نحو خطاب إعلامي رقمي لأجل القدس


نحو خطاب إعلامي رقمي لأجل القدس


■● بقلم: حمزة حماد
مسؤول التجمع الإعلامي الديمقراطي

إن أهداف وسائل الإعلام في مُجملها لا تختلف عن بعضها البعض، فلكل منها أهميتها وطريقة عملها في تحقيق أهدافها بما يناسب خصائص الجمهور المراد الوصول إليه. ففي عصرنا الحالي وأمام النهوض التكنولوجي وظهور المنصات الإعلامية المختلفة زاد التركيز من قبل الصحفيين والإعلاميين على استخدام الإعلام الرقمي بسبب تأثيره ومدى فاعليته، ولأهميته البالغة في دعم القضايا المُثارة التي تلامس اهتمام عامة الناس مثل قضية القدس التي تحمل رمزية وطنية ودينية، وغيرها من القضايا الأخرى.

لقد لعب المحتوى الرقمي دورًا هامًا في فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الماضية الأخيرة، مثل أحداث حي الشيخ جراح بمدينة القدس العاصمة الأبدية لعام 2021م، وما يجري حاليًا من اعتداءات بحق المسجد الأقصى المبارك، والمحاربة الواضحة لفرسان الإعلام خلال نقلهم لحقيقة الأوضاع الميدانية من عمليات القمع والضرب والاعتقال الإداري وغيرها من الانتهاكات الإعلامية. لذلك اعتاد العالم أن يتابع أخبار الشعب الفلسطيني وقضية القدس على وجه الخصوص عبر شاشات التلفاز والوسائل التقليدية الأخرى، لكن بات اليوم وفي ظل حداثة الوسائل والتطور الملموس أصبحت عملية المتابعة تتم عبر منصات التواصل الاجتماعي بشكل أكبر لأنها الأسرع في الوصول إلى الجمهور، والأقوى انتشارًا.

الملاحظ أن قضية القدس أصبحت تغيب بشكل كبير عن وسائل الإعلام المحلية والعربية أو حتى الدولية، وهذا يظهر جليًا في الإعلام المطبوع والإلكتروني نتيجة التعاطي مع القضية بشكل موسمي، وغياب الخطة الإعلامية المشتركة للتعريف بالقضية الأكثر عدالةً في التاريخ، مقابل أن الإعلام الإسرائيلي يهتم بكل صغيرة وكبيرة تخص القدس. في حين، مثلَت الشبكات الإعلامية المقدسية المحلية مثل “ميدان القدس”، و”القسطل”، رأس الحربة في هذه المعركة الرقمية. كان ذلك بخوض هذه الشبكات حملات إعلامية مباشرة ومتواصلة عبر الإعلام الرقمي، لفضح الاعتداءات الإسرائيلية في القدس، فنقلت الأحداث أولاً بأول، حتى أصبحت المواد الإعلامية التي تنشرها مرجعاً لكثير من القنوات التليفزيونية العربية والدولية. كما شكلَت الصفحات الرقمية الخاصة بالعشرات من النشطاء المقدسيين وحتى المواطنين العاديين خير سفير لقضية القدس، بعد أن وثقت صفحاتهم كل ما يجري على الأرض بالصوت والصورة، مستخدمين هواتفهم وكاميراتهم الخاصة.

خير مثال، ما حدث في حي “الشيخ جرّاح” عندما نشر الفلسطينيون العديد من “الهاشتاغات” وبلغات متعددة، تدعو إلى التضامن مع الحي ودعم سكانه المهددين بالطرد والتطهير العرقي. حيث كان وسم: #أنقذوا_حي_الشيخ_جراح و#لن_نرحل الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل المختلفة، كما تصدرت وجوه العديد من النشطاء مواقع التواصل وتحولت صفحاتهم عبر الانستقرام، وتوتير، والفيسبوك إلى قنوات إعلامية واسعة الانتشار، تُنقل من خلالها التطورات الجارية على الساحة. وأسهمت هذه الجهود الرقمية في حشد الدعم لقضية القدس في العديد من الدول العربية والإسلامية والغربية، حتى تصدَر اسم المدينة وحي الشيخ جرّاح، منصات التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال أصبح هاشتاغ “القدس تنتفض” ترنداً في السعودية (21 ألف تغريدة عبر تويتر)، ومصر والأردن والمغرب والكويت ولبنان، وفي تركيا تصدر هاشتاغ “المسجد الأقصى” تويتر (144 ألف تغريدة).

