من وحي الأحداث: الاكتفاء الذاتي قد يكون مضرا بالسيادة الغذائية


الاكتفاء الذاتي قد يكون مضرا بالسيادة الغذائية

قبل أن نوضح فكرتنا المراد تناولها في هذا العمود دعونا نوضح رؤيتنا لقضية السيادة الغذائية لشعبنا: إنها القدرة الذاتية لشعبنا في إنتاج وتصنيع المواد الأساسية لتغذية صحية متوازنة تسمح بتلبية الاحتياجات الأساسية لجماهير شعبنا أخذا بعين الاعتبار المؤهلات الطبيعية والخصوصيات المناخية والرصيد الايجابي الثقافي التاريخي. فتحقيق السيادة الغذائية يعتبر مكون أساسي من مشروع مجتمعي نقيض للاختيارات الإستراتيجية المطبقة من طرف دولة الكتلة الطبقية السائدة ببلادنا. انه مشروع الدولة الجديدة، الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية.

إن دولة الكمبرادور وملاك الأراضي الكبار تتبنى توجها نقيضا تقدمه بكثير من البهرجة والخطاب المنافق مثل “المغرب الأخضر” و”المغرب الأزرق” و…هذه المشاريع يراد منها تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الأساسية في معيشة الشعب. انها عملية احتيال سياسية تعوض السيادة الغذائية مثلا بالاكتفاء الذاتي. وهما امران مختلفان جوهريا. فإذا كانت السيادة الغذائية تنشد الاكتفاء الذاتي فان الاكتفاء الذاتي لا يحقق السيادة الغذائية في الكثير من الحالات بل يكون عرقلة لها ويضربها في الصميم. فلتوضيح سطحية الاختيارات المطبقة ببلادنا قي موضوع شعار الاكتفاء الذاتي الذي ترفعه مختلف الحكومات المتتالية ووزاراتها المتعددة نسوق هنا كيف يتم الحصول على الاكتفاء الذاتي في مادتي الحليب واللحم على سبيل المثال؟

لتحقيق ذلك تلجا الحكومات الى استيراد البقر بنوعيه المنتج للحليب او الصالح للذبيحة وإنتاج اللحوم. توجه الحكومات القطاع الخاص والفلاحين الى استيراد هذه الانواع من البقر ثم تعمد الى استيراد المواد الضرورية للعلف والتجهيزات لانتاج وتعليب العلف. هكذا يمكن لاي مستثمر في منطقة قاحلة ان يبني اصطبلا ياوي 20 او 200 بقرة ويمده بالماء والكهرباء لتبدأ عملية إنتاج الحليب او اللحوم. يشرع هذا المستثمر في تزويد شركات تعليب الحليب او مجازر المدن الكبرى ويكون بذلك إلى جانب مستثمرين آخرين مثله قد ساهموا في تحقيق الاكتفاء الذاتي من مواد الحليب او اللحوم في مناطقهم او على الصعيد الوطني. لكن يكفي ان يحدث خلل في إحدى حلقات الاستيراد سواء للبقر او مواد العلف حتى ينهار المشروع كله فيغلق الاصطبل ومعه الأقساط من المنتوج الموجهة للسوق ومعه الاكتفاء الذاتي المحلي او على الصعيد الوطني.

ان مثل هذه المشاريع تعتبر هامشية وغير أساسية في بناء اقتصاد وطني يعتمد على المؤهلات والمدخلات المنبثقة من البنية الاقتصادية الوطنية تتقوى باستمرار وتحمل جينات الاستمرار والصمود ضد كل العوامل الخارجية التي ترغب في استغلال المواطنات والمواطنين وتركهم تحت رحمة من يطعمهم.

  •  
  •  
  •  
  •