقراطية وفي النهاية من صلب الجبهة الشعبية الموحدة. ولا بد من فتح نقاش حولها عندما تنضج الظروف.

*ثانيا: ما هو برنامج الجبهة الاجتماعية وما هي وسائل النضال المعتمدة؟*

يمكن تكثيف برنامج المبادرات النضالية المشتركة في:

* الدفاع عن الحريات واطلاق سراح المعتقلين
* الدفاع عن المرفق العمومي والغاء المديونية وحماية المال العام والإصلاح الضريبي.
* المساواة بين المرأة والرجل
* المجال النقابي والوحدة النضالية
* التغطية الصحية والحماية الاجتماعية والتعويض عن البطالة والسكن اللائق وضد غلاء المعيشة.
* تفعيل ترسيم الامازيغية
* النضال ضد السطو على أراضي الجموع وأراضي السلاليات وغيرها.

أما وسائل النضال فهي كل وسائل النضال الجماهيري المتاحة من وقفات واعتصامات ومسيرات واضرابات بما في ذلك الاضراب العام والتفاوض حول ملفات محددة لمصلحة الفئات المعنية وبمعيتها وليس باسمها أو نيابة عنها.

*ثالثا: ما هي المبادرات التي قامت بها الجبهة؟ وما هي الحصيلة؟*

على مدى 28 أشهرا (من نهاية دجنبر 2019 الى نهاية أبريل 2022) تم تنظيم:

*وقفات احتجاجية تخليدا لذكرى انطلاق حركة 20 فبراير 2020 و 2021 و 2022 وهذا أمر يحسب للجبهة إذ هي بهذا تعبر أيضا عن الحاجة لحركة شعبية للقضاء على الفساد والاستبداد أي القضاء على المخزن.
* مسيرة وطنية ناجحة يوم 21 فبراير 2020 بالبيضاء.
* وقفات احتجاجية بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر (17 اكتوبر) 2020 و 2021 وضد الغلاء في 6 مارس 2022 و 23 أبريل 2022.
وهذا يعني، في المتوسط، وقفات احتجاجية متزامنة في مختلف مناطق المغرب كل 4 أشهر.
* ندوات حول الفقر والمجال الاجتماعي وحول السيادة الغذائية والطاقية…
* التضامن، في خطوة رمزية مع عائلات العاملات ضحايا معمل طنجة وحدادا على الضحايا باطفاء الإنارة لمدة 10 دقائق.
ويتراوح عدد المناطق التي شاركت في التظاهرات الاحتجاجية المحلية ما بين حوالي 30 و 50 منطقة علما أن الجبهة تمكنت من تأسيس حوالي 45 فرع.

هذا وهناك مبادرات نضالية متنوعة لعدد قليل من الفروع.
ولكن الحصيلة كان من الممكن أن تكون أفضل بكثير.

*رابعا: ما هي المعيقات والإكراهات والنواقص؟*

1. المبادرات الأساسية  كلها تقريبا من فوق وقليلة هي الفروع التي تدارست المطالب المستعجلة للساكنة وتتفاوض حولها مع السلطات المعنية بمعية السكان وتساعدهم على النضال وأخذ زمام الامور بانفسهم بانخراطها وتاطيرها لنضالاتهم.
2. حجم الوقفات عموما ضعيف الى متوسط ما عدا وقفات 20 فبراير 2022 التي كانت حاشدة ربما بسبب تزامن الذكرى مع تصاعد غير مسبوق للغلاء. ويعني هذا:

* ان الفروع ليس لها عمل منتظم وليس لها برامج وخطط للنضال وتسيطر عليها الانتظارية.
* ان اليسار المناضل ضعيف الارتباط بالشعب ويلزمه التوجه للعمل بجد وصبر وتفاني في عمق الشعب، في النقابات وفي الأحياء والضيعات العمالية، ووسط الكادحين في الأحياء الشعبية ومع الفلاحين الفقراء والصغار. كما يلزم ما أمكن تغيير أماكن الاحتجاج لتتم وسط حاضنتها الشعبية.
3. بعض المكونات غير منخرطة وأخرى غير منخرطة بما يكفي.
4. قواعد عدد من المنظمات الجماهيرية يسيطر عليها منطق العمل الجماهيري الصرف وهي متبرمة من النضال العام ومنزوية حول نفسها في عمل نقابي فئوي ضيق وتعتقد واهمة بأن التبرم من الأحزاب السياسية المناضلة سيسهل عليها تحقيق المطالب. والمزيد من التوضيح فإني لست ضد العمل وسط الفئات اذا كان يضع نفسه استنادا لمبدأ التضامن رهن إشارة النضال العام اما الفئوية الضيقة فهي شيء آخر. على العكس من ذلك فان النضال الشعبي العام الموحد هو من أعطى أكبر الثمار على الصعيد الاجتماعي: حركة 20 فبراير نموذجا.

ولا بد لطلائع النضال الشعبي من خوض نضال سياسي وفكري ضد مفهوم مزيف للاستقلالية، فهذا المبدأ لا يعني أن المنظمات الجماهيرية والتنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير توجد على نفس المسافة بين الجماهير الشعبية المستقلة والمضطهدة والكتلة الطبقية السائدة والمخزن (دولتها).

5. سيادة نظرة غير سديدة لمعالجة التناقضات في صفوف الشعب بدليل الاعتراض على انضمام العدل والاحسان للجبهة بدعوى وجود خلافات سياسية. والحق فإن التناقض الرئيسي في بلادنا هو بين المخزن والقوى الملتفة حوله والكتلة الطبقية السائدة والامبريالية من جهة، وكافة الطبقات الشعبية والقوى الحية المرتبطة بها من جهة أخرى.

كما ان تحديد مفهوم اليسار نفسه لا يقوم فقط على مفاهيم فضفاضة كالحداثة والديمقراطية مثلا رغم أهميتها طبعا، بل على أساس طبقي بمعنى الطبقات الاجتماعية التي يروم خدمتها وتاطيرها والارتكاز عليها وهو الذي يعطي المعنى الحقيقي والملموس للمفاهيم المشار إليها أعلاه.

نحن في الحقيقة في حاجة الى حوار مفتوح حول هذه النقطة التي عبر عنها ماو تسي تونغ بالمعالجة الصحيحة للتناقضات في صفوف الشعب.

ان العمل الوحدوي والمشترك لا ينفي الخلاف أو يلغيه أو توقيفه فنحن أصلا لا نومن بخلط الرايات. ولكننا نتوحد لحل التناقض الرئيسي في بلادنا أي التخلص من الكوليرا التي يجسدها المخزن.

*خامسا: وما هي الخلاصة العامة؟*

في المحصلة، الجبهة مكسب، وقد أصبحت معروفة في المشهد النضالي. الآن، نتوفر على إطار بالإمكان تطويره والنهوض به وتحقيق الأهداف المرجوة من تاسيسه شريطة تجاوز المعيقات المشار إليها.

معاد الجحري.

* هذا نص مداخلتي في الندوة التي نظمها فرع النهج الديمقراطي بالقنيطرة حول الجبهة الاجتماعية المغربية يوم الخميس 28 أبريل 2022.