ونتيجة لحجم التفاعل الرقمي حجبت منصات التواصل المختلفة صفحات العشرات من النشطاء والصحفيين، بعد أن نجحوا في نقل الأحداث لحظة وقوعها، فكان بإمكان العالم بأسره مشاهدة جنود الاحتلال وهم يعتدون على المدنيين الفلسطينيين بالقدس، ويرشون وجوهم بغاز الفلفل، ويعتدون على الفتيات والشبان والأطفال بالضرب المبرح في حي الشيخ جرّاح أو وغيره من أحياء القدس. لذلك خلال العام 2021م صدرت الكثير من التقارير التي توضح حجم الانتهاكات بحق الإعلام الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما تقرير شركة (آيبوك) المتخصصة في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، التي أعلنت أنه نحو (1537) انتهاكًا رقميًا، قامت به الشركات التي تدير وسائل التواصل الاجتماعي، توزعت بين حذف الحسابات الفلسطينية، وتقييدها ومنعها من النشر بشكل متكرر، ووجود أكثر من (390) حالة اعتقال أو استدعاء، بسبب منشورات على وسائل التواصل لدى الاحتلال الإسرائيلي، في حين وصلت بعض الأحكام إلى (3) سنوات اعتقال، وغرامات مالية بمئات آلاف الشواقل.

لكن هل تعاملت هذه المنصات بالمثل مع خطاب الكراهية والتحريض الوارد في منشورات الجماعات المتطرفة؟ بالطبع لا. لم يحصل أن حظرت تلك المنصات أي حساب شخصي للمتطرفين، ولم تُزل أي منشور دعوا فيه إلى قتل الفلسطينيين صراحة. لذا فإن ما يحدث عبر الفضاء الرقمي يؤكد لنا مجدداً تواطؤ شركات التكنولوجيا الكبرى مع الاحتلال الإسرائيلي، وممارسة سياسة التمييز العنصري ضد المحتوى الفلسطيني، لتغييب الرواية الحقيقية ومناصرة الرواية الإسرائيلية المضادة.

في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يعتمد الإعلام الإسرائيلي استراتيجية شيطنة الفلسطينيين ومقاومتهم من جهة، وبث الشائعات واختلاق الأحداث خاصة تلك المتعلقة بتحسن العلاقات مع العرب بعد توقيع اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية من جهة أخرى. وكما أن لوسائل الإعلام القدرة على تأطير الواقع وملء وعي الشعوب بالمضامين المختلفة، يمكنها أيضاً اختراق عقولهم وإفراغها من المعلومات والفهم السياسي، وهو تماماً ما تفعله “إسرائيل”. ما قد يساعد على تحقيق ذلك ضعف المحتوى الإعلامي الرقمي الفلسطيني وعجزه عن منافسة قوة المضامين الإسرائيلية وتأثيرها، حتى إن كانت ذات معلومات مضللة وزائفة.

ففي ظل تواتر الأحداث وكثرة المتغيرات، إن واقع الحال في معظم صُحفنا وإعلامنا بشكل عام بحاجة إلى تطوير ونهوض على مستوى مواكبة التطور والحداثة والمضمون، فمن خلال ما تم رصده في معظم الصحف والمواقع الإلكترونية العربية، تبين ما يلي:

– الظهور الموسمي للقدس في الإعلام (في المواسم والأحداث والمناسبات): تغيب القدس عن صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية العربية طوال العام، فيما تتركز أخبارها خلال فترات محدودة ضمن تغطية شاملة للقضية الفلسطينية خلال المناسبات الخاصة بالقضية مثل يوم القدس العالمي (الجمعة الأخيرة في رمضان)، وذكرى النكبة (15 مايو)، وذكرى حريق المسجد الأقصى (21 أغسطس)، بل وحتى تغيب في بعض وسائل الإعلام خلال تلك المناسبات.

– غياب وجود خطة محددة الملامح للتعريف بالقضية والدفاع عنها في مختلف وسائل الإعلام العربية، والتعاطي مع القضية بأسلوب الفعل ورد الفعل من خلال المتابعة الحدثية فقط لما يستجد.

– عدم التفاعل مع الأحداث المتعلقة بالقدس كما ينبغي (من حيث عدم احتلال الحيز والمساحة والإبراز والاهتمام الكافي).

– انحراف التناول الإعلامي للقضية الفلسطينية، حيث تراجع الاهتمام بقضايا أساسية مثل القدس والاستيطان واللاجئين، لصالح قضايا أخرى مثل خلاف فتح وحماس.

– الوقوع في فخ “التهويد” عبر “تهويد المصطلحات الإعلامية”: هناك الكثير من مصطلحات التهويد التي ادخلها الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة القدس العربية لتهويدها، وبدأ الإعلام يرددها مثلا البعض يستخدم مصطلح “حائط المبكى” والصحيح “حائط البراق”، وهو الحائط الذي يقع في الجزء الغربي من جدار المسجد الأقصى المبارك، ويُطْلِقُ عليه اليهود اسم “حائط المبكى” حيث زعموا أنه الجزء المتبقي من الهيكل المزعوم. والأخطر من ذلك أيضا قيام وسائل إعلام عربية بإطلاق تسميات تتشابه مع المسميات الإسرائيلية، وشاهدنا ذلك خلال العدوان على غزة.

وتعددت أسباب تراجع الاهتمام بقضية القدس باعتبارها قضية مركزية منها:

1. تأثير الآلة الإعلامية المعادية: إن المتابع للنشاط الصهيوني التهويدي في القدس، يلاحظ أنه قبل الإقدام على أي عمل كبير، مثل هدم حي سكني، يعمد العدو إلى القيام بفعل ما، كعملية اقتحام لإحدى المدن مثلا، ليشغل العالم -المشغول أصلا- عن الجريمة التي يقوم بها. وهذا يستدعي أن يكون لمؤسساتنا الإعلامية عيون خلف رأسها أيضا، لترى ما يجري أمامها وخلفها كذلك، وتعطي كل حدث حقه من التغطية دون أن يطغى أحدها على الآخر.

2. الانقسام الفلسطيني والتعصب الحزبي: للانقسام الداخلي الفلسطيني، والتعصب الحزبي الذي يعصف مؤخراً بالشعب الفلسطيني، وما يرافقه من مؤتمرات ونقاشات وخلافات، وما لها من أثر في حياة الفلسطيني، ليصبح الانقسام وأخباره، وتصريحات قادة هذا الحزب وذاك، وجبات دسمة لوسائل الإعلام، تأخذ من حيزها على حساب القضية وأصحاب القضية، وبالتالي تأخذ أخبار الأحزاب من حصة القدس وتهويدها، وهو ما يخدم بالنهاية دولة الاحتلال حيث قدمنا للعالم ما يلهيهم ويبعدهم عن القدس وما يجري فيها من تهويد وتهجير واحتلال.

3. تبعية الإعلام العربي للإعلام الغربي (المتحيز لإسرائيل).

4. عدم حضور القدس في الخطاب الرسمي الفلسطيني بشكل يتناسب مع أهمية القضية.

5. الإضطرابات التي أعقبت الأحداث في الدول العربية والتي شهدتها عدد من الدول ومازالت تداعياتها مستمرة.

6. الانقسام الفلسطيني والخلافات بين حركتي فتح وحماس.

7. العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة من خلال حصار أو الهجمات المتواصلة التي تشنها بين الفينة والأخرى التي جعلت الكثير من الجهود تنصب لدعم غزة، والأمر الذي أثر بالتبعية على الاهتمام بقضية القدس.

8. عدم وضع القدس كقضية رئيسية وأولوية بالنسبة للنظم العربية والإسلامية والمؤسسات الإعلامية.
وجاءت معركة سيف القدس في شهر مايو من العام الماضي حيث ربطت بصورة قوية بين المقاومة وعنوانها المتعلق بالمسجد الأقصى ومدينة القدس، وأن المعركة جاءت تلبية لنداء المرابطين في الأقصى قبل 28 رمضان الماضي، حينما دعت جماعات الهيكل لاقتحامات كبيرة للأقصى، فهبّ الشعب الفلسطيني بأكمله دفاعاً عن القدس وأهلها، وتصدياً لمحاولات الاحتلال بالاستيلاء على أحياء القدس مثل: حي الشيخ جراح وسلوان. كما أبرزت الدور الذي لعبه الإعلام وتحديدًا (الرقمي) في تسليط الضوء على وحشية الاحتلال وجرائمه البشعة بحق الشعب الفلسطيني، ومحاولة وسائل الإعلام الأجنبية و”الإسرائيلية” تشويه الحقائق وتزويرها، ومن ثم لابد من التأكيد على دور الإعلام الجديد في تسليط الضوء على حجم القتل والدمار الذي الحقته قوات الإحتلال بحق أبناء شعبنا في غزة والقدس وفي حشد الهمم داخليا وخارجيا. فيما تجددت المعركة الرقمية بين الطرفين بعد أن شرعت الشرطة الإسرائيلية في الاعتداء على حقوق المقدسيين والفلسطينيين في مدينة القدس، تزامناً مع بداية شهر رمضان في منتصف أبريل/نيسان المنصرم، حتى الوقت الراهن.

اقتراحات إعلامية:

1. تعزيز الموقع الإعلامي لقضية القدس عبر صياغة خطاب إعلامي رقمي، والعمل على حشد وسائل التواصل الاجتماعي لصالح القضية.

2. التركيز على الموضوعات البحثية المطروحة في البيئة الرقمية الفلسطينية والتركيز على تحليل السلوك الرقمي في القدس، الهيمنة الاسرائيلية الرقمية، التطبيع الرقمي، الاحتلال الرقمي، سلطة مواقع التواصل، الفيروسية الرقمية، المساحات الرقمية، التدين الرقمي، الجنسانية الرقمية، البيج داتا، الدبلوماسية الرقمية، الحقوق الرقمية، التعليم الرقمي، الوبائية المعلوماتية، تأثير الرقمنة على الوعي والسلوك للمراهقين والأطفال.

3. توحيد المصطلحات الإعلامية الرقمية وتعميمها، حيث يتم إستخدام المصطلحات الصحيحة في أماكنها الصحيحة.

4. الإعتماد على متخصصين في الإعلام الرقمي خلال صياغة المصطلحات أو ترجمتها.

5. لقد بات الإعلام في عصر الأزمات أهم أدوات إدارة الحروب والخلافات السياسية بين الدول، وتهديد أمنها القومي، لهذا من الضروري أن يلتفت القائمون على الإعلام وتحديدًا الرقمي إلى هذه الحقيقة من خلال الإعلام الخارجي، وبناء كوادر متخصصة فيه تستطيع مخاطبة الخارج والتواصل مع الرأي العام الدولي والتأثير فيه.

6. الحث على صناعة شبكة رقمية عربية تخدم قضية القدس.

7. ضرورة تكثيف حجم التغطية الرقمية من صفحات متخصصة وبشكل منظم.

8. العمل على صناعة خطة إعلامية رقمية فلسطينية رسمية يلتزم بها مكونات العمل الإعلامي.

9. خلق حراك إعلامي فلسطيني تجاه مختلف وسائل الإعلام العربية والدولية من أجل ضمان حضور قضية القدس بشكل مستمر.